موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يُشَكِّلُ انتقالُ القدِّيسِ فرنسيس الأسيزي حدثًا روحيًّا يتجاوزُ حدودَ السيرةِ الفرديّة ليُصبِحَ علامةً كنسيّةً تُعبِّرُ عن معنى الفِصحِ في أعمقِ أبعادِه. فحياةُ فرنسيس، منذ لحظةِ اهتدائِه وحتّى ساعةِ رُقادِه، كانت مسيرةَ عبورٍ مستمرٍّ نحو الله، عبورًا يُذكِّرُ بما يعلنه الرسولُ بولس: «لأعرِفَهُ وقوّةَ قيامتِه وشركةَ آلامِه مُتشبِّهًا بموتِه» (فيلبّي ٣: ١٠). إنّ انتقالَه لا يُقرأُ بوصفِه نهايةً، بل كتحقّقٍ نهائيٍّ لمسيرةِ تخلٍّ جذريٍّ عاشَها في الفقرِ والطاعةِ والمحبّة، وهي مسيرةٌ تتقاطعُ بنيويًّا مع ديناميكيّةِ الفِصحِ التي فيها يتحوّلُ الألمُ إلى رجاء، والموتُ إلى حياة. عبورٌ من اليأسِ إلى الرجاءِ، ومن الانقسامِ إلى المصالحةِ، ومن الخوفِ إلى الثقة. وهو أيضًا نداءٌ موجَّهٌ إلى الكنيسةِ وإلى العالمِ كي يلتزموا بخيارِ السلام، وكي ينظروا إلى الشرقِ لا كمنطقةِ نزاعاتٍ بل كأرضٍ مقدّسةٍ تستحقُّ الحياةَ والكرامة. وفي هذا الإطار، يمكنُ لروحانيّةِ فرنسيس أن تُقدِّمَ نموذجًا عمليًّا للعيشِ المشترك، وللإيمانِ الذي يتجسّدُ في العدالة، وللرجاءِ الذي لا ينطفئُ رغمَ العتمة.
إنَّ قراءةَ انتقالِ فرنسيس في ضوءِ الفِصح تُتيحُ فهمًا لاهوتيًّا للواقعِ الشرقيِّ المتألّم، إذ إنّ الفِصحَ لا يُنكِرُ الألمَ بل يضعُه في أفقِ القيامة. فالمسيحُ نفسُه يقول: «سَلامًا أترُكُ لكم، سَلامي أُعطيكم» (يوحنّا ١٤: ٢٧)، وهو سلامٌ لا يُمنَحُ كتعزيةٍ عابرة، بل كقوّةٍ خلاصيّةٍ قادرةٍ على تحويلِ التاريخ. وفي هذا الإطار، يُصبِحُ حضورُ المسيحيّين في الشرقِ شهادةً فِصحيّة، لأنّهم يعيشون في قلبِ الألمِ دون أن يتخلّوا عن الرجاء، ويُصِرّون على البقاءِ في أرضِهم رغمَ التحدّيات، ويُجسِّدون ما يُسمّيه البابا فرنسيس «رَجاءً لا يُخجِل» (رومية ٥: ٥). ويُقدِّمُ البابا بنديكتوس السادس عشر إطارًا لاهوتيًّا يُساعِدُ على فهمِ هذا البُعد حين يُؤكِّدُ أنّ «القيامةَ ليست حدثًا من الماضي، بل دخولٌ في بُعدٍ جديدٍ من الوجودِ يُغيِّرُ العالمَ من الداخل». وإذا كان هذا صحيحًا، فإنّ قراءةَ انتقالِ فرنسيس في زمنِ الفِصح تُصبِحُ دعوةً إلى النظرِ إلى واقعِ الشرقِ لا من زاويةِ المأساةِ فقط، بل من زاويةِ التحوّلِ الممكن.
في هذا الإطار، يُصبِحُ تأمّلُ انتقالِه في زمنِ عيدِ الفِصح فعلَ قراءةٍ لاهوتيّةٍ للوجودِ الإنسانيِّ في ضوءِ القيامة، لا سيّما حين يُوضَعُ هذا التأمّلُ في سياقِ واقعِ الأراضي المقدّسة وشعوبِ الشرقِ المتألّمة. فالمكانُ الذي انطلقت منه بشارةُ القيامة يعيشُ اليوم جراحًا إنسانيّةً عميقة: عنفًا، تهجيرًا، خوفًا، وتراجعًا في الوجودِ المسيحيّ. وفي هذا السياق، تبدو كلماتُ البابا فرنسيس ذاتَ دلالةٍ خاصّة حين يُؤكِّدُ أنّ «السلامَ هو عملُ العدالةِ وثمرةُ المحبّة»، وأنّ الشرقَ الأوسط «يحتاجُ إلى صانعي سلامٍ، لا إلى تجّارِ خوف».
لقد كان فرنسيسُ الأسيزي، في زمنِه، شاهدًا على عالمٍ ممزّقٍ بالصراعات، تمامًا كما هو عالمُنا اليوم. ومع ذلك، اختارَ أن يُواجهَ العنفَ لا بالسلاحِ بل بالسلام، وأن يذهبَ إلى الشرقِ لا كغازٍ أو مُبشِّرٍ بالقوّة، بل كأخٍ يسعى إلى اللقاءِ والحوار. إنّ زيارتَه التاريخيّةَ للسلطانِ الكامل في مصر لم تكن مجرّدَ حدثٍ سياسيٍّ أو دينيّ، بل كانت إعلانًا مُبكّرًا لإمكانيّةِ العيشِ المشترك، واحترامِ الآخر، وبناءِ الجسورِ في زمنٍ كانت فيه الحروبُ الصليبيّةُ تفرضُ منطقَها على الجميع. هذا الإرثُ الفرانسيسكانيُّ يكتسبُ اليوم قيمةً مُضاعفة، لأنّ الشرقَ المتألّم يحتاجُ إلى أصواتٍ تُشبِهُ صوتَ فرنسيس، أصواتٍ تُذكِّرُ بأنّ السلامَ ليس ضعفًا، وأنّ الحوارَ ليس تنازلًا، وأنّ الأخوّةَ الإنسانيّة ليست شعارًا بل مشروعَ حياة.
فالأراضي المقدّسة اليوم، بما فيها القدسُ وغزّةُ والضفّةُ الغربيّة وسائرُ مناطقِ الشرقِ الأوسط، تشهدُ جراحًا إنسانيّةً عميقةً تتراوحُ بين العنفِ والتهجيرِ وفقدانِ الأمان. وفي هذا السياق، تبدو كلماتُ البابا فرنسيس ذاتَ دلالةٍ خاصّة حين يُؤكِّدُ أنّ «السلامَ ليس مجرّدَ غيابٍ للحرب، بل هو التزامٌ يوميٌّ ببناءِ الأخوّة» (فرح الإنجيل). كما يُذكِّرُ بأنّ الشرقَ الأوسط «يحتاجُ إلى صانعي سلامٍ، لا إلى تجّارِ خوف»، وهي رؤيةٌ تتقاطعُ بعمقٍ مع الروحانيّةِ الفرانسيسكانيّة التي جعلت من السلامِ جوهرَ رسالتِها. لقد ذهبَ فرنسيسُ إلى الشرقِ في زمنِ الحروبِ الصليبيّة لا ليُضيفَ صراعًا إلى الصراعات، بل ليُقدِّمَ نموذجًا فريدًا للحوار، وهو ما أشار إليه بندكتوس السادس عشر حين وصفَ لقاءَ فرنسيس بالسلطانِ الكامل بأنّه «علامةٌ نبويةٌ تُسبقُ زمنًا جديدًا من العلاقاتِ بين المؤمنين».
المسيحيّون في الشرق، سواء في فلسطين أو سوريا أو العراق أو لبنان، يُواجِهون تحدّياتٍ وجوديّةً تتراوحُ بين العنفِ والتهجيرِ وفقدانِ الأمانِ وتراجُعِ الحضورِ الديموغرافيّ. فهم يعيشون في قلبِ صراعاتٍ سياسيّةٍ وديموغرافيّةٍ وثقافيّةٍ تُهدِّدُ وجودَهم التاريخيّ. ومع ذلك، فإنّ شهادتَهم تُشبِهُ شهادةَ الجماعةِ المسيحيّةِ الأولى التي عاشتِ القيامةَ في ظلِّ الاضطهاد، والتي سمِعَت صوتَ الربِّ يقول: «لا تَخافوا، أنا معكم» (متى ٢٨: ١٠). إنّ هذا الحضورَ الإلهيَّ هو الذي يجعلُ من الكنيسةِ في الشرقِ علامةَ رجاء، وهو الذي يجعلُ من انتقالِ فرنسيس حدثًا ذا معنى خاصٍّ في هذا السياق، لأنّه يُذكِّرُ بأنّ القداسةَ ليست امتيازًا بل التزامًا، وأنّ الفِصحَ ليس ذكرى بل مسيرة.
في الختام، نجدُ أنّ انتقالَ القدّيسِ فرنسيس الأسيزي ليس حدثًا تاريخيًّا فحسب، بل هو نموذجٌ لاهوتيٌّ وروحيٌّ يمكنُ أن يُلهِمَ الكنيسةَ اليوم، خصوصًا في الشرقِ الأوسط. ففرنسيس، الذي عاشَ الفِصحَ في حياتِه اليوميّة، يُقدِّمُ للكنيسةِ رؤيةً فِصحيّةً للموتِ، وللسلامِ، وللرجاءِ. وفي زمنٍ تتكاثرُ فيه الجراحُ في الأراضي المقدّسة، يُصبِحُ هذا النموذجُ دعوةً إلى الإيمانِ بأنّ الألمَ ليس الكلمةَ الأخيرة، وأنّ القيامةَ ليست وعدًا مُؤجَّلًا، بل قوّةً تعملُ في الحاضر. إنّ الكنيسةَ في الشرق، إذ تتأمّلُ انتقالَ فرنسيس في زمنِ الفِصح، تجدُ في هذا الحدثِ دعوةً إلى الثبات، وإلى الرجاء، وإلى بناءِ السلام، وإلى أن تكونَ علامةً حيّةً للقيامةِ في عالمٍ مُتعطِّشٍ للنور. وفي النهاية، فإنّ انتقالَ فرنسيس، حين يُقرأُ في ضوءِ الفِصح، يُصبِحُ دعوةً إلى الإيمانِ بأنّ الألمَ ليس قَدَرًا، وأنّ التاريخَ لا يُختَزَلُ في الصراعات، وأنّ الله، الذي أقامَ المسيحَ من بينِ الأموات، قادرٌ على أن يُقيمَ شعوبَ الشرقِ من تحتِ ركامِ الألم، لأنّ «نورًا يُضيءُ في الظلمة، والظلمةُ لم تُدرِكْه» (يوحنّا ١: ٥).