موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الأربعاء، ٣ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
الرأي العام في الكنيسة

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

تُظهر النصوص البابوية الصادرة في القرن التاسع عشر موقفاً لاهوتياً-فلسفياً متماسكاً يرى أنّ ما يُسمّى «الحرية غير المقيّدة في الكلام والطباعة» لا يمثّل حقاً طبيعياً، بل انحرافاً عن النظام الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع الإنساني. فالبابا غريغوريوس السادس عشر، في رسالته Mirari vos، يصف هذه الحرية بأنها «ضارة ولا يمكن التنديد بها بما يكفي»، لأنّها –في نظره– تفتح الباب أمام انتشار العقائد المنحرفة والأفكار الهدّامة دون أي ضابط أخلاقي أو ديني، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف الإيمان، وتشويش العقول، وتقويض وحدة المجتمع: «هنا يجب أن نذكر تلك الحرية الضارة والتي لا يمكن التنديد بها بما يكفي، حرية نشر أي كتاب وتوزيعه بين الناس، والتي يجرؤ البعض على المطالبة بها والترويج لها بصخب كبير. إننا نرتعب لرؤية أيّ عقائد وحشية وأخطاء مروّعة تُنشر على نطاق واسع في الكتب والكتيبات وغيرها من الكتابات التي لا تُحصى، والتي، رغم خفّتها وزناً، عظيمة في شرّها". إنّ خوفه لا ينبع من رفض المعرفة أو النقاش، بل من إدراكه أنّ الطباعة والكلمة المكتوبة أصبحتا في عصره أدوات قادرة على تشكيل الوعي العام بسرعة غير مسبوقة، وأنّ تركهما بلا ضوابط يعني السماح بانتشار الأخطاء كما تنتشر العدوى، في مجتمع لم يكن يمتلك بعد آليات نقدية أو تربوية قادرة على مواجهة هذا السيل من الأفكار. ولذلك فإنّ وصفه لهذه الحرية بأنها «عظيمة في شرّها» يعكس قناعة بأنّ حرية التعبير، حين تُفصل عن الحقيقة الموضوعية وعن المسؤولية الأخلاقية، تتحوّل إلى قوة تفكيكية تهدّد الإيمان والنظام العام معاً.

 

ويأتي تعليم البابا لاون الثالث عشر في الرسالة العامة Libertas praestantissimum  حيث قدّم تمييزات ضرورية لإزالة ذلك الخلط الذي ساد في العصور الوسطى، حيث كانت الوحدة الدينية في سياق الدولة تجعل من كلّ مخالف للعقيدة خارجاً عن القانون. ومن خلال هذه الرسالة رفض اعتبار حرية الفكر أو الكلام أو الكتابة أو العبادة حقوقاً طبيعية مطلقة، لأنّ الطبيعة البشرية –بحسب الفلسفة الكاثوليكية– ليست مصدراً للحقّ بمعزل عن الحقيقة والخير: :«مما سبق يتبيّن أنّه من غير الجائز إطلاقاً المطالبة أو الدفاع أو منح حرية غير مشروطة في الفكر أو الكلام أو الكتابة أو العبادة، كما لو كانت هذه حقوقاً تمنحها الطبيعة للإنسان". فالحقّ لا يُعرَّف بقدرة الإنسان على الفعل، بل بكون هذا الفعل منسجماً مع النظام الأخلاقي الذي وضعه الله. ومن هنا يرى لاون الثالث عشر أنّ المطالبة بحرية غير مشروطة في التعبير تعني عملياً منح الشرّ والأخطاء المكانة نفسها التي تُمنح للحقّ، وهو ما يتعارض مع العقل الطبيعي ومع واجب الدولة في حماية الخير العام. فالدولة، في نظره، ليست حكماً محايداً بين الحقّ والباطل، بل مسؤولة عن تهيئة الظروف التي تساعد الحقيقة على الظهور، وعن منع ما يهدّد وحدة المجتمع الأخلاقية والروحية.

 

وعند قراءة هذين الموقفين في سياقهما التاريخي، يتبيّن أنّهما لا يرفضان حرية التعبير بوصفها قيمة إنسانية، بل يرفضان المفهوم الليبرالي المبكر الذي كان يساوي بين الحقيقة والخطأ، ويعتبر أنّ السوق المفتوحة للأفكار كافية وحدها لضمان انتصار الحقيقة. فالكنيسة كانت ترى أنّ هذا التصوّر يتجاهل هشاشة الطبيعة البشرية، وقابلية الإنسان للانخداع، وتأثير القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في تشكيل الرأي العام. ولذلك فإنّ التحفّظ البابوي لم يكن موجهاً ضدّ الحرية في ذاتها، بل ضدّ تحويل الحرية إلى مطلق يعلو على الحقيقة، وضدّ اعتبار حرية التعبير حقاً طبيعياً غير مشروط لا يخضع لأي معيار أخلاقي أو ديني.

 

والكنيسة لا تخشى الحقيقة أيًّا كانت؛ وحرية الضمير قيمةٌ لا غنى عنها للإيمان؛ والجماعة تتغذّى من مواهب كلّ فرد، تُمارَس وفق مسؤوليته الناضجة و«نعمة حالته»؛ وفي جماعة الإخوة هناك مكان للجميع، حتى لأولئك الذين يمارسون الحقّ المزعج في النقد… لكنّ الواقع ليس كذلك، أو على الأقل لا يبدو لي كذلك. و"الكنيسة هي سرّ الحرية. هذه العبارة، على ما فيها من عمق، تبقى غير مفهومة لمن يتصوّر الكنيسة كتنظيم واسع، غامض، عريق، مهيب وقوي، مليء بسلسلة شبه لا متناهية من القوانين والمناصب والاختصاصات والتعريفات العقائدية. أمّا الكنيسة فهي العلامة المحسوسة في هذا العالم للحرية الأكثر جوهرية وفاعلية، الحرية بالمعنى الأصيل للكلمة (…) إنّها حرية الفكر والتعبير والعمل، وهي حقٌّ غير قابل للتصرّف لكلّ عضو في الجسد السري للمسيح، أيًّا كانت وظيفته، سواء كان راعيًا أو من عامة المؤمنين". وقد لاحظ بيوس الثاني عشر في خطابه للمشاركين في المؤتمر الدولي للصحافة الكاثوليكية (18 شباط 1950) أنّ «الكنيسة جسد حيّ، وستفقد شيئًا من حياتها إن لم يكن فيها رأيٌ عام. وتقع مسؤولية هذا النقص على الرعاة والمؤمنين معًا".  إنّ عرقلة حرية الكلام تنبع من ممارسة بيروقراطية للسلطة، غايتها الأساسية الحفاظ على النظام القائم. فالأقليات تُهمَّش وغالبًا ما تُستبعَد كليًا من كلّ قرار. «هناك، ويجب أن تكون هناك، حريةُ كلام في الكنيسة، ولذلك فحتى من لا يملك سوى رأيه الخاص والشخصي له الحقّ في التعبير عنه وفي أن يُصغى إليه بروح طيبة".

 

كما يُعاد التأكيد عليها في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تتناول بتفصيل أكبر الجوانب المحددة لهذا الحق، وتنص على ما يلي: «1. لكل فرد الحق في عدم التعرض للمضايقة بسبب آرائه. 2. لكل فرد الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها من أي نوع، دونما اعتبار للحدود، سواء شفهيًا أو كتابيًا أو عن طريق الطباعة أو في شكل فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها». أما الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فقد كرّست هذا الحق في المادة العاشرة، مؤكدة على أن حرية التعبير تشمل حرية الرأي وحرية تلقي ونقل المعلومات والأفكار دون تدخل من السلطات العامة. ومع ذلك، تُقرّ الاتفاقية بإمكانية فرض قيود قانونية على ممارسة هذه الحريات، شريطة أن تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي، ولأغراض تتعلق بالأمن القومي أو النظام العام أو حماية الصحة أو الأخلاق أو حقوق الآخرين أو نزاهة السلطة القضائية.

 

المفهوم الفردي للحرية الدينية يعكس تطورًا تاريخيًا وسياسيًا خاصًا، حيث تداخلت حرية الضمير وحرية الدين في الخطاب الدولي، رغم أنهما يُعبّران عن مطالب مختلفة: حرية الإيمان التي يُطالب بها الأفراد تجاه مؤسساتهم الدينية، وحرية الاعتراف التي تُطالب بها الجماعات الدينية تجاه السلطة السياسية. وقد تبلورت هذه المطالب في أوروبا القرن السادس عشر من خلال مفهوم التسامح، الذي أصبح أداة عملية للحكم، تهدف إلى بناء مجتمع مدني مستقل عن المجتمع الديني. ومع ذلك، احتفظ مفهوم التسامح بمعنيين: الأول لاهوتي، يُناهض تعصب السلطة الدينية ويُدافع عن حرية الضمير؛ والثاني سياسي، يُشرعن التعدد الديني على أرض واحدة، ويُمهّد للاعتراف بالتعددية الدينية. ويُقصد بـ"التسامح" التساهل تجاه أشخاص أو أفعال أو آراء تُرفض لأسباب أخلاقية أو غيرها. وإذا كان هذا التساهل موجّهًا نحو الأقليات الدينية من قبل جماعة دينية أو من قبل الدولة، فإن التسامح يؤدي إلى المطالبة بالحرية الدينية.

 

تُعدّ حرية التعبير حقًا يهدف إلى تكريس الحرية الأساسية للفرد والجماعات في «الاتحاد مع الإنسان الآخر في الفكر ومن خلال الفكر»، وهي، في الوقت ذاته، حق ذو أثر اجتماعي جوهري، إذ إن التبادل الحر والأصيل للأفكار يسهم في تشكيل رأي عام فعّال يخدم المجتمعات الديمقراطية الدستورية. وتمثل القدرة الفعلية لمختلف القناعات على الظهور والتداول مؤشرًا بالغ الأهمية لتقدير مستوى الديمقراطية في الأنظمة السياسية المختلفة.

 

لا تستطيع الكنيسة أن تتخلّى عن التعبير عن موقفها من القضايا ذات الطابع السياسي، عندما تكون لهذه القضايا أهمية أخلاقية وتثير مشكلاتٍ تمسّ الضمير. فقد أكّد بندكتس السادس عشر عام 2006، في حديثه إلى الحقوقيين الكاثوليك، أنّه «ليس من مظاهر العلمانية الصحيحة رفضُ حقّ الجماعة المسيحية، ومن يمثّلها شرعيًا، في التعبير عن رأيها في المسائل الأخلاقية التي تستفزّ اليوم ضمير جميع البشر، ولا سيما المشرّعين والحقوقيين». وأضاف أنّه «لا يتعلّق الأمر بتدخّل غير مشروع من الكنيسة في النشاط التشريعي، الذي هو من اختصاص الدولة وحدها، بل بتأكيد والدفاع عن القيم الكبرى التي تمنح معنى لحياة الإنسان وتحفظ كرامته. وهذه القيم، قبل أن تكون مسيحية، هي قيم إنسانية، ولذلك لا يمكن للكنيسة أن تبقى غير مبالية أو صامتة، إذ يقع عليها واجب إعلان الحقيقة عن الإنسان ومصيره بثبات».

 

ومن هذه الكلمات يمكن استنتاج بُعدين مختلفين. الأول يتعلّق بضرورة التمييز بين تدخّل السلطة الكنسية في الشأن السياسي وبين تدخّل المؤمنين الكاثوليك أنفسهم في المجال السياسي. فالأول، الذي يعبّر عن تعليم الكنيسة العليا، هو واجب‑حق للكنيسة، لا يرتبط بوظيفة سياسية –لأنّ السياسة ليست من طبيعتها– بل يرتبط، باستخدام تعبيرات يوحنا الثالث والعشرين الجميلة، بدورها كـ«أمّ ومعلّمة» تعلن وتعلّم وتذكّر. وهو، كما يوضح المجمع الفاتيكاني الثاني، «حكمٌ أخلاقي» في مسائل تتعلّق بالنظام الزمني، أي تقييمٌ على ضوء الشريعة الأخلاقية، يوجّه الضمائر لكنه غير مُلزِم قانونيًا. أمّا الثاني، فيتعلّق بعمل المؤمنين، أفرادًا أو جماعات، في المجال العام والسياسي، المدعوّين إلى إحياء النظام الزمني بروح مسيحية. وهذا يعني تقديم إصلاحات وبرامج مستوحاة من الإيمان، تُعرَض على الجميع بهدف جمع التأييد، ومن ثمّ – وفق القواعد الديمقراطية – إمكانية ترجمتها إلى واقع عملي. إنّ هذا الموقف، ينتمي إلى منطق لاهوتي واحد يرى أنّ الحرية لا تُفهم إلا في ضوء الحقيقة، وأنّ الحقّ في التعبير لا يمكن أن يكون مطلقاً، بل يجب أن يُمارس ضمن إطار يحمي الكرامة الإنسانية والخير العام. ومن هنا فإنّ النقد البابوي للحرية غير المقيّدة لا يهدف إلى قمع الفكر، بل إلى حماية المجتمع من الفوضى الأخلاقية، وإلى التأكيد أنّ الحرية الحقيقية هي تلك التي تخدم الحقيقة، لا تلك التي تساوي بين الحقّ والباطل أو تتيح للخطأ أن ينتشر بلا رادع.