موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٤ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
رحلة الحب الإلهي عبر التاريخ

تأمل من اعداد: د. عدلي قندح :

 

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل في وجوده، ظل سؤال واحد يتردد في أعماق قلبه عبر الأجيال: من هو الله؟ وكيف كشف ذاته للبشر؟ وهل استطاع الإنسان حقاً أن يُدرك عظمة الخالق الذي أوجد الكون من العدم، وأقام المجرات في أفلاكها، وأحصى نجوم السماء ودعاها جميعاً بأسمائها؟ وكيف أمكن لهذا الإله العظيم، غير المحدود، الأزلي والأبدي، أن يقيم علاقة مع الإنسان المحدود الضعيف، بل وأن يجعل من تاريخ البشرية كله قصة لقاء بين الخالق ومخلوقه؟

 

هذا التأمل رحلة روحية في قلب التدبير الإلهي عبر التاريخ المقدس، نقرأ فيها التاريخ بعين الإيمان، ونحاول أن نتتبع فيها آثار الحب الإلهي منذ اللحظة الأولى للخلق وحتى اكتمال الإعلان الإلهي في التجسد. إنها رحلة تكشف لنا كيف لم يتوقف الله يوماً عن مخاطبة الإنسان، وكيف ظل يبادر إليه ويبحث عنه ويدعوه إليه، جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، حتى أصبحت قصة البشرية في جوهرها قصة الله الذي يحب الإنسان أكثر مما يستطيع الإنسان أن يتصور.

 

وعندما ننظر إلى الكتاب المقدس كوحدة واحدة، نكتشف أن أسفاره المتعددة ليست قصصاً متفرقة، بل فصول متتابعة في حوار إلهي طويل بدأ منذ فجر الخليقة وما زال مستمراً حتى اليوم. وسنرى خلال هذه الرحلة كيف كشف الله ذاته تدريجياً، وكيف كانت كل مرحلة من مراحل التاريخ تضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان لله، حتى بلغت هذه المسيرة ذروتها في سر التجسد.

 

 

البداية: الله الذي اقترب من الإنسان

 

يفتتح الكتاب المقدس صفحاته، في سفر التكوين، بصورة مدهشة: الله يخلق الإنسان على صورته ومثاله، ثم يدخل معه في علاقة مباشرة وشخصية. لم يكن الإنسان مجرد مخلوق بين ملايين المخلوقات، بل كان موضوع محبة خاصة وعناية فريدة.

 

ففي ذلك السفر نرى الله يبارك آدم وحواء ويتحدث إليهما مباشرة (التكوين 1: 28؛ 2: 16-17). ومنذ البداية نكتشف أن الله ليس قوة مجهولة أو فكرة فلسفية مجردة، بل إله حي يريد أن يُعرَف ويُحَب ويُحاور الإنسان. لكن الإنسان سقط واختار أن يبتعد عن خالقه. ومع ذلك، فإن أول كلمات الله بعد السقوط لم تكن كلمات رفض أو هلاك، بل كانت سؤالاً مليئاً بالحنان: «أين أنت؟» (التكوين 3: 9). لم يكن الله يسأل لأنه لا يعلم مكان آدم، بل لأنه أراد أن يُعيد الإنسان إلى نفسه. ومنذ تلك اللحظة بدأ تاريخ الخلاص كله، وبدأت رحلة الحب الإلهي التي لم تتوقف حتى يومنا هذا.

 

 

أول وعد بالخلاص

 

وفي قلب السقوط نفسه، أشرق أول نور للرجاء.

 

قال الله للحية: «وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه» (التكوين 3: 15). رأت الكنيسة في هذه الآية أول إعلان عن المخلّص الآتي. فقبل أن يجفّ دمع السقوط، أعلن الله أن الشر لن ينتصر في النهاية، وأن هناك خطة خلاص أعدها منذ الأزل. هنا تتجلى قدرة الله وعظمته؛ فهو لا يُفاجأ بالأحداث، ولا يضطرب أمام سقوط الإنسان، بل يحول حتى المأساة إلى بداية طريق الخلاص.

 

 

الله الذي لم يتوقف عن الكلام

 

مرّت الأجيال، لكن الله لم يصمت.

 

تكلم مع قايين (التكوين 4: 6)، وخاطب نوحاً وسط عالم غارق في الفساد (التكوين 6: 13)، وأقام معه عهداً بعد الطوفان (التكوين 9: 8-17). ثم دعا إبراهيم قائلاً: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك» (التكوين 12: 1). ومن خلال إبراهيم بدأت مرحلة جديدة في التاريخ المقدس. فقد وعده الله قائلاً: «ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض» (التكوين 22: 18). ومنذ تلك اللحظة بدأ الخلاص يخرج من إطار الفرد إلى إطار البشرية كلها. لم يكن الله يعد شعباً واحداً فقط، بل كان ينظر إلى جميع الأمم وإلى كل إنسان سيولد عبر التاريخ.

 

 

إشارات تتضح عبر القرون

 

ومع مرور الزمن بدأت ملامح المخلّص تتضح شيئاً فشيئاً.

 

في يعقوب ظهر الوعد بأن الملك الآتي سيكون من سبط يهوذا:

«لا يزول قضيب من يهوذا» (التكوين 49: 10).

 

وفي موسى أعلن الله:

«يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك مثلي» (التثنية 18: 15).

 

وفي داود وعد الله بملك أبدي:

«أثبت كرسي مملكته إلى الأبد» (صموئيل الثاني 7: 13).

 

وكأن الله كان يرسم لوحة هائلة تمتد عبر آلاف السنين، يضيف إليها في كل جيل لوناً جديداً وخطاً جديداً، حتى يكتمل المشهد في الوقت الذي عينه بحكمته الأزلية.

 

 

الأنبياء يرون من بعيد

 

ثم جاء الأنبياء الذين حملوا إشعاعات أكثر وضوحاً عن المستقبل.

 

أعلن إشعياء:

«ها العذراء تحبل وتلد ابناً» (إشعياء 7: 14).

 

وقال أيضاً:

«يُدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام» (إشعياء 9: 6).

 

وفي الإصحاح الثالث والخمسين رسم صورة العبد المتألم الذي يحمل خطايا الكثيرين ويشفع في المذنبين.

 

أما ميخا فأعلن مكان الميلاد:

«أما أنت يا بيت لحم…» (ميخا 5: 2).

 

ورأى دانيال في رؤياه:

«مثل ابن إنسان آتياً على سحاب السماء» (دانيال 7: 13).

 

كل نبي أضاف حجراً جديداً إلى بناء الرجاء، وكل جيل ازداد شوقاً إلى تحقيق الوعد.

 

 

انتظار القرون

 

تعاقبت الإمبراطوريات، وسقطت الممالك، وتبدلت الحضارات، لكن كلمة الله بقيت حية.

 

كان المؤمنون ينتظرون المسيّا الموعود. كانوا يقرأون النبوات ويتأملون الوعود ويترقبون اليوم الذي يزور فيه الله شعبه.

 

وكان الصمت الطويل في كثير من الأحيان امتحاناً للإيمان. لكن الله كان يعمل في الخفاء، يقود التاريخ نحو اللحظة التي أعدها منذ الأزل.

 

وهكذا نتعلم أن تأخر الوعد ليس غياباً لله، بل جزء من حكمته. وأن الزمن عند الله ليس كالزمن عند البشر.

 

 

ملء الزمان

 

ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها الأجيال.

 

يقول الرسول بولس:

«ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه» (غلاطية 4: 4).

 

ويقول الإنجيل:

«والكلمة صار جسداً وحل بيننا» (يوحنا 1: 14).

 

هنا بلغت رحلة الحب الإلهي ذروتها.

 

فالذي كلم آدم، ودعا إبراهيم، ورافق موسى، وألهم الأنبياء، لم يكتفِ بإرسال الرسل والكلمات والنبوات، بل اقترب من الإنسان إلى أقصى حد يمكن تصوره.

 

إن التجسد هو أعظم إعلان لمحبة الله، لأنه يكشف أن الله لم يرد فقط أن يتحدث مع الإنسان، بل أراد أن يشارك الإنسان حياته، وأن يدخل إلى تاريخه وآلامه وأفراحه وضعفه.

 

 

ماذا تعلمنا هذه الرحلة؟

 

تعلمنا أن الله أمين لوعوده مهما طال الزمن.

 

وتعلمنا أن الله سيد التاريخ مهما بدت الأحداث متشابكة أو غامضة.

 

وتعلمنا أن الله طويل الأناة، لا يمل من دعوة الإنسان إليه.

 

لكن قبل كل شيء، تعلمنا أن الله محبة.

 

فمنذ لحظة السقوط وحتى ملء الزمان، لم يتخلَّ الله عن الإنسان. ومنذ السؤال الأول في الجنة: «أين أنت؟» (التكوين 3: 9)، وحتى الوعد الأخير: «ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى 28: 20)، يبقى خيط واحد يربط كل صفحات الكتاب المقدس، وكل مراحل التاريخ، وكل أحداث الخلاص: محبة الله التي لا تتغير.

 

 

خاتمة التأمل

 

وعندما تنتهي هذه الرحلة، ندرك أن القصة ليست قصة آدم أو إبراهيم أو موسى أو الأنبياء فقط، بل هي قصتنا نحن أيضاً. فالله الذي بحث عن آدم ما زال يبحث عن الإنسان اليوم، والذي تكلم مع الآباء والأنبياء ما زال يدعو القلوب إلى معرفته، والذي قاد التاريخ كله نحو تحقيق وعده ما زال يقود حياة كل إنسان نحوه. ولهذا فإن أعظم اكتشاف يمكن أن يخرج به الإنسان من هذه الرحلة ليس مجرد معرفة أحداث التاريخ المقدس، بل إدراك حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الله أحب الإنسان أولاً، وأن تاريخ الخلاص كله ليس إلا قصة هذا الحب الإلهي الذي بدأ قبل الخليقة، واستمر عبر العصور، وما زال يدعو كل إنسان إلى الدخول في شركة الحياة معه إلى الأبد.

 

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الآلات قادرة على التعلم، وأصبحت المعرفة متاحة بضغطة زر، وأصبح الإنسان أقرب من أي وقت مضى إلى فهم أسرار المادة والكون، يكتشف في الوقت نفسه أن أعظم أسرار الوجود ما زالت كامنة في أعماق الروح الإنسانية. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على صناعة الأدوات، ازدادت حاجته إلى الحكمة التي توجه استخدامها، وكلما توسعت معرفته بالعالم، ازدادت حاجته إلى معرفة ذاته وخالقه. ولهذا تبقى رحلة الحب الإلهي عبر التاريخ هي الإطار الأعمق لفهم الوجود، لأنها الرحلة الوحيدة التي لا تقود الإنسان إلى مزيد من المعرفة فحسب، بل إلى معنى الوجود نفسه، وإلى اللقاء مع الله الذي كان في البدء، والذي هو كائن اليوم، والذي سيبقى إلى الأبد.