موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ١٣ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
الوعظ بين الحكمة والتنظيم القانوني

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

يُعدّ الحديث عن الله من أعمق وأسمى أشكال التعبير الديني، وهو في الوقت ذاته مجال يتطلّب قدرًا كبيرًا من المسؤولية والتمييز الروحي والعقلي، نظرًا لارتباطه المباشر بتكوين الإيمان وحماية العقيدة وتشكيل الضمير المسيحي. فالحديث عن الله ليس مجرد نشاط معرفي أو خطاب ديني، بل هو فعل لاهوتي ورعوي يتداخل فيه البعد الروحي مع البعد التعليمي والبعد القانوني. ومن هنا، فإنّ الكنيسة، عبر تاريخها الطويل، أولت اهتمامًا بالغًا بتنظيم خدمة الكلمة، سواء من خلال التعليم الرسمي أو من خلال التشريع الكنسي الذي يهدف إلى حماية الإيمان وضمان سلامة التعليم.

 

إنّ أهمية هذا الموضوع تتجاوز البعد القانوني البحت، لتشمل أيضًا البعد اللاهوتي والأخلاقي والرعوي. فالحكمة، باعتبارها إحدى الفضائل الأساسية في الأخلاق المسيحية، تُعدّ عنصرًا جوهريًا في ممارسة الكرازة والتعليم، لأنها تضمن أن يكون إعلان كلمة الله مبنيًا على التمييز الروحي، والقدرة على قراءة الواقع، ومراعاة حاجات المؤمنين، والالتزام بالحقائق الإيمانية دون تحريف أو تهوين. ومن هنا، فإنّ دراسة الحكمة في الحديث عن الله من منظور قانوني كنسي تُعدّ مدخلًا مهمًا لفهم العلاقة بين القانون والأخلاق في الكنيسة، ولتوضيح كيفية تفاعل التشريع الكنسي مع الممارسة الرعوية.

 

وتتجلّى أهمية الحكمة في الحديث عن الله أيضًا في السياق الرعوي المعاصر، حيث يشهد العالم تحولات ثقافية وفكرية عميقة، وتحديات جديدة في مجال التواصل الديني. فوسائل الإعلام الحديثة تتيح لأي شخص أن يتحدث عن الله دون ضوابط أو مسؤولية، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار تفسيرات خاطئة أو تعليم غير دقيق. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ ضرورة رعوية لحماية الإيمان في عالم يتسم بالتعددية الثقافية والفكرية. فالواعظ الحكيم هو الذي يستطيع أن يقدّم التعليم المسيحي بطريقة تتناسب مع تحديات العصر، وأن يميّز بين ما هو ثابت في الإيمان وما هو قابل للاجتهاد، وأن يقدّم صورة متوازنة عن الله تتوافق مع التقليد المسيحي.

 

إنّ التحديات التي تواجه الحكمة في الحديث عن الله في العصر الحديث تتجاوز الإطار التقليدي الذي كان يحيط بخدمة الكلمة في القرون السابقة. فقد أصبح العالم اليوم فضاءً مفتوحًا تتداخل فيه الثقافات والأفكار، وتنتشر فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، وتُتاح فيه المنابر الدينية لكل من يرغب في التعبير عن آرائه، سواء كان مؤهّلًا لذلك أم لا. وهذا الواقع الجديد يفرض على الكنيسة مسؤولية مضاعفة في تنظيم خدمة الكلمة، وفي التأكيد على دور الحكمة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في حماية الإيمان من التشويه أو الانحراف.

 

ومن أبرز التحديات التي تواجه الحكمة في الحديث عن الله في العصر الحديث هو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت لأي شخص أن يقدّم نفسه كواعظ أو معلّم ديني دون أي تأهيل لاهوتي أو قانوني. وهذا الواقع قد يؤدي إلى انتشار تفسيرات خاطئة أو غير دقيقة، وإلى تقديم صورة مشوّهة عن الله أو عن الإيمان المسيحي. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ ضرورة ملحّة في هذا السياق، لأنها تضمن أن يكون الحديث عن الله مبنيًا على المعرفة اللاهوتية الصحيحة، وعلى التمييز الروحي، وعلى القدرة على قراءة الواقع بطريقة متوازنة.

 

كما أنّ التعددية الثقافية والفكرية التي تميّز العالم المعاصر تفرض على الواعظ أن يكون قادرًا على تقديم التعليم المسيحي بطريقة تتناسب مع هذا الواقع. فالحديث عن الله في مجتمع متعدد الثقافات يتطلب قدرة على التمييز بين ما هو جوهري في الإيمان وما هو مرتبط بثقافة معينة، وعلى تقديم التعليم بطريقة تحترم الآخر دون التنازل عن الحقيقة. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ عنصرًا أساسيًا في الحوار بين الأديان، لأنها تضمن أن يكون الحوار مبنيًا على الاحترام المتبادل، وعلى القدرة على تقديم الإيمان المسيحي بطريقة واضحة ومتوازنة.

 

ويُعدّ التحدي الفكري أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكمة في الحديث عن الله. فالعصر الحديث يشهد انتشارًا واسعًا للأفكار الفلسفية والعلمية التي قد تتعارض مع الإيمان المسيحي، أو التي قد تثير تساؤلات حول طبيعة الله أو حول العلاقة بين الإيمان والعقل. ومن هنا، فإنّ الواعظ الحكيم هو الذي يستطيع أن يقدّم التعليم المسيحي بطريقة تتناسب مع هذا الواقع، وأن يقدّم إجابات متوازنة على الأسئلة التي يطرحها العصر، وأن يميّز بين ما هو ثابت في الإيمان وما هو قابل للاجتهاد. وهذا يتطلب معرفة لاهوتية عميقة، وقدرة على قراءة الواقع الفكري بطريقة نقدية.

 

إذ لا تُفهم الحكمة في التقليد المسيحي بوصفها مهارة فكرية أو قدرة خطابية فحسب، بل باعتبارها مشاركة في معرفة الله ورؤية الواقع من منظوره. فالحكمة، كإحدى مواهب الروح القدس، تُمنح للمؤمنين لتقودهم إلى فهم أسرار الإيمان، والتمييز بين الحق والباطل، واتخاذ القرارات المنسجمة مع إرادة الله. ومن ثمّ، فإنّ الواعظ الذي يتناول الحديث عن الله دون حكمة يفتقر إلى القدرة على قراءة النصوص المقدسة قراءة روحية عميقة، ويعجز عن تقديم تعليم يتوافق مع التقليد الرسولي.

 

إذا كانت الحكمة في بعدها اللاهوتي تشكّل الأساس الداخلي الذي يوجّه الواعظ في حديثه عن الله، فإنّ الشرع الكنسي يأتي ليمنح هذا الأساس إطارًا تنظيميًا يحفظه ويضمن ممارسته بصورة سليمة داخل الكنيسة. فالشرع الكنسي لا يُعدّ مجرد مجموعة قواعد إدارية، بل هو في جوهره أداة لحماية الإيمان وتنظيم خدمة الكلمة، بحيث تُمارَس وفق روح الإنجيل وتعليم الكنيسة.

 

فالكنيسة، إذ تدرك خطورة التعليم غير المنضبط وما قد يسببه من انحرافات عقائدية أو اضطرابات رعوية، تضع من خلال الشرع الكنسي ضوابط واضحة لمَن يحقّ له التعليم، وللشروط الروحية والعلمية التي يجب أن يتحلّى بها الواعظ، وللحدود التي ينبغي احترامها في تفسير النصوص المقدسة. وهكذا يصبح الشرع الكنسي ضمانة موضوعية تُكمل البعد اللاهوتي للحكمة، لأنه يحدّد الإطار الذي يحفظ التعليم من الذاتية أو التسرّع أو التلاعب.

 

كما أنّ الشرع الكنسي يساهم في ترجمة البعد الأخلاقي للحكمة إلى ممارسات ملموسة، إذ يفرض على الواعظ الالتزام بالنزاهة، واحترام كرامة السامعين، وتجنّب استغلال المنبر لأغراض شخصية أو سياسية أو جدلية. ومن خلال هذه الضوابط، يضمن الشرع الكنسي أن يكون التعليم موجّهًا نحو خدمة النفوس، لا نحو خدمة مصالح فردية.

 

ولا يقتصر دور الشرع الكنسي على الجانب الوقائي، بل يمتدّ إلى الجانب البنّاء، إذ يشجّع على التكوين المستمر للوعّاظ، ويحثّهم على تعميق معرفتهم اللاهوتية، وتنمية حياتهم الروحية، وتطوير مهاراتهم الرعوية. فالشرع الكنسي، بهذا المعنى، ليس سلطة قمعية، بل إطار تربوي يهدف إلى تعزيز جودة التعليم وضمان انسجامه مع تقليد الكنيسة.

 

إنّ العلاقة بين الحكمة والقانون في الحديث عن الله تتجلّى بوضوح في الطريقة التي ينظر بها التشريع الكنسي إلى خدمة الكلمة باعتبارها مسؤولية رعوية وقانونية في آن واحد. فالقانون الكنسي لا يكتفي بوضع قواعد تنظيمية، بل يفترض وجود نضج روحي وأخلاقي لدى الواعظ، لأن القانون وحده لا يكفي لضمان سلامة التعليم ما لم يكن الواعظ نفسه يتحلّى بالحكمة التي تمكّنه من تطبيق النصوص القانونية بروح رعوية. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ عنصرًا مكملًا للقانون، لأنها تضمن أن يكون تطبيق القانون متوافقًا مع روح الإنجيل ومع حاجات المؤمنين.

 

رغم أنّ الشرع الكنيسة اللاتينية الصادر سنة 1983 لا يورد نصًا صريحًا يتناول موضوع الحكمة في الحديث عن الله بلفظه المباشر، إلا أنّه يتضمّن منظومة متكاملة من القواعد التي تنظّم خدمة الكلمة وتحدّد مسؤوليات الواعظين والمعلّمين، وتضع ضوابط دقيقة لضمان سلامة الإيمان وصيانة كلمة الله باعتبارها خيرًا قانونيًا يجب الحفاظ عليه. ويُعدّ مفهوم "كلمة الله كخير قانوني" من المفاهيم الأساسية لفهم العلاقة بين الحكمة والقانون. فالقانون الكنسي يعتبر أنّ كلمة الله ليست مجرد نصوص أو تعاليم، بل هي خير يجب حمايته من التحريف أو الإساءة. ومن هنا، فإنّ الحكمة في الحديث عن الله تُعدّ جزءًا من حماية هذا الخير، لأنها تضمن أن يكون التعليم متوافقًا مع الإيمان، وأن يكون الواعظ قادرًا على تقديم التعليم بطريقة مسؤولة ومتوازنة. وتعتبر الكنيسة أنّ كلمة الله ليست مجرد نصوص أو تعاليم، بل هي خير قانوني وروحي في آن واحد، لأنها الأساس الذي يتكوّن منه شعب الله، وهي المصدر الأول للتعليم المسيحي، والمعيار الذي تُقاس به صحة الإيمان والأخلاق. وبما أنّ هذا الخير معرّض دائمًا لخطر التفسير الخاطئ أو الاستخدام غير المنضبط، فإن القانون الكنسي يضع قواعد واضحة لضمان أن يكون إعلان كلمة الله مبنيًا على الأمانة والصدق والمسؤولية.

 

ويظهر هذا التكامل بين القانون والحكمة في العديد من النصوص القانونية التي تنظّم خدمة الكلمة. فالقانون 756، على سبيل المثال، يحدّد دور الأساقفة والكهنة في إعلان الإنجيل، ويؤكد أنّ هذه الخدمة ليست مجرد واجب قانوني، بل هي مشاركة في رسالة المسيح نفسه. وهذا يعني أنّ الواعظ لا يمارس خدمة الكلمة بصفته موظفًا قانونيًا، بل بصفته شاهدًا للإيمان، وهو ما يتطلب حكمة روحية وأخلاقية. كما أنّ القانون 757 يحدّد دور الكهنة في التعليم، ويؤكد أنّهم مدعوون إلى تقديم التعليم المسيحي بطريقة تتوافق مع التقليد الرسولي، وهو ما يتطلب قدرة على التمييز بين ما هو ثابت في الإيمان وما هو قابل للاجتهاد.

 

ويأتي القانون 760 ليؤكد أنّ التعليم المسيحي يجب أن يستند إلى الكتاب المقدس والتقليد والليتورجيا والتعليم الرسمي للكنيسة، وهو ما يتطلب حكمة في اختيار المصادر وفي تفسير النصوص. فالحديث عن الله دون حكمة قد يؤدي إلى تقديم تفسيرات خاطئة أو غير دقيقة، وهو ما قد يسبب بلبلة بين المؤمنين. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ شرطًا أساسيًا لتفسير الكتاب المقدس بطريقة صحيحة، لأنها تضمن أن يكون التفسير متوافقًا مع التقليد ومع التعليم الرسمي للكنيسة.

 

كما أنّ القانون 761 يشدّد على ضرورة استخدام وسائل متعددة في إعلان كلمة الله، بما في ذلك الوعظ والتعليم والكتابة ووسائل الإعلام الحديثة. وهذا يتطلب حكمة في اختيار الوسائل المناسبة، وفي تقديم التعليم بطريقة تتناسب مع العصر. فالحديث عن الله في وسائل الإعلام الحديثة يتطلب قدرة على التمييز بين ما هو مناسب وما هو غير مناسب، وعلى تقديم التعليم بطريقة تحترم قدسية الموضوع دون أن تفقد قدرتها على الوصول إلى الجمهور. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ عنصرًا أساسيًا في استخدام وسائل الإعلام في خدمة الكلمة.

 

والقانون 762، على سبيل المثال، لا يكتفي بالتأكيد على أهمية الكرازة، بل يربطها بواجب الواعظ في أن يكون مثالًا في الإيمان والحكمة. وهذا يعني أنّ الحكمة ليست مجرد فضيلة شخصية، بل هي شرط قانوني لممارسة خدمة الكلمة. ويشدّد على أنّ الكرازة ليست نشاطًا ثانويًا، بل هي خدمة جوهرية تتطلّب إعدادًا علميًا ونضجًا روحيًا وحكمة في اختيار الأسلوب والمضمون، لأن شعب الله يتغذّى من كلمة الله الحيّة. ويُعدّ هذا النص من أهم الأسس القانونية التي تُبرز ضرورة الحكمة في الحديث عن الله، إذ يربط بين الكرازة وبين مسؤولية الواعظ في تقديم تعليم متين ومتوازن.

 

فالقانون 762 يضع الأساس اللاهوتي والراعوي لهذه الخدمة، إذ يؤكّد أنّ شعب الله يتكوّن أولًا من خلال كلمة الله الحيّة، وأنّ المؤمنين يملكون حقًا أصيلًا في سماع هذه الكلمة من فم الخدّام المقدّسين. ومن هذا المنطلق، لا تُعدّ الكرازة نشاطًا ثانويًا أو اختياريًا، بل واجبًا رئيسيًا من واجبات الكاهن والشمّاس والأسقف، لأنها الوسيلة التي بها يُعلَن الإنجيل ويُبنى الإيمان وتتغذّى الجماعة المسيحية. ويُظهر هذا القانون أنّ الكرازة ليست مجرّد خطاب بشري، بل فعل كنسي رسمي يحمل سلطة التعليم ويهدف إلى خلاص النفوس.

 

ويأتي القانون 763 ليُبرز مكانة الأسقف بصفته المعلّم الأول في أبرشيته، إذ يمنحه حقّ الكرازة في كل مكان، بما في ذلك الكنائس التابعة للمعاهد الدينية ذات الحقّ الحبري. وهذا الامتياز لا ينبع من سلطة إدارية فحسب، بل من طبيعته الأسقفية المرتبطة بخلافة الرسل. ومع ذلك، يضع القانون قيدًا مهمًا يتمثّل في إمكانية منع أسقف المكان لهذا الحقّ في ظروف خاصة، ما يعكس مبدأ الشركة الكنسية واحترام التنظيم الراعوي المحلي. أمّا القانون 764 فيوسّع دائرة خدمة الكلمة لتشمل الكهنة والشمامسة، مانحًا إياهم سلطة الكرازة في كل مكان، شرط أن تُمارَس هذه السلطة بموافقة راعي الكنيسة، ولو كانت موافقة مفترضة. وهذا الشرط يهدف إلى الحفاظ على الانسجام الراعوي ومنع التداخل غير المنظّم، بحيث تبقى الكرازة جزءًا من مشروع رعوي موحّد لا مبادرات فردية معزولة.

 

وفي سياق توسيع المشاركة في خدمة الكلمة، يسمح القانون 766 بقبول العلمانيين للكرازة في الكنائس أو المصليات عندما تفرض الضرورة ذلك. غير أنّ هذا الانفتاح لا يلغي التمييز الجوهري بين الكرازة العامة والعظة الليتورجية، إذ تبقى العظة محفوظة للكاهن والشمّاس بحسب القانون 767، لأنها جزء من العمل الليتورجي الرسمي الذي يتطلّب سلطة التعليم المرتبطة بالدرجة المقدّسة. ويُظهر هذا التمييز أنّ الكنيسة، وإن كانت تعترف بدور العلمانيين في إعلان الإنجيل، إلا أنها تحافظ على البنية sacramentale للتعليم الليتورجي، الذي يُعدّ امتدادًا لسلطة المسيح المعلّم عبر خدامه المرسومين.

 

أمّا مضمون الكرازة، فيحدّده القانون 768 بوضوح، إذ يضع معيارين أساسيين: الأول هو ما يجب الإيمان به والعمل به لمجد الله وخلاص البشر، ما يعني أنّ الكرازة ليست خطابًا ثقافيًا أو اجتماعيًا عامًا، بل إعلانًا لخطة الله الخلاصية. والثاني هو تعليم ما تقدّمه السلطة التعليمية في الكنيسة حول كرامة الإنسان وحريته، والعائلة ووحدتها، وواجبات الإنسان في المجتمع، وتنظيم الأمور الزمنية بحسب إرادة الله. وهذا التوسّع في الموضوعات يعكس شمولية النظرة المسيحية للإنسان والعالم، ويؤكّد أنّ الكرازة ليست محصورة في العقائد الروحية، بل تمتدّ إلى الأخلاق الاجتماعية والإنسانية، شرط أن تبقى موجّهة نحو الغاية العليا: مجد الله وخلاص الإنسان. فيُلزم القانون الواعظين بتقديم حقائق الإيمان والأخلاق كاملة دون انتقاص أو تشويه، مع ضرورة التمييز بين التعليم الرسمي والرأي الشخصي. وهو ما يتطلب حكمة في اختيار الموضوعات، وفي التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي. وهذا يعكس أهمية الحكمة في عدم الخلط بين ما هو عقائدي وما هو اجتهادي، لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى تشويش المؤمنين أو إلى تقديم تعليم غير دقيق.

 

ويأتي القانون 769 ليحدّد أسلوب تقديم التعليم، فيطلب أن تُعرَض العقيدة المسيحية بطريقة تتناسب مع حالة السامعين وتتلاءم مع حاجات الأزمنة. وهذا المبدأ، الذي يُعدّ من أهم مبادئ اللاهوت الراعوي، يوازن بين ثبات الحقيقة وتنوّع طرق عرضها، بحيث تُقدَّم الكلمة بلغة مفهومة، وبأسلوب يراعي الثقافة والظروف الاجتماعية والروحية للمؤمنين. ومن هنا، لا تُعدّ الكرازة مجرّد نقل معلومات، بل فعل تواصل حيّ يتطلّب حكمة وتمييزًا وقدرة على قراءة الواقع. فالواعظ الحكيم هو الذي يستطيع أن يقدّم التعليم بطريقة تتناسب مع قدرات السامعين، وأن يتجنّب التعقيد أو التبسيط المخل، بطريقة تساعد المؤمنين على فهم الإيمان بطريقة صحيحة.

 

ولأن الكنيسة تدرك أنّ الكرازة لا يمكن أن تُحصر في الكنائس فقط، يشير القانون 772 إلى ضرورة استخدام وسائل الاتصال الحديثة لضمان وصول كلمة الله إلى الجميع، ما يعكس وعي الكنيسة بأهمية الإعلام في العصر الحديث، وضرورة حضور الإنجيل في الفضاء العام. كما يضيف القانون 770 ضرورة تنظيم الرياضات الروحية والبعثات المقدّسة بين الحين والآخر، لأنها تشكّل لحظات مكثّفة من الإصغاء إلى كلمة الله وتجديد الحياة الروحية للمؤمنين.

 

ويُكمل القانون 771 هذه الرؤية الشمولية، إذ يطلب من الرعاة، ولا سيما الأساقفة والرعاة، أن يضمنوا وصول كلمة الله إلى المؤمنين الذين لا يستفيدون من الرعاية العادية بسبب ظروف حياتهم، بل وإلى غير المؤمنين المقيمين في الإقليم، لأن رعاية النفوس تشمل الجميع دون استثناء. وهنا يظهر البعد الإرسالي للكنيسة، الذي لا ينفصل عن رسالتها التعليمية، ويذكّر بكلمات القديس بولس: "الإيمان من السماع، والسماع يكون بكلمة المسيح".

 

وهكذا، تكشف هذه القوانين مجتمعة عن رؤية متكاملة تعتبر الكرازة قلب الرسالة الكنسية، وتربط بين سلطة التعليم، وواجب الرعاية، وحقّ المؤمنين في سماع كلمة الله، وتؤكّد أنّ خدمة الكلمة ليست نشاطًا بشريًا عابرًا، بل فعلًا كنسيًا منظّمًا، له أبعاده اللاهوتية والراعوية والقانونية، ويهدف في النهاية إلى بناء الكنيسة وخلاص الإنسان.

 

ولا يقتصر دور القانون على تنظيم واجبات الواعظين، بل يمتد ليشمل مسؤولية السلطة الكنسية في مراقبة التعليم وضمان سلامته، إذ تتحمّل هذه السلطة واجب السهر على منع الانحرافات العقائدية والتفسيرات الذاتية غير المنضبطة، وهو ما يعكس إدراك الكنيسة لخطورة الحديث عن الله دون حكمة أو تمييز. فالقانون الكنسي لا ينظر إلى الحكمة باعتبارها فضيلة فردية فحسب، بل باعتبارها عنصرًا أساسيًا في حماية الإيمان. فالحكمة في الحديث عن الله تمنع الانحرافات العقائدية، وتضمن أن يكون التعليم متوافقًا مع التقليد الرسولي، وتحمي المؤمنين من التفسيرات الذاتية غير المنضبطة. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ جزءًا من النظام القانوني للكنيسة، لأنها تضمن سلامة التعليم واستمرارية الإيمان.