موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٢٣ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
الحذر والمهابة في الحديث عن الله

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

إنّ الحديث عن الله فعلٌ يستوجب يقظةً داخلية واحترازًا فكريًا لا نظير له في أي مجال آخر من مجالات المعرفة الإنسانية، إذ أدركت اللاهوتيات منذ نشأتها الأولى أنّ اللغة البشرية، مهما بلغت من الدقة والعمق، تبقى قاصرة عن الإحاطة بالواقع الإلهي اللامتناهي، وأنّ كل خطاب عن الله يتحرك بالضرورة ضمن حدود المخلوقية وضيقها. فالإنسان، بوصفه كائنًا محدودًا، يحاول أن يعبّر عن اللامحدود، وفي هذا المسعى يكمن خطر دائم يتمثل في اختزال السرّ الإلهي إلى مفهوم، أو تحويل المطلق إلى موضوع قابل للتحليل، أو التحدث بخفة عمّا يتجاوز كل مقاييس العقل. ومن هنا تنبع ضرورة التحلّي بالحذر، لا بوصفه خوفًا سلبيًا، بل باعتباره وعيًا معرفيًا وروحيًا بأنّ المتكلم يقف أمام حقيقة تتجاوز قدرته على الاستيعاب، وأنّ اللغة اللاهوتية، مهما سمت، تظلّ لغةً تمثيلية وإشارية لا يمكنها أن تبلغ كنه الذات الإلهية.

 

تُظهر الخبرة الراعوية في العقود الأخيرة بروز ظاهرة لافتة تتمثّل في ميل بعض الكهنة والوعّاظ إلى الحديث عن الله بقدر من السهولة والجرأة لا ينسجم مع عمق السرّ الإلهي ولا مع تقليد الكنيسة العريق في التمييز والحذر. ويبدو أنّ هذه الظاهرة تنبع من عدة عوامل، منها ضغط الواقع الرعوي الذي يدفع البعض إلى تبسيط الخطاب الديني لجعله أكثر قربًا من الناس، ومنها التأثير الثقافي المعاصر الذي يميل إلى تحويل كل موضوع إلى مادة قابلة للاستهلاك السريع، بما في ذلك الموضوعات اللاهوتية. كما أنّ بعض الكهنة قد يقعون في فخّ الثقة المفرطة بالذات، فيتحدّثون عن الله كما لو كانوا يمتلكون معرفة كاملة أو سلطة مطلقة على تفسير السرّ الإلهي.

 

هذه الظاهرة تحمل مخاطر لاهوتية وروحية جدّية، إذ قد تؤدي إلى تقديم صورة مشوّهة عن الله، أو إلى نشر تعليم غير دقيق، أو إلى إضعاف حسّ المهابة لدى المؤمنين. كما أنّها قد تخلق فجوة بين التعليم الكنسي الأصيل وبين ما يسمعه المؤمنون في الحياة اليومية، مما يهدّد وحدة الإيمان وعمقه. ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على أهمية التكوين اللاهوتي العميق للكهنة، وعلى ضرورة ممارسة التواضع الروحي في كل خطاب يتناول الله، وعلى أهمية العودة إلى تقليد الكنيسة الذي يربط بين المعرفة والعبادة، وبين التعليم والصلاة.

 

وقد شدّدت النصوص المقدسة والتراث الروحي على أنّ الله هو "الآخر المطلق"، وأنّ قداسته لا يجوز التعامل معها كموضوع عادي. فـ"مخافة الله" في المفهوم الكتابي ليست رهبةً تشلّ الإرادة، بل هي إدراك عميق لعظمة الله وقداسته، وهي الحالة التي تضع الإنسان في موضعه الصحيح، موضع التواضع أمام من هو مصدر الوجود وغايته. والتواضع هنا ليس انتقاصًا من الذات، بل هو اعتراف بالحقيقة: أنّ الإنسان ليس معيارًا لله، بل الله هو معيار الإنسان. ومن ثمّ فإنّ كل كلمة تُقال في شأن الله ينبغي أن تنبع من قلبٍ منفتح على الحقيقة، لا يدّعي امتلاكها، بل يخضع لها. والحذر اللاهوتي في هذا السياق هو فعل عدالة، لأنه يمنح الله ما يليق به من تنزيه، ويمنع تحويل الخطاب الديني إلى أداة للهيمنة أو التلاعب أو التبرير الذاتي.

 

الكتاب المقدّس نفسه يضع مخافة الربّ كأساس لكل حكمة: «رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبّ» (أمثال 1: 7)، وكأنّ الوحي يريد أن يعلّم الإنسان منذ البداية أنّ الدخول إلى سرّ الله لا يتمّ عبر الجرأة الكلامية، بل عبر المهابة التي تنبع من إدراك محدودية الإنسان أمام قداسة الله. وفي موضع آخر، يذكّرنا المزمور بأنّ «الرَّبَّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ… لِيَسْكُتْ كُلُّ الْبَشَرِ قُدَّامَهُ» (حبقوق 2: 20)، في إشارة واضحة إلى أنّ الصمت المفعم بالرهبة هو أحيانًا أصدق من الكلام حين يتعلق الأمر بالله. وأخيرًا، فإنّ الحذر والمخافة في الحديث عن الله ينبعان من الاعتراف بأنّ السرّ الإلهي يظلّ دائمًا أكبر من كل كلمة. فالكتاب المقدّس يذكّرنا بأنّ «السَّمَاوَاتُ لاَ تَسَعُهُ» (1 ملوك 8: 27)، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يحيط بالله كما يحيط بفكرة أو موضوع. وحتى عندما يكشف الله ذاته، يبقى متجاوزًا لما يكشفه. ومن هنا، فإنّ اللاهوت الأصيل يعيش في توتّر خصب بين الوحي والسرّ، بين الكلمة والصمت. وقد أدرك المعلمون الروحيون أنّ الصمت هو أحيانًا أعمق من الكلام، وأنّ العبادة هي أصدق من التحليل. فالحديث عن الله بحذر هو، في جوهره، اعتراف بأنّ الله ليس موضوعًا نمتلكه، بل هو حضور يملكنا؛ ليس مسألة نبحثها، بل سرّ ندخل فيه؛ ليس مفهومًا نحدّه، بل حقيقة حيّة تغيّر من يلتقيها. وهكذا يصبح اللاهوت، في أسمى معانيه، فعل عبادة قبل أن يكون فعل معرفة، ومسيرة تواضع قبل أن يكون مسيرة فكر.

 

وأخيرًا، فإنّ الحذر والمخافة في الحديث عن الله ينبعان من الاعتراف بأنّ السرّ الإلهي يظلّ دائمًا أكبر من كل تعبير. فالكتاب المقدّس يذكّرنا بأنّ «اللَّهَ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ» ‏(يوحنا ١: ١٨)، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يحيط بالله كما يحيط بفكرة أو موضوع؛ وحتى عندما يتجلّى الله ويكشف ذاته، يبقى متجاوزًا لما يكشفه. من هنا يعيش اللاهوت الأصيل في توتّر خَصِب بين الوحي والسرّ، بين الكلمة والصمت. وقد أدرك المعلمون الروحيون في التقليد الكنسي أنّ الصمت جزء بنيوي من الخطاب عن الله، لا صمت الجهل واللامبالاة، بل صمت العبادة والسجود. فالحذر اللاهوتي هو القدرة على التمييز بين ما يجب قوله وما يجب السكوت عنه، بين ما يمكن شرحه وما لا يمكن إلا التقاطه في الصمت المتأمّل. إنّه وعيٌ بأنّ الحقيقة الإلهية لا تنحصر في الصيغ العقائدية، مهما كانت ضرورية، وأنّ السرّ يبقى دومًا مفتوحًا، فائضًا، ومفاجئًا. حينئذٍ يصبح الحديث عن الله، في جوهره، اعترافًا بأنّ الله ليس موضوعًا لمعرفة نملك أدواتها، بل هو الذات التي تعرفنا وتدعونا؛ ليس مسألة نظرية نبحثها، بل حضورًا حيًّا نقابله؛ ليس مفهومًا نحدّه، بل واقعًا إلهيًا حيًّا يبدّل مَن يلتقيه: «لأَنَّهُ عَظَائِمَ صَنَعَ بِي الْقَدِيرُ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ» ‏(لوقا ١: ٤٩).

 

وإذا كان اللاهوت يتطلّب هذا الحذر العقائدي، فإنّ البعد الروحي للحذر لا يقلّ أهمية. فالمعرفة بالله ليست ثمرة الدراسة وحدها، بل هي ثمرة القلب المتحوّل. وقد شدّد كبار المتصوفة المسيحيين – من برنارد دي كليرفو إلى يوحنا الصليب – على أنّ «من أراد أن يتكلّم عن الله، فليتكلّم معه أولًا». فالكلمة اللاهوتية لا تكون صادقة إلا إذا خرجت من قلب مطهّر، من حياة تسعى إلى القداسة، من روح تتغذّى بالصلاة. إنّ مخافة الله هنا ليست خوفًا، بل هي وعيٌ بأنّ الكلمة عن الله يجب أن تُقال «بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ» (يوحنا 4: 24)، وأنّ اللاهوتي الذي لا يعيش في حضرة الله لا يستطيع أن يتكلّم عنه بصدق. ومن هنا، تصبح المخافة فضيلة تحرّر الإنسان من الادّعاء، وتمنعه من أن يتكلّم باسم الله دون أن يكون قد خضع أولًا لعمل نعمته. كما أنّ الحديث عن الله يحمل مسؤولية كنسية ورعوية. فالرسول يعقوب يحذّر قائلاً: «لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ… عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ» (يعقوب 3: 1). فالكلمة اللاهوتية ليست مجرد رأي، بل هي كلمة تبني أو تهدم، تنير أو تضلّ. لذلك، فإنّ الحذر اللاهوتي هو أيضًا فعل محبّة تجاه الكنيسة، لأنه يحفظ إيمان البسطاء، ويمنع الانحرافات العقائدية، ويضمن أن يبقى التعليم منغرسًا في تقليد الإيمان الرسولي. وهذا ما يؤكّده البابا فرنسيس حين يقول إنّ «اللاهوت يجب أن يُعاش على ركبتيه»، أي في روح الصلاة والتواضع.

 

من هنا يتبيّن أنّ كل خطاب عن الله يجب أن يكون مشفوعًا بمخافة مقدّسة، لا بوصفها خوفًا نفسيًا يشلّ الإنسان، بل باعتبارها وعيًا كتابيًا وروحيًا بقصور الإنسان أمام قداسة الله وسموّه المطلق: «لِذَلِكَ، وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ، لِنَكُنْ مُمْتَنِّينَ، وَبِهَذَا نُقَدِّمُ لِلَّهِ عِبَادَةً مَرْضِيَّةً، بِوَقَارٍ وَتَقْوَى، لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ» ‏(عبرانيين ١٢: ٢٨–٢٩). إنّ مخافة الله بهذا المعنى هي إدراكٌ حيٌّ لقداسته، لغيريّته، ولحريته التي لا تُقاس، وهي وعيٌ بأنّ الإنسان، حين يتكلّم عن الله، إنّما يقف على أرض مقدّسة تُلزمه بتطهير الكلمة، وتقويم النيّة، وتهيئة القلب للإصغاء.

 

إنّ الحذر اللاهوتي، في هذا الأفق، ليس مجرّد نزعة شخصية، بل هو خدمة حقيقية لجسد المسيح. فهو الذي يحول دون أن يصبح الخطاب عن الله سببًا للعثرة أو الانقسام، أو أداة لتبرير العنف الروحي أو الفكري. وهو الذي يدعو اللاهوتي والواعظ إلى النطق بكلمتهما «في شركة الإيمان» مع الكنيسة، بحيث يبقى التعليم منغرسًا في تقليد الحقيقية الواحدة، ومنفتحًا في الوقت ذاته على أسئلة العصر. في هذا المنظور، تغدو الحكمة اللاهوتية عمل محبّة: فهي تحفظ إيمان البسطاء، وتحمي الجماعة من الانحراف العقائدي، وتضمن أن يبقى الكلام عن الله متجذّرًا في الإيمان الرسولي وموجّهًا إلى بناء الكنيسة لا إلى تمزيقها.

 

وقد أكّد التعليم الكنسي الحديث هذا البعد نفسه. ففي الرسالة العامة الإيمان والعقل (Fides et Ratio)، يذكّر القديس يوحنا بولس الثاني بأنّ العقل البشري مدعوّ إلى الانفتاح على سرّ يتجاوزه، وأنّ الإيمان لا يُلغيه، بل يرفعه، ويحرّره من الاكتفاء بذاته. ويشدّد على أنّ اللاهوتي الحقيقي هو الذي «يخدم الحقيقة» ولا يدّعي امتلاكها. أمّا البابا بنديكتوس السادس عشر، فقد أكّد في الرسالة " الله محبّة" (Deus Caritas Est)  أنّ الله لا يُعرف أولًا كمفهوم، بل كحضور محبّ يدخل في علاقة مع الإنسان، وأنّ كل خطاب عنه يجب أن ينطلق من هذا اللقاء. ويضيف في كتاباته اللاهوتية أنّ «اللاهوت الذي لا ينبع من العبادة يفقد روحه»، مشيرًا إلى أنّ المعرفة بالله ليست مجرد تحليل، بل هي دخول في سرّ محبّته. والبابا فرنسيس، في فرح الإنجيل (Evangelii Gaudium)، دعى الكنيسة إلى أن تتكلّم عن الله بروح التواضع والدهشة، لأنّ «الله دائمًا أكبر» (Deus semper maior)، وهي عبارة تعبّر عن جوهر الإيمان المسيحي: أنّ الله لا يُختزل، ولا يُمتلك، ولا يُستعمل، بل يُستقبل ويُعبد.

 

يتّضح من ذلك، أنّ الحذر والمهابة في الحديث عن الله ليسا مجرد موقفين أخلاقيين أو أسلوبين بلاغيين، بل هما عنصران جوهريان في بنية اللاهوت المسيحي ذاته. فالكتاب المقدّس يضع مخافة الله كأساس للحكمة، وآباء الكنيسة يذكّرون بحدود اللغة البشرية أمام السرّ الإلهي، والوثائق البابوية المعاصرة تؤكّد أنّ اللاهوت الحقيقي لا يُمارَس إلا بروح التواضع والتمييز. وفي ضوء هذا التراث الغني، يصبح من الواضح أنّ أي خطاب لاهوتي يتناول الله يجب أن ينبع من قلب يصلّي، وعقل يتأمّل، وروح تعترف بحدودها.

 

كما أنّ الظاهرة الرعوية المعاصرة المتمثلة في التحدّث السهل والمباشر عن الله دون احتراز تُظهر الحاجة الملحّة إلى تجديد التكوين اللاهوتي والروحي للكهنة، وإلى تعزيز ثقافة التواضع أمام السرّ الإلهي. فالله ليس موضوعًا يمكن اختزاله أو تبسيطه، بل هو سرٌّ يُستقبل في العبادة قبل أن يُشرَح في التعليم. ومن هنا، فإنّ استعادة الحذر في الحديث عن الله ليست عودة إلى الصمت السلبي، بل هي دعوة إلى خطاب لاهوتي أكثر صدقًا وعمقًا، يحترم سرّ الله ويحفظ إيمان المؤمنين من التشويه.

 

فالحكمة ليست مجرد مهارة عقلية أو قدرة على الخطابة، بل هي فضيلة روحية تُعدّ من مواهب الروح القدس، وتُعرّف بأنها القدرة على رؤية الأمور من منظور الله، واتخاذ القرارات التي تنسجم مع إرادته. ومن هنا، فإنّ الحديث عن الله دون حكمة يُعدّ خروجًا عن روح التعليم المسيحي، لأنه يقدّم صورة مشوّهة عن الله أو عن الإيمان. وقد شدّد آباء الكنيسة على أنّ الحكمة هي أساس كل تعليم صحيح، وأنّ الواعظ الذي يتحدث عن الله دون حكمة يشبه من يقدّم غذاءً غير صالح للنفوس.

 

ويؤكد اللاهوت المسيحي أنّ الحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتواضع، لأن الإنسان الذي يتحدث عن الله يجب أن يدرك أنّ معرفته محدودة، وأنّ الله يتجاوز كل المفاهيم البشرية. ومن هنا، فإنّ الحكمة في الحديث عن الله تتطلب قدرة على الاعتراف بحدود المعرفة البشرية، وعلى تجنّب التفسيرات الذاتية التي قد تؤدي إلى تشويه صورة الله. كما تتطلب قدرة على التمييز بين ما هو جوهري في الإيمان وما هو ثانوي، وبين ما هو ثابت وما هو قابل للاجتهاد. وهذا التمييز يُعدّ من أهم عناصر الحكمة، لأنه يساعد الواعظ على تقديم التعليم بطريقة متوازنة، وعلى تجنّب التركيز على جوانب ثانوية على حساب الجوانب الأساسية.

 

ويرى اللاهوت المسيحي أيضًا أنّ الحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمحبة، لأن الحديث عن الله يجب أن يكون مبنيًا على محبة الله ومحبة الإنسان. فالواعظ الذي يتحدث عن الله دون محبة قد يقدّم تعليمًا صحيحًا من الناحية النظرية، لكنه يفتقر إلى القدرة على لمس قلوب السامعين، وعلى تقديم التعليم بطريقة تساعدهم على النمو الروحي. ومن هنا، فإنّ الحكمة تتطلب قدرة على تقديم التعليم بطريقة تراعي ظروف السامعين، وعلى استخدام لغة تتناسب مع قدراتهم الثقافية والروحية، وعلى تجنّب الأسلوب القاسي أو المتعالي الذي قد يؤدي إلى نفور السامعين.

 

ويأتي البعد الأخلاقي للحكمة ليكمل البعد اللاهوتي، لأن الحكمة ليست مجرد معرفة نظرية، بل هي قدرة على تطبيق المبادئ الأخلاقية في الواقع. فالواعظ الحكيم هو الذي يستطيع أن يقدّم التعليم الأخلاقي المسيحي بطريقة تتناسب مع الواقع المعاصر، وأن يميّز بين ما هو ثابت في الأخلاق المسيحية وما هو مرتبط بثقافة معينة، وأن يقدّم التعليم بطريقة تساعد المؤمنين على اتخاذ قرارات أخلاقية مسؤولة. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ عنصرًا أساسيًا في العمل الأخلاقي للكنيسة، لأنها تساعد الواعظ على تقديم التعليم بطريقة تتناسب مع التحديات الأخلاقية التي يواجهها العالم المعاصر.

 

كما أنّ التحديات الأخلاقية التي يشهدها العالم المعاصر تفرض على الواعظ أن يكون قادرًا على تقديم التعليم الأخلاقي المسيحي بطريقة تتناسب مع هذا الواقع. فالعصر الحديث يشهد تغيّرات كبيرة في القيم الأخلاقية، وانتشارًا واسعًا لأفكار قد تتعارض مع الأخلاق المسيحية. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ عنصرًا أساسيًا في تقديم التعليم الأخلاقي بطريقة متوازنة، لأنها تضمن أن يكون التعليم مبنيًا على الحقيقة، وفي الوقت ذاته قادرًا على مخاطبة الواقع بطريقة مسؤولة.

 

ومن خلال هذا التحليل، يتبيّن أنّ الحكمة في الحديث عن الله تُعدّ عنصرًا أساسيًا في حماية الإيمان وتنظيم خدمة الكلمة، وأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبعد اللاهوتي والأخلاقي. فالحديث عن الله دون حكمة قد يؤدي إلى تقديم تعليم غير دقيق، أو إلى انتشار تفسيرات خاطئة، أو إلى تشويه صورة الله، وهو ما قد يسبب بلبلة بين المؤمنين. ومن هنا، فإنّ الحكمة تُعدّ ضرورة ملحّة في العصر الحديث، لأنها تساعد الواعظ على تقديم التعليم بطريقة تتناسب مع التحديات المعاصرة، وعلى حماية الإيمان من الانحرافات العقائدية.