موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٥ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
في حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

تحمل الرسالة العامة الأولى للبابا ليون الرابع عشر عنوان Magnifica humanitas، وهي مخصّصة لموضوع "حماية الإنسان في عصر الذّكاء الاصطناعيّ". وقد وُقّعت الوثيقة في 15 أيار  في الذكرى الخامسة والثلاثين بعد المئة لصدور Rerum Novarum للبابا ليون الثالث عشر، وقدَّمت رسميًا في 25 أيار، بحضور البابا نفسه. وتمثّل هذه المشاركة سابقة تاريخية، إذ إنها المرة الأولى التي يحضر فيها حبر أعظم تقديم رسالة عامة من تأليفه.

 

تشكّل الوثيقة امتدادًا طبيعيًا لمسار التعليم الاجتماعي للكنيسة. وكما تناولت رسالة البابا فرنسيس Laudato si’ علاقة الإنسان بالخليقة، تتناول رسالة ليون الرابع عشر علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وبالمنظومات التقنية التي تعيد تشكيل العالم المعاصر. وتشير إلى أنّ عصرنا يشهد «إغراءً خفيًا» يتمثّل في الاعتقاد بأنّ المشكلات أكبر من قدرتنا، وأنّ تأثير خياراتنا محدود، وهو ما يصفه البابا بأنه «شكل أنيق من الاستسلام، غالبًا ما يتخفّى في ثوب الواقعية».

 

اختار البابا ليون الرابع عشر هذا الاسم تكريمًا لليون الثالث عشر، مؤسّس التعليم الاجتماعي للكنيسة، الذي تأتي هذه الرسالة لتحدّثه وتطوّره بعد مرور 135 عامًا على صدور Rerum Novarum. ويعيد البابا صياغة المبادئ الاجتماعية الأساسية في خمسة محاور: الخير العام، الوجهة الشاملة للخيرّات، مبدأ التبعية، التضامن، والعدالة الاجتماعية. ويخصّص حيّزًا واسعًا لموضوع العمل، بوصفه «العنصر الجوهري في القضية الاجتماعية برمّتها، لأن الإنسان من خلاله يطوّر أبعادًا عديدة من وجوده».

 

ظهر من خلال العنوان المختار Magnifica humanitas قصدٌ واضح بوضع كرامة الإنسان في المركز، في مرحلة تاريخية تتّسم بتنامي تأثير التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، يوفّر معايير للتمييز الأخلاقي وتوجيهات لمجتمع تعبره ابتكارات واعدة بقدر ما هي ملتبسة. والعنوان نفسه يشير إلى منظور لا يقتصر على المخاطر، بل يشمل أيضًا الفرص التي تتيحها التقنيات الجديدة، انطلاقًا من قناعة مفادها أنّ كل تطوّر تقني يجب أن يبقى موجَّهًا نحو الخير المتكامل للشخص البشري. ومع ذلك، فإن الوثيقة تحمل رؤية إيجابية ومفعمة بالرجاء: فهناك طريق آخر ممكن، إذا أردنا للذكاء الاصطناعي أن يجعلنا أكثر حكمة وكفاءة وإنسانية وحساسية تجاه الآخرين، شرط أن نعي جيدًا المخاطر المترتّبة على قبول الهيمنة الرقمية قبولًا سلبيًا.

 

في الحقيقة، تقدّم هذه الرسالة معالجة لاهوتية‑نقدية رصينة لموقع الذكاء الاصطناعي في البنية الحضارية المعاصرة، وتؤكد أنّ التقنية ليست كيانًا محايدًا، بل هي نتاج بشري يحمل بالضرورة بصمة من يصمّمها ويموّلها ويوجّهها. وأنّ الذكاء الاصطناعي «غير محايد أخلاقيًا»، لأن كل منظومة تقنية تتشكّل داخل سياق ثقافي‑اقتصادي محدّد، وتُعاد صياغتها وفق المنطق القيمي للفاعلين القائمين عليها. وهذا الطرح ينسجم مع الرؤية اللاهوتية التي ترى أنّ التقنية، شأنها شأن أي نتاج إنساني، تعكس تصوّر الإنسان لذاته وللعالم، ويمكن بالتالي أن تتحوّل إلى أداة لبناء الخير أو وسيلة لإنتاج الهيمنة. ومن هنا تأتي الدعوة إلى «البقاء بشريين»، أي رفض اختزال الإنسان إلى وظيفة أو مورد ضمن منظومات حسابية أو ربحية، لأن قيمته غير قابلة للقياس ومؤسَّسة على كرامته الأصيلة بوصفه مخلوقًا على صورة الله.

 

وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم صورة الله في الإنسان أهمية مركزية، إذ يشكّل الأساس الأنثروبولوجي الذي تُبنى عليه كرامة الإنسان وقيمته. فالصورة الإلهية لا تشير إلى تشابه مادي، بل إلى علاقة وجودية وروحية تجعل الإنسان قادرًا على العقل والحرية والمحبة والعلاقة، وهي أبعاد تعكس طبيعة الله نفسه. ومن ثمّ، يصبح الإنسان كائنًا مسؤولًا مدعوًا إلى تجسيد هذه الصورة في حياته، ورفض كل ما يشوّهها من عنف أو استغلال أو إقصاء. فهذه الكرامة ليست امتيازًا يمنحه المجتمع، بل هي معطى أنطولوجي متجذّر في طبيعة الإنسان ذاتها، لأنها مرتبطة بعلاقته بالخالق. ومن هذا المنطلق، يصبح الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة تُستخدم لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية أو تقنية. إن هذا الأساس اللاهوتي يجعل من كرامة الإنسان معيارًا حاكمًا لكل تطوّر بشري، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، ويمنع اختزال الإنسان إلى بيانات أو أرقام أو وظائف قابلة للاستبدال.

 

لذلك، في عصر الذكاء الاصطناعي لابدّ من يقظة روحية وأخلاقية، وواجب إعادة تقييم كل تقدّم تقني على ضوء سؤال واحد: هل يخدم الإنسان أم يجرّده من إنسانيته؟ هل يعزّز حريته أم يقيّدها؟ هل يفتح المجال للعلاقات أم يضعفها؟ إ ومن هذا المنطلق، تُفهم التقنية بوصفها أداة في خدمة الإنسان لا سلطة مهيمنة عليه، ويُعاد تقييم كل تقدّم بشري وفق معيار روحي وأخلاقي يضمن ألّا تتحوّل الوسائل إلى غايات مستقلة. ومن ثمّ، لا يمكن للآلة—مهما بلغت من تطوّر—أن تحلّ محلّ الإنسان في القرارات الأخلاقية أو العلاقات أو الخبرة الوجودية، لأن هذه المجالات ترتبط جوهريًا بالحرية والضمير والمحبة.. فالذكاء الاصطناعي — بوصفه انعكاسًا لرؤية من يصمّمه ويموّله وينظّمه — يظلّ نتاجًا للإبداع البشري الذي يحمل في جوهره أثر الصورة الإلهية الخلّاقة. غير أنّ هذا النتاج قد يتحوّل إلى مصدر تهديد حين يُرفع إلى مرتبة المعيار المطلق للحقيقة، أو حين يُقصي البعد الأخلاقي عن القرارات الإنسانية. وترك التطوّر التقني دون توجيه مسؤول قد يؤدي إلى إعادة تشكيل «إنسانيتنا الرائعة» وفق منطق حسابي‑ربحي يهدّد بإفراغ الإنسان من عمقه الشخصي وتحويله إلى مورد قابل للاستخدام، وإقصاء أبعاده الروحية والعلائقية.

 

إنّ الجسد البشري، والعاطفة، والحرية، والضمير، والعلاقة ليست مجرّد خصائص إنسانية، بل مجالات لاهوتية أصيلة لا يمكن لأي آلة النفاذ إليها أو محاكاتها في جوهرها. فسرّ التجسّد الإلهي يرسم حدودًا واضحة أمام كل محاولة لرفع التقنية فوق الإنسان، إذ يعلن أن الله اختار أن يصير إنسانًا حقيقيًا لا كيانًا آليًا، وأن يقف -عبر التاريخ- إلى جانب الضعفاء والمهمَّشين، لا لامتياز فيهم، بل لأنهم الأكثر عرضة للظلم والانتهاك. ومن هذا المنطلق، يصبح الدفاع عن الفقراء التزامًا لاهوتيًا متجذّرًا في الإيمان ذاته، لا مجرّد مبادرة اجتماعية أو إنسانية.

 

تقدّم الرسالة صورتين كتابيّتين تُعدّان إطارًا موجّهًا للوثيقة. الصورة الأولى هي برج بابل (تك 11: 1–9)، رمز الادّعاء البشري بالاكتفاء الذاتي، وما ينتج عنه من فوضى ودمار. وهو الخطر الذي ينبغي تجنّبه. أمّا الصورة الثانية فهي الصورة الإيجابية الواردة في سفر نحميا (نح 1–2)، حيث يتعاون شعب إسرائيل العائد من السبي البابلي في إعادة بناء أورشليم. فالمدينة تنهض «من خلال المسؤولية المشتركة لجميع أفراد الشعب: الكهنة، الحرفيون، رؤساء العائلات، النساء والشباب. إنّها عملية يظلّ الله في مركزها، وتعيد بناء الروابط قبل الحجارة. لذلك، تضع الرسالة، من خلال هاتين الصورتين، البشرية أمام خيارين رمزيين: إمّا بناء عالم يقوم على الارتباك والهيمنة، وإمّا بناء مدينة يسكن فيها الله والإنسان معًا. وهي دعوة إلى استخدام التكنولوجيا بروح من الاعتدال والمسؤولية، بما يتيح الشهادة لـ«جمال إنسانية رائعة يسكنها الله». فالسؤال المطروح هو: أيّ مشروع حضاري نريد أن نشارك في بنائه؟ فإذا كنّا «معماريين حكماء» وبنّائين أمناء للحقيقة، نعتني بالعلاقات ونستثمر في التربية، محبّين للعدالة والسلام، فإن الإنسانية لن تفقد عظمتها. ومن الضروري ألّا نبقى متفرّجين مستسلمين، بل فاعلين ينسجون الرج اء، بالإيمان نفسه الذي تحلّت به مريم، التي—رغم تواضعها، وتحت سلطة أجنبية، ومع شعب مذلول ومنقسم—استطاعت أن ترى عمل الله الخفي والخلاصي في التاريخ.

 

في الفصلين الأوّل والثاني، يقدّم النصّ البابوي قراءة تاريخية‑لاهوتية لمسار التعليم الاجتماعي للكنيسة، لا بوصفه مجموعة من الوثائق المنعزلة، بل كتقليد حيّ يتطوّر في تفاعل مستمر مع تحوّلات التاريخ. يوضح البابا أن هذا التعليم لم يُصَغْ دفعة واحدة، بل نما تدريجيًا استجابةً لتحدّيات كل عصر: من مسألة العمل والعدالة الاجتماعية في زمن الثورة الصناعية، إلى قضايا حقوق الإنسان، ثم العولمة، وصولًا اليوم إلى الرقمنة والذكاء الاصطناعي. ومن هنا يؤكد أن هذا التعليم يتطلّب متابعة دائمة من الكنيسة، لأنها ليست خارج التاريخ، بل تعيش في قلب مسيرة البشرية، وترافقها في آلامها وتحولاتها. وفي هذا الإطار، يشير النص إلى أن «قوة التقنيات الناشئة ونفوذها الواسع يتغلغلان في نسيج الحياة اليومية، ويشكّلان عمليات اتخاذ القرار، ويؤثران بعمق في الخيال الجمعي» (رقم 4). هذه العبارة تكشف وعيًا عميقًا بأن التكنولوجيا لم تعد مجرّد أدوات خارجية نستخدمها، بل أصبحت جزءًا من بنية الوعي والقرار: فهي تؤثّر في ما نراه، وكيف نفكّر، وما نعتبره ممكنًا أو طبيعيًا. إنّها تعيد تشكيل تصوّراتنا عن الذات والآخر والعالم، ولذلك لا يمكن للكنيسة أن تتجاهل هذا البعد، لأنّه يمسّ مباشرةً كرامة الإنسان وحريته ومسؤوليته.

 

يذكّر البابا بأن التعليم الاجتماعي للكنيسة يقوم على ثلاث ركائز أنثروبولوجية‑لاهوتية: (أ) الإنسان صورة الله الثالوث: أي أن الإنسان ليس فردًا منعزلًا، بل كائن علائقي، مدعوّ إلى الشركة، يعكس في وجوده سرّ الله المحبّ. (ب) المساواة في الكرامة بين جميع البشر: فلا تفاضل في القيمة بين إنسان وآخر، مهما اختلفت الثقافة أو العرق أو الدين أو القدرة أو الوضع الاجتماعي. (ج) القيمة العليا للحقوق الإنسانية: بوصفها تعبيرًا تاريخيًا عن هذه الكرامة، وليست منّة من سلطة، بل اعترافًا بما هو مغروس في طبيعة الإنسان.

 

وعلى هذه الركائز تُبنى خمسة مبادئ أساسية تشكّل العمود الفقري للتعليم الاجتماعي: 1-الخير العام: أي مجموع الشروط التي تتيح لكل شخص ولجميع الجماعات أن يحققوا كمالهم بطريقة أكثر كمالًا. 2- الوجهة الشاملة للخيرّات فخيرات الأرض موجهة في الأصل إلى جميع البشر، ولا يجوز احتكارها بما يضرّ بحقوق الآخرين. 3- مبدأ التبعية؛ أي احترام دور المبادرات المحلية والهيئات الوسيطة، وعدم استبدالها بسلطات أعلى إلا عند الضرورة. 4-التضامن بوصفه وعيًا بأن مصير البشر مترابط، وأن مسؤولية كل واحد تمتدّ إلى ما وراء مصالحه الفردية 5-العدالة الاجتماعية: التي تسعى إلى تصحيح البُنى الظالمة، لا الاكتفاء بمساعدة الأفراد داخل منظومات غير عادلة.

 

أما معيار الحكم على التقدّم، فلا يُختزل في النمو الاقتصادي أو التطوّر التقني، بل يُقاس بقدرته على تحقيق «التنمية البشرية المتكاملة» (الأرقام 82–85)، أي تنمية تشمل الإنسان في كل أبعاده: المادية، والروحية، والثقافية، والعلاقية، ولا تترك أحدًا في الهامش.

 

ومن النقاط اللافتة في النص أن البابا لا يوجّه هذا التعليم إلى العالم فقط، بل إلى الكنيسة ذاتها. فالكنيسة مدعوّة -وهو بُعد بالغ الأهمية- إلى أن تعيش ما تعلّمه، وأن تمارس اتساقًا داخليًا مع هذه المبادئ، من خلال: -تعزيز قيمة الأشخاص داخل مؤسساتها، -معالجة إساءات السلطة والاعتراف بها ومواجهتها، -وبناء هياكل تقوم على المشاركة والمسؤولية المشتركة.

 

وذلك لكي «تقدّم للمجتمع علامة موثوقة على أنّ السعي المشترك إلى خير الجميع، في إطار المسؤولية المتبادلة والأخوّة، ليس يوتوبيا، بل إمكانية واقعية» (رقم 89). بمعنى آخر: التعليم الاجتماعي للكنيسة ليس خطابًا موجّهًا إلى الخارج فحسب، بل هو أيضًا مرآة نقدية للكنيسة نفسها، حتى تكون شهادتها في العالم ذات مصداقية، ويصبح حديثها عن العدالة والأخوّة والكرامة حديثًا مجسّدًا لا مجرّد شعارات.

 

وتستند الرسالة، من جهة، إلى تراث التعليم الاجتماعي، ومن جهة أخرى إلى الرسالتين Laudato Si’ وFratelli Tutti. فالتطوّر البشري والتقني يجب أن يحترم البيئة -الأرض الوحيدة التي منحنا الله إياها- كما يلفت البابا الانتباه إلى التكلفة الطاقية للذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى أخذها بجدّية. وفي المقابل، تكون التقنية مستدامة فقط إذا وجّهت نحو درب الأخوّة الشاملة، لا نحو الانقسام والاستغلال، لأن جميع البشر أبناء لله الواحد. وفي هذا المنظور الإيجابي، ينبغي أن تُسخَّر التكنولوجيا والتطوّر والقوة الاقتصادية والسياسية لخدمة الإنسان. ويؤكد الفصل الثالث، مستعيدًا تحليلات البابا فرنسيس في Fratelli Tutti، أنّ التقنية لا يجوز أن تُترك تحت سيطرة الفاعلين الخواص (الأرقام 95–96)، بل يجب توجيهها بحيث تعزّز التنمية والمشاركة.

 

كما يشدّد البابا ليون الرابع عشر على ضرورة تبنّي مقاربة رصينة ويقِظة (رقم 100)، نظرًا لوتيرة التحوّلات المتسارعة التي تجعل كثيرًا من التعريفات التقنية عرضة للتقادم السريع، ولما ينطوي عليه ذلك من خطر «تأليه» مفهوم الذكاء ذاته. ويبيّن البابا أنّ الانطباع بالموضوعية الذي قد تولّده إجابات الأنظمة الذكية واقتراحاتها يمكن أن يحجب عنّا حقيقة أنّ هذه الأنظمة تعكس — بصورة مباشرة — الخلفيات الثقافية والقيمية لمن صمّموها ودربوها، بما تحمله من نقاط قوة ونقائص.

 

ويحذّر من أنّ المحاكاة الاصطناعية للتواصل الإنساني الإيجابي -كالنصح، والتعاطف، والصداقة، والمحبة- قد تبدو مُرضية ومفيدة، لكنها قد تضلّل المستخدمين غير الواعين، فتجعلهم يظنون أنهم في علاقة مع شخص حقيقي. فحين تُحاكى الكلمة، لا تُبنى علاقة فعلية، بل يُنتج بديلٌ شكلي عنها. وتزداد خطورة هذا الأمر عندما تتسلّل هذه المحاكاة إلى بيئات فقيرة بالعلاقات الإنسانية والعواطف الحقيقية؛ إذ لا يكمن الخطر في أن يعتقد الفرد أنه يخاطب شخصًا آخر، بل في أن يفقد الرغبة ذاتها في البحث عن الآخر.

 

كما وضّح النصّ البعد الأخلاقي للحرب في العصر الرقمي، إذ يحذّر البابا من خطورة أتمتة القرارات العسكرية، لأنّ القرارات المتعلّقة بالحياة والموت لا يمكن تفويضها إلى منظومات خالية من الخبرة الإنسانية والقيم والقدرة على التعاطف. ومن هذا المنطلق، يتقدّم البابا خطوة إضافية بدعوته إلى «نزع سلاح الذكاء الاصطناعي»، أي تحريره من منطق التنافس العسكري والاقتصادي الذي قد يحوّله إلى أداة للهيمنة أو التدمير. فاللاهوت المسيحي يذكّر بأنّ السلام ليس مجرّد غياب للحرب، بل هو ثمرة عدالة ومسؤولية أخلاقية، وأنّ التقنية -مهما بلغت من تطوّر- لا يمكن أن تحلّ محلّ الضمير البشري الذي يبقى المرجع الأخير في القرارات المصيرية.

 

وفي سياق أوسع، يشير النصّ إلى أنّ مفهوم الفقر في عصر الذكاء الاصطناعي قد اتّسع ليشمل أشكالًا جديدة من التهميش، مثل الإقصاء الرقمي وغياب الصوت في عالم تتحكّم فيه الخوارزميات. وهذا يجعل حماية الضعفاء جزءًا لا يتجزّأ من حماية كرامة الإنسان. ومن هنا، يصبح الدفاع عن الفقراء ليس مجرّد عمل اجتماعي، بل التزامًا لاهوتيًا متجذّرًا في الإيمان ذاته. فالمجتمع الذي يترك بعض أفراده على الهامش هو مجتمع يتجاهل الحقيقة الأساسية بأنّ كل إنسان يحمل صورة الله.

 

وعليه، فإنّ العمل من أجل الفقراء لا يُعدّ إحسانًا أو مبادرة خيرية فحسب، بل هو استعادة لعدالة مفقودة، وإعادة بناء لعلاقات اجتماعية تقوم على الاحترام المتبادل. فالفقر اليوم لا يقتصر على الحرمان المادي، بل يشمل أيضًا من يُقصَون من المعرفة، أو من يُحرمون من المشاركة، أو من يُفقدون صوتهم في عالم تُحدّد فيه الخوارزميات من يُرى ومن يُهمَّش. ولذلك، فإنّ الدفاع عنهم هو دفاع عن جوهر الكرامة الإنسانية في عالم آخذ في التحوّل.

 

يؤكد البابا أيضًا أنّ «تعزيز الخير العام لا يمكن فصله عن احترام حقّ الشعوب في الوجود، وفي صون هويتها، وفي الإسهام بأصالتها في أسرة الأمم». ولذلك، فإنّ «أي محاولة أو مشروع يهدف إلى القضاء على أمّة أو إخضاعها هو عمل غير أخلاقي على نحو خطير، وبالتالي غير مقبول». وفي ضوء ذلك، يصبح الخير العام معيارًا حاكمًا لتقييم كل نظام سياسي أو اقتصادي أو تقني؛ رافضاً أن تتحوّل التقنية إلى قوة تهيمن على الإنسان، ويصرّ على أن تكون أداة لبناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.

 

تختتم الرسالة العامة بتقديم نشيد مريم -تعظم- بوصفه مرجعًا روحيًا وأخلاقيًا يوجّه النظر ويضبط البوصلة في قراءة الواقع. فمريم، كما يوضح النص، تدعونا إلى النظر نحو «مناطق التصدّع في الإنسانية، حيث تتجلّى اختلالات العالم، في التوتر بين المتواضعين والمتسلّطين، وبين الفقراء والأغنياء». وهي تربّي المؤمن على «اكتساب منظور مغاير، ينطلق من الأسفل، من موقع المتألّمين، لا من زاوية الأقوياء؛ وعلى قراءة التاريخ بعيون الصغار، لا من منظور أصحاب النفوذ» (الخاتمة، 243).