موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يشكّل الكرسي الرسولي، في امتداده التاريخي واللاهوتي، أحد أكثر البنى ثباتاً في الوعي الكنسي والإنساني، إذ يستمد سلطته لا من قوة سياسية أو نفوذ زمني، بل من الجذر الرسولي المؤسَّس على الوعد الإلهي: «أنتَ بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي». ومن هذا الأساس تنبع مسؤولية الحبر الروماني في صون الإيمان، وحماية كرامة الإنسان، وتوجيه الضمير الأخلاقي للجماعة الكنسية وللعالم بأسره. وتقوم هذه السلطة على مبدأ جوهري مفاده أنّ الحبر الروماني يمارس ولاية روحية وتعليمية لا يمكن اختزالها في منطق سياسي أو إداري، بل تُفهم في إطارها القانوني كخدمة للخير العام الروحي، وكضمانة لحرية الكنيسة في أداء رسالتها.
وفي ضوء هذا الإطار، يمكن فهم السجال المفترض بين البابا لاون الرابع عشر ومع أحد رؤساء العالم بوصفه نموذجاً تحليلياً يتيح قراءة العلاقة المعقّدة بين السلطة الروحية والسلطة المدنية، لا باعتباره صراعاً بين شخصين، بل بوصفه اختباراً لمبدأ «حرية الكنيسة» الذي يشكّل في القانون الكنسي قاعدة تأسيسية، إذ يقرّ بأنّ للكنيسة حقاً أصيلاً في إدارة شؤونها الداخلية، وفي إعلان تعليمها الأخلاقي دون خضوع لإكراه أو ضغط من أي سلطة زمنية. ويجد هذا المبدأ صداه في التشريعات المدنية الحديثة التي تعترف بحرية الدين وباستقلال المؤسسات الدينية في إدارة شؤونها، وتعتبر تدخل السلطة السياسية في المجال الديني تجاوزاً لمبدأ الفصل بين السلطات، وانتهاكاً لحرية الضمير التي تُعدّ من الحقوق الأساسية في المنظومات القانونية المعاصرة.
وفي المقابل، فإنّ التشريعات المدنية في الدول الديمقراطية الحديثة تعترف بأنّ حرية الدين تشمل حق المؤسسات الدينية في التعبير عن مواقفها الأخلاقية، حتى عندما تتعارض مع سياسات الدولة، ما دام هذا التعبير لا يشكّل تحريضاً على العنف أو انتهاكاً لحقوق الآخرين. وتستند هذه الحماية إلى مبادئ دستورية راسخة، مثل مبدأ حرية الضمير، ومبدأ عدم تدخل الدولة في الشؤون الداخلية للمؤسسات الدينية، ومبدأ التعددية الذي يضمن وجود أصوات أخلاقية مستقلة عن السلطة السياسية. ومن هنا، فإنّ تدخل البابا لاون الرابع عشر في الشأن العام، في هذا السجال المفترض لا يمكن فهمه كعمل سياسي، بل كواجب قانوني‑أخلاقي تفرضه عليه ولايته الروحية، إذ إنّ القانون الكنسي يحمّله مسؤولية الدفاع عن كرامة الإنسان وعن المبادئ الأخلاقية التي تُعدّ جزءاً من التراث القانوني‑الروحي للكنيسة.
يقوم القانون الكنسي على مبدأ أساسي مفاده أنّ الحبر الروماني يتمتع بسلطة عليا في التعليم والحكم والتقديس، وأنّ هذه السلطة ليست قابلة للتفويض من أي جهة زمنية، بل تستمد مشروعيتها من الجذر الرسولي ومن الطبيعة الإلهية‑الإنسانية للكنيسة. وهذا يعني أنّ البابا، عندما يتدخل في الشأن العام، لا يفعل ذلك بصفته فاعلاً سياسياً، بل بصفته صاحب ولاية روحية‑قانونية تفرض عليه إعلان الحقيقة الأخلاقية والدفاع عن كرامة الإنسان. ويُعدّ هذا التدخل ممارسة مشروعة لسلطته القانونية، لأن القانون الكنسي يحمّله مسؤولية حماية الإيمان والأخلاق، وهي مسؤولية لا يمكن تعليقها أو تقييدها بقرارات سياسية أو اعتبارات دبلوماسية.
ويؤكد القانون الكنسي أيضاً مبدأ «حرية الكنيسة»، وهو مبدأ ذو طابع دستوري داخل النظام القانوني الكنسي، يقرّ بأنّ الكنيسة تملك حقاً أصيلاً في إدارة شؤونها الداخلية، وفي إعلان تعليمها، وفي ممارسة ولايتها الراعوية دون تدخل من أي سلطة زمنية. وقد تطوّر هذا المبدأ عبر القرون ليصبح قاعدة عليا تُلزم كل مؤمن، وكل سلطة زمنية، باحترام استقلال الكنيسة. ويُفهم هذا الاستقلال لا بوصفه امتيازاً، بل بوصفه ضرورة قانونية‑لاهوتية تضمن قدرة الكنيسة على أداء رسالتها العالمية. ومن هنا، فإنّ أي محاولة من سلطة سياسية للحدّ من صوت البابا أو التأثير على مواقفه الأخلاقية تُعدّ، في المنظور الكنسي، انتهاكاً لحرية الكنيسة، وتجاوزاً للحدود التي يضعها القانون الطبيعي والقانون المدني على حد سواء. ويتميّز القانون الكنسي أيضاً بكونه يربط بين السلطة والمسؤولية، إذ يفرض على البابا واجباً قانونياً‑راعوياً في الدفاع عن الضعفاء وعن السلام وعن العدالة. وهذا الواجب لا ينبع من اعتبارات سياسية، بل من طبيعة السلطة البطرسية التي تُفهم في القانون الكنسي كخدمة للخير الروحي العام. ولذلك، فإنّ تدخل البابا لاون الرابع عشر في مواجهة سياسات قد يرى أنها تهدد كرامة الإنسان أو العدالة الدولية ليس تدخلاً سياسياً، بل ممارسة لواجب قانوني‑أخلاقي يفرضه عليه منصبه. ويتميّز القانون الكنسي أيضاً بقدرته على التفاعل مع الأنظمة القانونية المدنية دون أن يفقد استقلاله. ومن هنا، فإن أي مواجهة بين الحبر الروماني وقائد سياسي ينبغي فهمها في ضوء مبدأ «حرية الكنيسة»، الذي شكّل عبر القرون قاعدة أساسية لضمان قدرة الكنيسة على ممارسة رسالتها دون خضوع لاعتبارات سياسية أو ضغوط سلطوية. وعندما تدخل في صدام مع السلطة السياسية، إنما تفعل ذلك حفاظاً على رسالتها الروحية، لا سعياً وراء سلطة زمنية.
إن الأساس اللاهوتي لموقف البابا لاون الرابع عشر يقوم على فهم دقيق لطبيعة السلطة البطرسية، التي هي سلطة تعليمية وراعوية قبل كل شيء، تهدف إلى إنارة الضمير الإنساني بنور الإنجيل، وإلى تقديم معايير أخلاقية تتجاوز حدود المصالح القومية. كما يستند موقفه إلى مبادئ التعليم الاجتماعي للكنيسة، ولا سيما كرامة الشخص البشري، والخير العام، والتضامن، ومبدأ التدرّج في المسؤولية، وهي مبادئ تُلزم الكنيسة بأن ترفع صوتها عندما ترى تهديداً لهذه القيم.
ومن منظور لاهوتي، لا يتحدث البابا باسم دولة أو جماعة سياسية، بل باسم الكنيسة الجامعة، التي تحمل رسالة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتخاطب الإنسان بما هو إنسان. ولذلك فإن تقييمه للسياسات العامة ينطلق من رؤية شمولية تهدف إلى حماية السلام والعدالة، لا من اعتبارات سياسية آنية. ويُعدّ هذا البعد الكوني للبابوية أحد العناصر التي تمنحها سلطة أخلاقية فريدة، تجعل صوتها في كثير من الأحيان صوتاً نقدياً تجاه القوى العظمى، وصوتاً دفاعياً عن الشعوب الضعيفة. إن الدفاع عن البابا في هذا السياق لا يعني الانحياز إلى موقف سياسي ضد آخر، بل يعني الدفاع عن الدور النبوي للكنيسة، وعن حقها وواجبها في إعلان الحقيقة الأخلاقية حتى عندما تكون غير مريحة لأصحاب السلطة. فالكنيسة، بحسب تقليدها القانوني واللاهوتي، ليست طرفاً سياسياً، بل ضميراً أخلاقياً، ومهمتها أن تذكّر العالم بأنّ الإنسان ليس وسيلة بل غاية، وأنّ السلطة السياسية، مهما بلغت قوتها، تبقى خاضعة لمعيار العدالة والحق كما تعترف بذلك التشريعات المدنية نفسها. وهكذا يصبح الدفاع عن البابا دفاعاً عن البعد الأخلاقي للوجود الإنساني، وعن حضور الكنيسة كقوة روحية‑قانونية تسعى إلى توجيه التاريخ نحو قيم الحق والعدالة والسلام.
ومن هنا، فإن موقف البابا لاون الرابع عشر، في هذا السجال المفترض، يمكن فهمه بوصفه استمراراً لخط تاريخي طويل دافعت فيه الكنيسة عن حرية الضمير، وعن كرامة الإنسان، وعن استقلال رسالتها الروحية. وفي ضوء هذا كله، يتبيّن أن القيمة الحقيقية لموقف البابا لا تكمن في طبيعته السياسية، بل في طابعه النبوي، إذ يذكّر العالم بأن الأخلاق ليست خاضعة للمساومة، وأن صوت الكنيسة، وإن بدا معارضاً في لحظات معينة، يبقى صوتاً يسعى إلى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً. وهكذا يصبح الدفاع عن البابا دفاعاً عن البعد الأخلاقي للوجود الإنساني، وعن حضور الكنيسة كقوة روحية تسعى إلى توجيه التاريخ نحو قيم الحق والعدالة والسلام.