موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
منذ القرون المسيحية الأولى، سلّط آباء الكنيسة الضوءَ على العلاقة الوثيقة بين مريم العذراء والكنيسة، مُبرزين الترابط المتبادل والتشابه العميق في دور كلٍّ منهما. وقد أصبحت هذه العلاقة، على مر العصور، إحدى النقاط الأساسية في اللاهوت المريمي؛ إذ تُعدّ مريم: «النموذج الأسمى للكنيسة؛ وهي بمثابة "المرآة" التي تنعكس فيها صورة الكنيسة بأكملها. فالكنيسة تجد في مريم مثالها ونموذجها، وأصلها وغاية كمالها»[1]. أن مريم تنتمي إلى الكنيسة بشكل جوهري، فهي، من خلال اتحادها العميق بالمسيح "رأس الجسد" أي الكنيسة"، تُعدّ " نموذجها الكامل " لما يجب أن تكون عليه الكنيسة. ويؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني أن مريم تُشكّل تتويجًا لسر الكنيسة وكمالها، دون أن تُعتبر سرًا قائمًا بذاته أو منفصلًا عنها.
ويستند هذا الفهم بشكل خاص إلى نص المجمع الفاتيكاني الثاني، ولا سيما الفصل الثامن من الدستور العقائدي «نور الأمم» (Lumen Gentium)، الذي يتناول موضوع أمومة مريم بعُمق لاهوتي كبير. فالمجمع يؤكد على أولوية أمومة مريم الإلهية، إذ قبلت أن تصبح «والدة الله» (Theotokos)، أصبحت أيضاً أمًّا للكنيسة، وقد جاء في النص المجمعّي: «إنَّ الطوباوية مريم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالكنيسة وذلك بنعمةِ الأمومة ودورها اللذين يوحدانها بابنها المخلص، وبفضل مهماتها الفريدة» (نور الأمم 63). يحمل التعبير «مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالكنيسة» في طياته المعنى دلالات لاهوتية عميقة، أوضحها المجمع بالاستناد إلى تقليد الآباء، ولا سيما القديس أمبروسيوس، قائلاً: «إنَّ أمَّ الله هي صورة الكنيسة أعني في الإيمان، والمحبة، والاتحاد الكامل بالمسيح» (نور الأمم 63). وبناءً على ذلك، يوضح المجمع أن مريم تمثل «الأيقونة الحية» للكنيسة، في ثلاثة أبعاد أساسية:
- في الإيمان: إذ آمنت مريم بكلمة الله وقبلت التجسد،
- في المحبّة: إذ عاشت المحبة الكاملة لله وللناس،
- في الاتحاد الكامل بالمسيح: إذ شاركت ابنها في حياته، وآلامه، ومجده، متحدّةً به اتحاداً لا مثيل له.
وبذلك، فإن مريم لا تُعد فقط أمًا للمسيح، أنما تُشكّل أيضًا أيقونة حيّة وأمًا روحية للكنيسة ولجميع المؤمنين.
يتيح لنا لقب «مريم، أم الكنيسة» أن ندرك مريمَ بوصفها الصورةَ والنموذجَ الأسمى للكنيسة، أي رمزًا وأيقونةً لها، فهي تجسد في شخصها وتستبق كلَّ ما ستحققه الكنيسة في تاريخ الخلاص. فهي إذن أمٌّ للكنيسة، والكنيسة بدورها تتأمل فيها على الدوام، وتسعى إلى التشبّه بها في هويتها ورسالتها. وهذا ما يُبرزه البابا فرنسيس بقوله: «إن أمومة مريم تبقى فريدة واستثنائية، فهي أمومة تحققت في ملء الزمان عندما ولدت العذراء ابنَ الله، الذي حُبِل به بقوة الروح القدس. أما أمومة الكنيسة، فهي استمرارية روحية لتلك الأمومة الأولى، وحضورٌ حيٌّ لها عبر التاريخ. وبفضل خصوبة الروح القدس، لا تزال الكنيسة تلد أبناءً جددًا في المسيح، وذلك دائمًا من خلال الإصغاء لكلمة الله والانقياد لمحبته الخلاصية. وهكذا، تكون الكنيسة أمٌّ بحق. فقد كان ميلاد يسوع في حِضن مريم تمهيدًا حقيقيًّا لميلاد كل مؤمن في أحضان الكنيسة، إذ المسيح هو البكر بين إخوة كثيرين (رو 8: 29). وكما وُلِد يسوع، أخونا البكر ونموذجنا الكامل، من مريم، كذلك نُولد نحن جميعًا من الكنيسة؛ فإن كانت الكنيسة أمًّا، فمريم هي أمُّها الأولى ونموذجها الأسمى»[2]. وهكذا، يربط البابا فرنسيس بين أمومة مريم وأمومة الكنيسة في رؤية متكاملة، تُظهر أن عمل الله في مريم لم يتوقف عند ميلاد الكلمة المتجسد، بل يستمر ويتحقق في حياة الكنيسة التي، بقوة الروح القدس، تلد أبناءً لله على الدوام.
وقد أعلن البابا في الحادي عشر من فبراير عام 2018، بمناسبة مرور مئة وستين عامًا على ظهورات العذراء مريم في لورد، تذكار "مريم أم الكنيسة"، وأدرجه في التقويم الليتورجي للكنيسة الكاثوليكية، ليُحتفل به سنويًا يوم الاثنين التالي لأحد العنصرة. وقد استند هذا القرار إلى المشهد الكتابي الذي يجمع مريم بجماعة الرسل في العلية، منتظرة حلول الروح القدس عليهم؛ إذ تحضر مريم مع الكنيسة، وفي قلبها، كأمّ روحية، تصلي معها، وترافق أبناءها، لكي يسيروا بنور الروح القدس في حياتهم الإيمانية.
1- أمومة مريم: من الأمومة الإلهية إلى لأمومة الروحية للكنيسة
يؤكد الدستور العقائدي "نور الأمم" للمجمع الفاتيكاني الثاني على أمومة مريم الروحية، فبعد أن وصَفها بـ « العضو الفائق والفريد في الكنيسة»، و«النموذج والمثال الباهر في الإيمان والمحبة» للكنيسة، يُعلن بوضوح أن: «الكنيسة الكاثوليكية، بإلهام من الروح القدس، تُكرّمها بمودّة بنويّة كما يليق بأم حبيبة»، ويستند المجمع في ذلك إلى قول القديس أوغسطينوس، بإن مريم هي «أم لأعضاء المسيح، لأنها ساهمت بمحبتها كي يولد في الكنيسة المؤمنون الذين هم أعضاء ذلك الرأس». (نور الأمم،53). وهكذا، يمنح لنصُّ المجمعيُّ لمريمَ أمومةً روحيّةً فاعلةً وشاملةً تجاه أعضاء جسد المسيح، أي الكنيسة، مبيّنًا أمومتها الروحية انطلاقًا من كونها أمًّا لرأس الكنيسة، أي المسيح، ومن ثم، تُعد أمًّا أيضًا لأعضاء جسد المسيح، هكذا نصل إلى إعلان أمومة مريم، أي إن نقطة الانطلاق في إعلان دورها الأمومي في الكنيسة هي أمومتها الإلهية: بما أنها أم الله، فإن مريم، هي أيضًا أم جسد المسيح، أي الكنيسة. إنه تسلسل عقائدي، نابع من هذه الحقيقة الأساسية[3]. هذا التعليم يعبّر عن تطوّر لاهوتي مهم في فكر الكنيسة، حيث يُربَط بين أمومة مريم للمسيح (الأمومة الإلهية) وأمومتها الروحية للكنيسة. إن نقطة الانطلاق في هذه الرؤية هي ما يعلنه التقليد الكاثوليكي منذ المجامع الأولى: بما أن مريم هي أم الكلمة المتجسّد، فهي أمّ للرأس (المسيح)، وبالتالي أمّ أيضًا للجسد (الكنيسة). وتُشكّل هذه العلاقة بين الرأس والأعضاء ما يمكن تسميته بـ«المنطق اللاهوتي» لأمومة مريم الروحية للمؤمنين.
رغم أن النص المجمعي (نور الأمم) لم يُنسب صراحةً لقب "أم الكنيسة" إلى مريم، إلا أنه أعلن بوضوح مضمونه اللاهوتي، مستندًا إلى إعلان سابق للبابا بنديكتوس الرابع عشر سنة 1748، حيث عبّر فيه عن مشاعر الكنيسة البنوية تجاه مريم، معترفًا بها كأمٍّ محبّة للغاية، ومعلِنًا إياها بطريقة غير مباشرة "أم الكنيسة". وعلى هذا المنوال التاريخي واللاهوتي، أعلن البابا بولس السادس، في خطابه الختامي للجلسة الثالثة من المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد إصدار وثيقة نور الأمم، ما يلي: «تمجيدًا للعذراء، ومن أجل تعزيتنا، نعلن الطوباوية مريم العذراء الكلية القداسة "أم الكنيسة"، أي أمًّاً لكلّ شعب الله، مؤمنين ورعاة، اللذين يدعونها” الأمّ الودودة" “. إنها أم يسوع الذي منذ اللحظة الأولى لتجسده في حشاها البتولي، اتّحدَت به، كرأسٍ لجسده السّريّ الذي هو الكنيسة. إنها أمّنا الحقيقية، لأننا من خلالها نلنا الحياة الإلهية. لقد أعطتنا، مع يسوع، مصدر النعمة ذاته." وإنّنا نريد، منذ الآن وصاعداً، أن يكرّمها الشعب المسيحيّ، ويبتهل إليها بهذا اللقب»[4]. إن منح هذا اللقب (أم الكنيسة) يوضح أن أمومة مريم الروحية لم تعد تُعتبَر أمومةً لكل مسيحي على حدة، بل أصبحت تُفهَم كأمومة للجماعة المسيحية بكاملها، أي الكنيسة. فبتأكيده على قيمة لقب "أم الكنيسة"، شجّع البابا بولس السادس الكنيسة على أن تعي الدور الأمومي لمريم بعمقٍ إيمانيّ وراعويّ، ودعا المؤمنين إلى مواصلة الصلاة والتأمّل، لكي تتجذّر هذه الحقيقة في وعيهم وحياتهم الروحيّة، وتُنمّي فيهم " مشاعر البنوّة "الصادقة التي من خلالها تكرّم الكنيسة مريم وتلتمس شفاعتها كـ«أمٍّ رؤوفٍ وحنونة» ترافق مسيرة شعب الله عبر التاريخ[5].
2- مريم أم الكنيسة: قراءة مجمعية ولاهوتية
أ) أمومة مريم في ضوء المجمع الفاتيكاني الثاني
يُدرج المجمع الفاتيكاني الثاني لقب «أم الكنيسة» في صميم عقيدة الكنيسة، مُؤكِّدًا على تعاون مريم الفريد في سر الفداء، وعلى أمومتها الروحية التي تتجذّر في نظام النعمة. فمريم لم تصبِح أمًّا لنا، أو أمّا للكنيسة، في لحظة التجسّد، بل عندما أصبحت أمًّا للمسيح. فالكنيسة لا تنبع فقط من التجسّد، أنما وُلدت من ذبيحة الفداء التي أتمّها الكلمة المتجسّد. ومن خلال تعاونها الأمومي الحرّ والمحبّ في هذه الذبيحة، ساهمت مريم في نشأة الكنيسة وبنائها. في الواقع، عندما تعاونت مريم مع ابنها في استعادة الحياة الفائقة للطبيعة، شاركت أيضًا في نشأة الكنيسة وبدايتها. ولذلك، ينبغي الاعتراف بأمومتها في تأسيس الكنيسة[6]. بكلمات أخرى، فإنَّ أمومة مريم الروحية لا تستند فقط إلى كونها أمًّا ليسوع حسب الجسد، بل تنبع أيضًا من تعاونها ومشاركتها الحرة والمحبّة في عمل الخلاص، لا سيّما عند أقدام الصليب، حين سلّمها المسيح تلميذه قائلاً: «هوذا أمّك» (يو 19: 26-27)، حين "وُلدت" الكنيسة من جنب المسيح المطعون. وهكذا، تشارك مريم في نشأة الكنيسة كأمّ، ليس بالمعنى الرمزي فحسب، بل ضمن نظامِ النعمة (ordo gratiae)، الأمر الذي يجعلها تُدعى بحق «أمّ الكنيسة». ويُقرّ التعليم المجمعّي بأن هذا التعاون الأمومي، بلا شك، يعتمد كليًا على عمل المسيح الفدائي ووساطته الوحيدة، إلا أنّه يحمل قيمة خاصة وفريدة من نوعها. فالمجمع يؤكد على فعالية هذه المشاركة والتعاون حين يُرجع أمومة مريم إلى نظامِ النعمة، الذي لا ينفصل عن حياة الكنيسة؛ بل يُحييها ويشملها بأكملها. إنها أمومة في تدبير النعمة الخلاصية، وتمتدّ باستمرار حتى إتمام الملكوت، مُظهِرةً رعايةً أموميةً يقظةً وحانيةً تجاه الكنيسة [7].
لقد قدّمت وثيقة "نور الأمم" خلاصةً دقيقةً لتطوّر هذه الأمومة، إذ تقول: «تستمرُّ أمومة مريم في تدبير النعمة دون انقطاع حتى يبلغ المختارون الكمال الأبدي. وفعلاً إن دورها في الخلاص لم يتوقف بعد صعودها إلى السماء، فهي لا تزال تحصل لنا بشفاعتها على النِعَمِ التي تُؤكِّدُ خلاصَنا الأبدي. إنَّ حبَّها الأمومي يجعلها تصغي إلى إخوةِ ابنها الذين لم يُكملوا غربتهم، أو إنهم لا يزالون عرضةً للمخاطر والضيقات حتى يصلوا إلى الوطن السعيد. لهذا تُدعى الطوباوية العذراء في الكنيسة بألقابٍ عدّة منها الحامية، والمُعينة، والمساعدة، والوسيطة؛ إنما يُفهم كلُّ هذا بمعنى أنه لا ينتج عنه أيُّ نقصان أو زيادة في كرامة المسيح الوسيط الأوحد وفعاليته» (نور الأمم 62). يُبرز هذا النصُّ استمرار أمومة مريم الروحية كواقعٍ حيٍّ وفعّالٍ في التدبير الخلاصي، وكحضورٍ أموميٍّ دائمٍ يرافق الكنيسة على الأرض. وهذا الدور الأمومي يجعل منها رمزًا ومثالًا للكنيسة، ونموذجًا لإيمانها وترابطها بالمسيح. إذ من خلالها يتجلى الرباط العميق بين العهد القديم والعهد الجديد، فهي الحاضنة التي تحتضن الكنيسة طوال تاريخها في رحلتها نحو الملكوت. إن دورها لا يُفهم كوظيفة تاريخية زمنيةً انقضت بانتهاء حياتها الأرضية، بل هو عطيةٌ لاهوتيةٌ مستمرة، تُغني هوية الكنيسة وتدعم رسالتها الخلاصية. ولذلك، يؤكد اللاهوت العقائدي أن مريم ليست مجرّد «رمز» أو «نموذج» للكنيسة، بل هي «أمّ حقيقية» لها في مسيرتها الإيمانية نحو الكمال.
ب) البُعد الكريستولوجي والإكليزيولوجي لأمومة مريم
لذلك، لم يعد كافيًا في اللاهوت المريمي المعاصر الاقتصارُ على المنهج الإكليريولوجي (أي اعتبار مريم نموذجًا للكنيسة فقط)، بل بات من الضروري أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار البُعد الكريستولوجي الجوهري، الذي ينظر إلى مريم من خلال علاقتها الفريدة بالمسيح ودورها التشاركي في تدبير الخلاص. فمريم، بفضل نعمتها الفريدة، تشارك في العمل الخلاصي الذي أنجزه المخلّص وحده، لصالح الكنيسة جمعاء. ومن هذه الزاوية، يتكامل بُعدان لاهوتيان متلازمان: فمن جهة، تُعتَبَر مريم عضوًا ونموذجًا للكنيسة (وهو ما يُعرف بالبعد الإكليريولوجي الكنسي (aspetto ecclesiotipico، ومن جهة أخرى، تُفوق مريم على سائر أعضاء الكنيسة بفضل دورها ووظيفتها الأمومية تجاه جميع المؤمنين الآخرين، ومن خلال تعاونها في عمل المسيح، يتجلّى هنا البُعد الكرستولوجي (aspetto cristotipico). ويتجلى هذا التوازن في لقب «أمّ الكنيسة»، الذي يُشير إلى دورها الأمومي في توزيع نعم الخلاص ضمن حياة الكنيسة[8]. وعندما أعلناها البابا بولس السادس "أم الكنيسة، أراد أن يُبيّن أن مريم تمارس أمومةً روحيّةً داخل الكنيسة ومن أجلها. وعليه، يتطلّب هذا اللقب فهمًا لاهوتيًا دقيقًا؛ لئلا يُساء تفسيرُه على أنّنا «نُولَد من مريم» بشكلٍ مستقلّ عن المسيح، وهو أمرٌ يتعارض مع الإيمان. فصحيحٌ أننا أبناء الكنيسة، التي تُعدّ مريم نموذجًا ومثالاً لها.
ويؤكّد القديس أوغسطينوس هذا التمييز بدقة، حين يكتب: «تعاونت بمحبتها» (cooperata est caritate)، موضحًا أن مريم شاركت في ولادة المؤمنين في الكنيسة، لا أنها قامت بفعل التأسيس. فالتأسيس الحقيقي للكنيسة هو من عمل المسيح وحده، الذي يبنيها بروحه القدّوس. لذا، تُوصَف الكنيسة بأنها، تولد "مع" مريم، وليس "من" مريم؛ ومريم نفسها تولد "في" الكنيسة، و" تُعدّ بمثابة صورتها الأكمل. بل إن التقليد الآبائي يذهب إلى القول إن مريم «هي الكنيسة بامتياز»، فمعها ومع تعاونها الأموميّ، الذي عاشته في علية صهيون مع الرسل، تتأسّس جماعة المؤمنين. إن التفسير الذي قدّمه البابا لهذا اللقب، يتماشى تمامًا مع تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني؛ فكلاهما لا يعتبر مريم أمًا للجانب المؤسسي أو السِرّي للكنيسة. بل إن البابا يستخدم هذا اللقب بمعنى أن مريم هي أم جماعة المؤمنين، شعب الله السائر في التاريخ، الذي يُشكل الكنيسة عبر الأجيال؛ وبالتالي فإن أمومتها هي أمومة روحية[9].
ج) تحفظات لاهوتية حول لقب "أم الكنيسة"
خلال أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني، أثار بعض الآباء تحفّظاتٍ لاهوتيةً دقيقةً حول لقب "أم الكنيسة"، إذ فضّلوا التأكيد على انتماء مريم الكامل إلى الكنيسة بوصفها عضوًا بارزًا داخل الكنيسة، ولكن دائمًا ضمن الكنيسة لا فوقها. وقد خشي البعض من أن يُفهم هذا اللقب على أنه يُضفي نوعًا من تفوّق أو سيادة مريم على الكنيسة، أو أن يُفهم منه أنها المصدر التأسيسيّ في نشأة الكنيسة. ومع ذلك، فقد سبق للتقليد اللاهوتي إعلان مريم «والدة الله»، من دون أن يُفسّر ذلك على أنها تتفوّق على اللاهوت. وبالمنطق نفسه، يمكن القول إن لقب "أم الكنيسة" لا يتضمّن بأي حال من الأحوال أيّ دلالةٍ على أن مريم قد مارست دورًا مهيمنًا أو مستقلاً في تأسيس الكنيسة. بل يؤكّد تعاونها الحرّ والمحبّ مع عمل ابنها، الذي هو وحده رأس الكنيسة ومؤسّسها الإلهي. وهي أم لهذا الجسد، أي الكنيسة، الذي هو ثمرة العمل الفدائي الذي أتمّه المسيح. وبهذا المعنى، لا تُعتبَر مريم أمًّا لكل مسيحي فحسب، بل هي أيضًا أمًّا للجسد كله، أمًّا للكنيسة[10]. وهذا هو التوازن اللاهوتي الذي سعى المجمع إلى الحفاظ عليه: التأكيد على عظمة دور مريم دون الوقوع في مبالغة تجعلها متفوّقة على الكنيسة أو تمنحها دورًا تأسيسيًا مستقلاً. فدورها الأمومي يبقى دومًا في علاقة تبعية كاملةٍ لوساطة المسيح الفريدة، في إطار تعاون حرّ ومحبّ مع إرادة الآب الخلاصية، التي حققها المسيح وحده.
باختصار، تمحورت الاعتراضات بشكل أساسي في أن مريم، لكونها جزءًا من الكنيسة وتمثّل أسمى أعضائها، لا يمكن أن تكون أُمًّا لكيان هي تنتمي إليه، غير أنَّ المعنى المقصود هنا واضح، إذ إنَّ مصطلح "الكنيسة" يشير إلى بقية الأعضاء في جسد المسيح السري، لا إلى مريم نفسها.
3- لقب مريم أم الكنيسة: دلالةُ اللقبِ وقيمته الرعوية
إن لقب "والدة الإله (Theotokos) يُظهر عظمة مريم، ويُعبّر عن سرّ كرامتها وعلاقتها الفريدة بالمسيح. غير أنّ هذا اللقب قد يوحي أحيانًا بشيء من التباعد بينها وبين سائر البشر، وكأنّ مقامها السامي يضعها فوق مشاركتنا في الطبيعة البشرية. أمّا لقب «أمّ الكنيسة»، فيُساعدنا على اختبار قرب مريم منّا، ويجعل حضورها الأمومي أقرب إلى حياتنا اليومية ومسيرتنا الإيمانية. فهذا اللقب يُكمل لقب " والدة الإله"، إذ يُبرز دورها الروحي والأمومي كأمّ حاضرة في قلب الجماعة الكنسية، وليس فقط بوصفها أمًا للمسيح المتجسد.
لقد أصبحت مريم أمًا للمسيح لكي تكون أمًا روحيّة للبشرية جمعاء. وقد نالت مريم ملءالنعمة، لكي تشاركه مع جميع البشر. وعليه، فإن عظمتها لا تُفهم بمعزل عن الكنيسة، بل هي عظمة مُعطاة للكنيسة من خلال محبتها الأمومية. كما من المهم أيضًا التأكيد على أن أمومة مريم تُغني أمومة الكنيسة نفسها. لقد أراد المسيح هذه العلاقة الملموسة، عندما قال للتلميذ الحبيب: «هذه أمك» (يو 19: 27). وفي شخص يوحنا، الذي يُمثّل كل مؤمن، دُعي جميع المسيحيين إلى أن يُبادلوا مريم محبة بنوية صادقة.
لذلك، لا يمكن إقصاء أمومة مريم الروحية أو تهميشها؛ فوفقًا لنيّة مؤسس الكنيسة (المسيح) يجب تسليط الضوء عليها وتشجيع كل مسيحي أن يبادلها محبة بنوية صادقة. فلقب "أم الكنيسة" يعبّر عن حقيقة أعمق من مجرد كونها "أم المسحيين"، إذ يُبرز البُعد الجماعيّ والكنسيّ في أمومتها الروحيّة. فهي، بصفتها الأم الروحيّة للبشريّة، لا تُمارس عنايتها الأمومية تجاه كل فرد على حدة، بل تسهر أيضًا على نموّ الكنيسة بأسرها ووحدة أعضائها. ورغم أنّ حضورها الأموميّ ليس حضوراً أسراريّاً (sacramentale) مثل حضور المسيح، إلا أنه حضور روحيّ فعّال، يتجلّى في وساطتها الأموميّة الدائمة وشفاعتها المتواصلة لصالح الكنيسة والعالم[11].
يستشهد البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته "أم الفادي" ((Redemptoris Mater، بكلمات البابا بولس السادس، مؤكدًا: «نحن نؤمن أن والدة الإله الفائقة القداسة، حوّاء الجديدة، أمّ الكنيسة، تواصل من السماء دورها الأمومي تجاه أعضاء جسد المسيح، من خلال إسهامها في ولادة الحياة الإلهيّة وتنميتها، في نفوس جميع البشر المفديين»[12]، ثم يضيف البابا «إن مريم حاضرة في الكنيسة بوصفها أمّ المسيح، وفي الوقت نفسه الأم التي أعطاها المسيح للإنسان في شخص يوحنا الرسول، في سر الفداء. ذلك ما يجعل مريم، بهذه الأمومة الجديدة في الروح القدس، تحتضن الجميع أيضًا، وكل واحد منّا، في الكنيسة. وبهذا المعنى، تُدعى مريم أمّ الكنيسة» (رسالة ام الفادي 47). في هذا النص، يؤكد البابا على الدور المركزي لمريم في حياة الكنيسة، بوصفها "أم المسيح" و"أم الكنيسة" في آنٍ واحد. فمريم ليست فقط والدة يسوع، بل من خلال سر الفداء، أصبحت أمًا روحية لكل المؤمنين الذين تم تجديدهم بالمسيح. ويتجسد هذا الارتباط بشكل خاص في الكلمة التي وجّهها المسيح من على الصليب إلى التلميذ الحبيب: «هوذا أمّك» (يو 19: 27). وقد رأت الكنيسة في هذا التلميذ صورةً لكل مؤمن، بحيث أصبحت مريم، في شخص يوحنا، أمًّا روحية لجميع البشر.
ومن خلال هذه الأمومة الجديدة التي يهبها الروح القدس، تحتضن مريم كل عضو من أعضاء الكنيسة بمحبة أمومية، وتعمل كشفيعة حنونة بين المسيح والمؤمنين. وبذلك، يتجلى دورها كأم الكنيسة، التي تضمن التواصل الروحي الحي بين الله وشعبه. وبذلك، يتجلّى معنى لقب «أمّ الكنيسة»، إذ لا يقتصر دور مريم على حدث تاريخي في بداية الخلاص، بل يمتدّ إلى حياة الكنيسة المستمرة عبر الأجيال. فهي تبقى نموذجًا للأمومة الروحية، وللإيمان والطاعة والنعمة، وعلامةً لحضور محبة الله الحانية التي ترافق المؤمن في مسيرته الإيمانية.
خاتمة
لقد استعرضنا في هذا المقال الفكر المريمي الإكليزيولوجي بشأن أمومة مريم تجاه ابنها، باعتبارها "أمّ الله"، وكذلك تجاه الكنيسة، بوصفها "أمّ الكنيسة". فمريم هي أمّ ذاك الذي هو أيضًا ابن الله، يسوع المسيح، ولذلك فهي أمّ الكنيسة أيضًا، لأن الكنيسة هي جسد المسيح السرّي.
إن اللقبين "أمّ الله" و"أمّ الكنيسة" ينبعان من أصل واحد، هو أمومة مريم للمسيح: فمريم هي أمّ الله لأن ابن الله قد وُلد منها؛ وهي أيضًا أمّ الكنيسة لأن جميع أعضاء الكنيسة، الذين وُلدوا من ابنها بالمعمودية والإيمان، يصيرون أبناء لها بولادة النعمة: «لهذا كانت لنا أُمَّاً في نطاقِ نظامِ النعمة» (نور الأمم 61)، فبقولها «نعم» للإرادة الإلهية، حملت مريم بالمسيح، وحملت في الوقت ذاته بالكنيسة كلها: الرأس (أي المسيح) وأعضاؤه (أي جسد المسيح السري). إن أمومتها التي بدأت لحظة تجسّد الكلمة بقبولها كلمة الله، استمرت في مراحل تأسيس الكنيسة، وبلغت ذروتها عند الصليب، ثم في يوم العنصرة. ويؤكد البابا يوحنا بولس الثاني قائلًا: «إن لقب أمّ الكنيسة يعكس إيمانًا عميقًا لدى المؤمنين المسيحيين، الذين يرون في مريم ليس فقط أمّ شخص المسيح، بل أمّ المؤمنين أيضًا. فهي التي تُلقب بأم الخلاص، وأمّ الحياة، وأمّ النعمة، لذلك، تُعلن بحقّ أنها أمّ الكنيسة»[13]. ويُظهر سر الخلاص الترابط بين أمومة مريم وأمومة الكنيسة: فمريم هي أمّ، وكذلك الكنيسة هي أمّ. فقد تجلت أمومة مريم في سر التجسد حين حملت كلمة الله في أحشائها، بينما تتجلى أمومة الكنيسة في جرن المعمودية، حيث تولد الحياة الجديدة في المسيح، ولهذا يمكن القول إنّ «بجانب كل جرن معمودية للكنيسة الأم، تقف أمّ يسوع»[14].
[1] H. De Lubac, Meditazione sulla chiesa, 226.
[2] Papa Francesco, Udienza generale, Mercoledì, 3 settembre 2014.
[3] M. Vitali, Maria Madre della Chiesa nel Vaticano II, 113.
[4] Paolo VI, discorso del 21 novembre 1964.
[5] J. Galot, «Maria, Madre della Chiesa: resistenze e progressi a vent’anni dal Vaticano II», 125.
[6] J. Galot, «Maria», in Nuovo dizionario di teologia, 849.
[7] J. Galot, «Maria, Madre della Chiesa: resistenze e progressi a vent’anni dal Vaticano II»,124-125.
[8] M. Hauke, Introduzione alla mariologia, 291.
[9] M. Vitali, Maria Madre della Chiesa nel Vaticano II, 116-117.
[10] J. Galot, «Maria», in Nuovo dizionario di teologia, 849-850.
[11] J. Galot, Maria, Madre della Chiesa: resistenze e progressi a vent’anni dal Vaticano II, 129-130.
[12] Paolo VI, Solenne Professione di Fede (30 Giugno 1968).
[13] Giovanni Paolo II, Madre della Chiesa, catechesi di mercoledì 17 settembre 1997.
[14] H. Rahner, Maria e la chiesa, 68.