موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في 7 أكتوبر، أحدثت الحرب في غزة، إلى جانب الحروب الأخرى التي تعصف بالشرق الأوسط، تغييرًا جذريًا على المستوى العالمي. وهو صراعٌ له تأثير مباشر على حياة جماعة المؤمنين الكاثوليك، وندرك أنه سيستمر لفترة طويلة. ولهذا السبب، لا يمكننا انتظار أن تتغير الأوضاع، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا: كيف يمكننا، كمؤمنين بالمسيح، أن نعيش في خضمّ هذا الواقع؟
تهدف الرسالة الموجهة إلى أبرشية القدس من بطريرك اللاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إلى تقديم تأمل مفصل لمسار تمييز مشترك بين الخبرات الحياتية المختلفة للأبرشية (إسرائيل، غزة وفلسطين، الأردن وقبرص).
"نحن مدعوون لتقديم تفسير للزمن الراهن وفق منظور مسيحي، يُميِّزنا بوضوح" -كما يكتب بطريرك القدس- "هذه الرسالة هي ثمرة جهدٍ شاقّ ومؤلم -كما هي الحال في كل محاولة لصياغة رؤية روحية متكاملة- نابعة من تأمّلي وصلاتي، ومن كل ما نضج لديّ خلال هذه المرحلة. ومن الواضح أنها ليست رؤية كاملة أو نهائية. بل ينبغي فهمها على أنها اقتراح أوليّ للتفكير".
إنها رسالة ذات طابع رعوي، لا تُقدِّم تحليلًا سياسيًا، لكنها في الوقت نفسه لا تتجنب طرح مسألة ما يعنيه العيش كمسيحيين "في المدينة"، أي في العالم الواقعي.
تتألف الرسالة من ثلاثة أقسام:
· قراءة الواقع: وهو تقييم للحالة الحالية من الفوضى التي وقعت فيها الأرض المقدسة والعالم بأسره، لأنه قبل الحديث عن واقع مثالي، لا بدّ من الوقوف بقوّة على أرض الواقع كما هو.
· دعوة الله لكنيسة القدس: هي رؤية لاهوتية ودعوة حياة المسيحيين انطلاقًا من الكتاب المقدس، ولا سيما من أيقونة أورشليم السماوية المذكورة في سفر الرؤيا. وبهذا المعنى، فإن أورشليم هي النموذج الروحي الذي يوحد هوية أبرشية القدس بمختلف سياقاتها.
· التطبيقات الرعوّية، وهي اقتراحات وتوجيهات عملية تتيح للجماعة المؤمنة أن تُجسد هذه الدعوة الخاصة بكنيسة القدس في حياتها اليومية.
إنّ السابع من تشرين الأوّل والحرب في غزّة باتا يُعدّان من الأحداث المفصليّة التي طوت حقبةً وفتحت أخرى، بأسوأ صورةٍ ممكنة. وما نعيشه اليوم ليس مجرّد نزاعٍ محلّي، بل هو تعبيرٌ عن أزمةٍ أعمق بكثير، تتّصل بتحوّلٍ في النظام العالمي القائم.
فعلى مدى عقود، راهن المجتمع الدولي على نظامٍ يرتكز إلى القواعد والمعاهدات، وإلى مقاربةٍ متعدّدة الأطراف في إدارة شؤون العالم. أمّا اليوم، فيبدو أنّ الجميع قد استفاق على هشاشة هذا النظام. ونحن نشهد عودةً إلى الاعتماد على القوّة كوسيلةٍ حاسمةٍ لتسوية النزاعات.
لقد تحوّلت الحرب إلى موضوعِ عبادةٍ وثنيّة. لم يعد المدنيّون يُعتبَرون "ضحايا جانبية"، بل يُلقى باللّوم على فشل العدوّ في الاستسلام أو يُنظَر إليهم كأدواتٍ تُستَخدَم لتحقيق أهداف الحرب. كما تكشف بعضُ القوى العالميّة، التي كانت في الماضي تقدّم نفسها حارسةً للنظام الدولي، عن وجهٍ مختلف اليوم: فهي تختار مواقفها لا على أساس العدالة، بل وفق مصالحها الاستراتيجيّة والاقتصاديّة.
إنها حرب تُخاض أيضًا بالكلمات والصور. وأصبح التمييز بين الأخبار والدعاية أكثر صعوبةً من أي وقت مضى. وقد أثارت الحرب الدائرة أسئلة لم تُطرح من قبل، وأنا أفكر هنا في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات الحربية. كم عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم في الحروب الأخيرة على أرضنا نتيجة «قرارٍ اتّخذته خوارزميّة»؟"
في داخل هذا السيناريو، علينا محاولة فهم واقع أبرشيّتنا.
نحاول تجميع نتائج هذه الفوضى وتأثيرها على حياتنا ضمن خمسة محاور أساسيّة:
· تفكّك الروابط؛ الألم والكراهية وانعدام الثقة: كلّ واحد يميل إلى اعتبار معاناته على أتها فريدة ومطلقة. أن يكون الإنسانُ ضحيّةً قد يعني أمورًا مختلفة، ولا يجوز اختزالها في معنى واحد. هناك فرق بين من يُمارس السلطة ومن يخضع لها، بين من يمتلك السلاح ومن يُهدَّد به، بين من يحتلّ ومن هو واقع تحت الاحتلال. لقد حفرت الكراهية جراحا عميقة في القلوب. نحن نشهد عملية مؤلمة لتجريد الآخر من إنسانيته، فعندما يصبح الآخر مجرد «عدو»، يصبح كل شيء مبرَّراً. وقد ولدت العنف شعوراً بالخيانة حتى تجاه القيم التي كان يُعتقد الكثير منا أنّها مشتركة. ولكن في الفراغ الذي خلّفته السياسة والقانون، لم تتوقف الجمعيات والمنظمات الشعبية عن العمل، لا انطلاقًا من دعوةٍ ساذجةٍ إلى الحوار، بل بإصرار عنيد على الاعتراف بإنسانية الآخر.
· التفكّك إلى جيوبٍ اجتماعيّةٍ و«فقاعاتٍ هويّاتيّة» منغلقة، تتزايد حدّتها بفعل خوارزميّات وسائل التواصل الاجتماعي: أدّى الاستقطاب المتزايد بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، وداخل البُنى الاجتماعيّة في كلا المجتمعين، إلى تغذية الخوف والتطرّف، وتعزيز انتماءاتٍ تقوم على الاختلاف، بحيث يُختزل «نحن» في هويّاتٍ متعارضة.
· غياب المعنى والاستهلاك المفرط لكلمات محورية لهذه الأرض: التعايش، الحوار، العدالة، الخير العام: في هذه الأرض، يُضحى بالخير العام من قبل الجميع على مذبح المصالح الخاصّة، ولكن لا بديل: هذه الأرض هي بيت جميع الأديان. الله هو الذي وضعنا هنا.
· أزمة الحوار بين الأديان، التي تعصف بها ذاكراتٌ متنازعة واستغلال للهوية: الأماكن المقدّسة، التي ينبغي أن تكون فضاءاتٍ للصلاة، بدأت تتحوّل إلى ساحات صراع على الهويّة. وتُستَخدم النصوص المقدّسة لتبرير العنف، والاحتلال، والإرهاب. وهذا الاستغلال لاسم الله هو أخطر خطيئة في زمننا.
· الوجه المتنوّع للكنيسة المحليّة، المدعوّة إلى الاستجابة بطرقٍ مختلفة في واقعٍ متعدّد: إن إخوتنا في غزة يعيشون في ظروف من المحنة الشديدة، لكن رعية العائلة المقدسة وكاريتاس تظلان وجه المسيح في خضمّ هذه الفظائع.
في فلسطين، يتم تحديد مستقبل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بسرية وبشكل منظم. وإذا لم يُوضَع حد للعدوانية الناجمة عن الاحتلال وغياب سيادة القانون، فإنّ الخطر يكمن في ترسيخ احتلالٍ دائم، يُضعف أيّ إمكانيّة للتوصّل إلى حلّ عادل ومتّفق عليه.
في إسرائيل، يتزايد التمييز الاجتماعي وحالة من عدم المساواة الاقتصاديّة، وشعور متزايد بانعدام الأمان، بسبب الجريمة التي تعزز الرغبة في الهجرة. لم تشعر الجالية الكاثوليكية الناطقة باللغة العبرية بأن صوتها مسموع دائمًا في ظل صراع شديد الاستقطاب كهذا.
في خضم هذه الكآبة، تظلّ مجتمعاتنا المسيحية علامةً حيّةً للرجاء، وغنيّةً بخبرات الشجاعة في العيش والأخوّة، وذلك بفضل القرب الروحي والعملي المستمر للكنيسة العالمية – من البابا فرنسيس الى البابا لاون الرابع عشر وصولاً إلى أصغر الأبرشيات وأفقرها.
لقد عبّرت كنيستنا في القدس عن صوتها بصراحة ووضوح وجرأة، ساعيةً إلى قول كلمة الحقّ في خضمّ هذه الفوضى، وغالبًا ما كان ذلك على حساب التعرّض لسوء الفهم. لكنني أتساءل: هل كان ذلك كافيًا؟ أم أنّنا، في هذه المرحلة الصعبة للغاية، قد اخترنا الحذر وسعينا إلى الحفاظ على البنية المؤسّسيّة، على حساب شهادتنا النبويّة؟ إنّه سؤال يرافقني كلّ يوم، وليس من السهل أبدًا الإجابة عنه.
في ضوء كل ذلك، يطرح السؤال نفسه: ما هو الموقف الذي يجب أن نتخذه، كمسيحيين، في ظل هذا الوضع الراهن من الصراع؟ وإذا كانت القدس تجسد في ذاتها الروحانيات المتنوعة وآمال كنيستنا، فيمكننا أيضًا إعادة صياغة السؤال: ما هي مشيئة الله بشأن مدينة القدس؟ وللإجابة على ذلك، يتعين علينا أن نتأمل الصورة التي يقدمها لنا الله عن المدينة المقدسة. من سفر التكوين -أساس العلاقات كما أرادها الله- إلى رؤية يوحنا لأورشليم السماوية في سفر الرؤيا، التي تحدد الهوية العميقة للقدس وبالتالي هوية ورسالة كنيستنا المحلية.
يبدأ تاريخُ البشريّة في جنة عدن، وتنتهي القصة في مشهد معكوس ومختلف تمامًا: في مدينة، أورشليم الجديدة، التي تنزل من السماء، من عند الله. وأول مدينة يذكرها الكتاب المقدّس بناها قايين كملاذ، في محاولة بشرية لإعادة بناء العلاقات الأخوية بعد أن كانت قد فُقدت.
بين هذين القطبين –المدينة الملاذ التي بناها الإنسان بدافع الخوف، والمدينة النازلة والمُعطى من عند الله بدافع الحبّ- تتكشّف قصّة الخلاص بأكملها. يمتدّ هذا التوتّر عبر الكتاب المقدّس كلّه، ويتمحور بصورة فريدة حول أورَشليم. ففي القدس ولدت الكنيسة في عيد العنصرة، ومنذ بداياتها كانت الكنيسة عالمية وموحدة ومتنوعة. ولم تحتفظ الكنيسة وحدها بطابعها العالمي هذا، بل احتفظت به أيضًا المدينة المقدسة –نموذج رمزي وحقيقي لتقاطع الحضارات، والأديان، والهويّات العِرقيّة– ولكن في دوامة العنف التي سادت في السنوات الأخيرة، يبدو أنها فقدت رسالتها النبوية -المشار إليها في أورَشليم السماوية في سفر الرؤيا- للمصالحة والتعايش.
· السماء الجديدة لأورَشليم تشهد على حضور الله: ليست القدس مجرّد مسألة حدودٍ سياسيّة أو ترتيبات تقنيّة، بل إنّ هويّتها الأساسيّة، تكمن في كونها مكان لإعلان الله وبيت صلاة لجميع الشعوب. وتجاهل هذا البعد العمودي لهذه الأرض، أي سيادة الله، كما تُعبر عنها في الحساسيّة الدينيّة والروحيّة للجماعات المنتمية إليها، قد أدى وسيؤدي إلى فشل أي اتفاق للعيش المشترك.
· مدينة نازلة من السماء، كعروس أعدها الله، علامة على العطاء والعلاقة: أورشليم الجديدة هي مدينة تتلقى باستمرار من الله ذاتها وحياتها، وطبيعتها الأصلية هي العيش في حميمية مع الله، الذي يُرحب ويواسي. وهذا تحذير حاسم للمؤسسات الدينية في القدس: بدون الاعتماد المتواضع والمستمر على علاقة حيّة مع الله، فإن مؤسساتنا معرّضة لخطر التكلّس والضمور، قد تتحوّل إلى حصون منيعة مغلقة على العالم.
· مدينة حيث الهيكل هو الحمل الفصحي: الله لا يسكن في مبنى منفصل بحدود مغلقة، بل في العلاقة الحية: لقد أصبح الهوس بالسيطرة على المساحات وامتلاكها أحد المعايير الأساسية لتفسير العلاقات بين الجماعات، مما يؤدي غالباً إلى الانقسام والعنف. يجب حماية الأماكن والحدود من أجل صون حرية كل فرد ولا لخنقها. نؤكّد ضرورة اتّفاقات «الوضع القائم» (Status Quo) المختلفة المعمول بها حاليًا، ولكن أيضًا بضرورة امتلاك الشجاعة لاعتماد رؤية جديدة، وبناء نماذج جديدة للحياة والعلاقات، حيث يُصبح الإيمان المشترك بالله فرصةً للّقاء، لا أداةً للإقصاء.
· طريقة جديدة لرؤية الواقع في ضوء حمل الفصح: في أورَشليم الجديدة، الله حاضر كمنارة تمنحنا عيوناً جديدة لرؤية الحياة حيث ترى عيوننا الجسدية سوى الموت أو الهزيمة أو الدمار، مع الاعتراف باستمرار بكل شخص – الفقير، والغريب، وحتى العدو – كخليقةٍ صُنعت على صورة الله.
· أسلوب حياة المدينة ذات الأبواب المفتوحة والذاكرة المُطهرة: لا يمحو الله التاريخ، بل يعيد خلقه على أسس جديدة حيث يستطيع كل إنسان أن يجد معنى لتاريخه الخاص ولرسالة حياته. ينشأ العنف من العجز عن إعادة قراءة التاريخ قراءةً فدائية. إنكار الذاكرة التاريخية للآخر يعني الإقصاء ويسمم العلاقات. يجب تنقية الذاكرة، إعادة التفكير في مفهومي «التاريخ» و«الذاكرة»، وبالتالي أيضًا في مقولات «الذنب» و«العدالة» و«المغفرة»، من أجل خلق مستقبل مختلف. إنها ليست عملية دبلوماسية، بل فعل روحي عميق، لا يتعلق الأمر بإنكار وقائع الماضي، بل بالتحقّق من تأويلاتها، كي لا تفرض هذه التأويلات نفسها بعنف على خيارات الحاضر، فإن شجاعة الغفران هي الدواء الأقوى، والشهادة الأكثر أصالة التي يمكن لجماعتنا أن تقدّمها لشعوب هذه الأرض.
· القدس، قلب البشرية المشترك: قلب العالم يقع في القدس، وما يجري فيها يؤثّر في مليارات المؤمنين. لا تنتمي إلى أحد على نحو حصري، بل هي تراث للإنسانية. ومن واجب المجتمع الدولي أن يحافظ على المهمة العالمية للقدس.
· دعوة القدس هي شفاء العالم من جراحه: شفاء الجروح بالوداعة وشجاعة الغفران: هذه هي المهمة السامية والقصوى للأورَشليم، حيث يكون المسيحيون ملحًا ونورًا وخميرة داخل المجتمعات التي ينتمون إليها بحق. إنه خيار مسؤول يرفض الكذب كنظام والعنف كوسيلة، وهو أسلوب حياة متاح لكل من يهتم بأمر أورشليم الأرضية.
تتمثل رسالة كنيسة القدس في أن تكون تعبيرًا ملموسًا عن أورشليم الجديدة:
· التزامها الأول هو إعطاء الأولوية للليتورجيا والصلاة: الصلاة ليست وسيلة، بل هي قلب ونفس حياة الإيمان الشخصي والجماعي. الليتورجيا ليست مجموعة من الممارسات، بل هي عمل المسيح الذي يواصل بناء كنيسته وشفائها ودعمها. لا بد من تشجيع ليس فقط صلوات من أجل السلام، بل أيضاً صلوات الساعات ومراسم ليتورجيا التوبة الجماعية.
· العائلات، كنائس بيتية تربي على الإيمان والمصالحة: لتكن العائلات "مختبرات" للتربية على المصالحة واحترام الآخر، حيث يمكن رواية أحداث الماضي للأبناء بحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، ولكن دون نقل الكراهية والانتقام.
· المدارس ورشات لإنسانية جديدة، تُنقل فيها الوعي المسيحي ويُربى على إعادة قراءة التاريخ بعيون متحرّرة من الضغائن: ربَّما كانت مدارسنا من أعظم الهبات التي تقدّمها الكنيسة لبلادنا. إنها ليست مجرد أماكن للتعليم، بل ورشات حقيقية لإنسانية جديدة. إنها فضاءات نتعلم فيها العيش معًا، حيث لا يخيفنا الاختلاف، بل يثرينا، وحيث يصبح لقاء الآخر فرصة للنمو لا للصراع. تواجه المدارس المسيحية مشاكل مالية وتحديات ناجمة عن عواقب الصراع، مما يعرّض لخطر جدّي إمكانية المحافظة على الهوية المسيحية لمدارسنا. سنواصل بوداعة وإصرار الدفاع عنها.
· المستشفيات والعمل الاجتماعي، أماكن أصبح فيها الاستقبال والحوار والشفاء حقيقة واقع معاش: في مستشفياتنا، يولد اليهود والمسيحيون والمسلمون، ويُعالجون، ويتألمون، ويموتون أحيانًا معًا. أطباء وممرضون من ديانات مختلفة يعملون جنبًا إلى جنب. مهمتنا مزدوجة. أولًا، يجب أن ندعم هذه المؤسسات. ثانيًا، يجب الفصح عنها لنظهر أن طريقًا آخر ما زال ممكنا.
· كبار السن هم الذاكرة الحية، الشباب هم النبوءة.
· الكهنة، مرجعية ثابتة للجماعات، والرهبان نماذج في الشركة الأخوية: على الرغم من العزلة والتعب وأحيانًا عدم الفهم، يظل الكهنة دائمًا في الخطوط الأمامية يقوموا بخدمتهم بثابت ومرجعية إيجابية، حتى في أصعب الظروف. حضور الرهبان والراهبات غالبًا ما يكون خفيًا، لكنه أساسي. في أرض تتسم بالانقسامات، يبنون بحضورهم نماذج تثبت أن العيش المشترك ممكناً وشركة الحياة، أفكر بامتنان خاص بأولئك الذين، واصلوا الصلاة والخدمة تحت القصف.
· الحوار المسكوني، بُعد أساسي للكنيسة في القدس: في الأرض المقدسة، الحوار المسكوني –أو بالأحرى، العلاقة الملموسة بين الكنائس المسيحية المختلفة– ليس خيارًا أو تمرينًا مخصصًا للخبراء: إنه واقع رعوي يومي لعائلاتنا المسيحية المختلطة وبعد تأسيسي لحياة كنيستنا. أن نحمل في حياتنا اليوميّة صليبَ الكنيسة الجامعة جزء من رسالتنا، ولهذا من المهم تعزيز فرص ملموسة للتفاهم المتبادل والتكلم بصوت واحد، لأن أول شهادة ندلي بها هي الوحدة في ما بيننا.
· الحوار بين الأديان، ضرورة حيوية: الحوار بين الأديان يمرّ اليوم بمرحلة صعبة. بالنسبة للمسيحيين، فهو ليس مجرد ضرورة حيوية، بل هو الشكل الحقيقي الذي يُبرز كوننا كنيسة. غير أنّه لا بدّ من القيام بخطوة انتقال للحوار من نطاق النخبة ليتجذر في الحياة اليومية -في الرعايا والمدارس والخدمات الاجتماعية- ليتحول إلى ممارسة مشتركة. يجب أن نجرؤ على الغفران، فالغفران لا يعني تبرير الشرّ، بل يعني كسر حلقة الكراهية.
· رفض التواطؤ مع ثقافة العنف: يجب أن يصبح رفضُنا للعنف رفضًا كاملًا وواضحًا، لأنه لا يمثّل أبدًا طريق الإنجيل. يجب أن نفحص ضمائرنا حول اللغة التي نستخدمها ولنربّي أبناءنا على التمييز بين النقد المشروع والإهانة، وأن نكون فاعلين نشطين في مجال العيش المشترك.
· الثقة التي تذهب عكس التيار، لكنها ضرورية، والترحيب بالآخر حتى لا ننغلق على أنفسنا في تحصيناتنا: الشكّ، يشل. الثقة ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل تنبع من الإيمان اليقين بأن الله لا يتخلى عن تاريخه. وهذا يعني عمليًا أن نصبح مروّجين لفن اللقاء والوحدة.
بدءًا من مجتمعاتنا، التي ليست أرخبيلاً من الجزر، بل عائلة واحدة، في مواجهة إغراء الانغلاق على أنفسنا وتبني عقلية الحصن، -حتى لو كان ذلك بدافع الخوف- يجب أن نتذكر أن الضمير المسيحي ليس قلعة يجب الدفاع عنها، بل هو نبع متدفق.
«كيف يمكننا أن نقوم بكلّ هذا؟» الجواب بسيط: لا يمكننا ذلك. لا يمكننا بمفردنا. لكنّنا لسنا وحدنا. يسوع ينتظرنا في رعايانا، وفي جماعاتنا المؤمنة، وفي مجموعاتنا وحركاتنا الكنسيّة. لأنّ ما يسندنا في النهاية ليس قوّتنا الذاتية، بل فرح الإنجيل. بعد صعود يسوع، «رجع التلاميذ إلى أورشليم بفرح عظيم» ونحن أيضًا نرغب في العودة إلى ""أورَشليم" بشكل يومي بذات الفرح، لنعد إلى حياتنا بشغف. لنحمل في قلوبنا حُلم الله لمدينته، ولنسمح لذلك الحُلم أن يصير، خطوة بخطوة، يومًا بعد يوم، حياتنا ذاتها.