موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تتقدم الكنيسة وتترسخ بالإيمان والرسالة، والصمود. وبروح المحبة والوحدة والإخلاص.
الكنيسة بالسريانية ܥܕܬܐ، تعني التجمع (قاموس توما اودو ص697)، لكن اعتقد أنها تأتي من كلمة ܥܕܐ العيد أي الاحتفال، وباليونانية Ekklesia، واللاتينيةEcclesia ومنها الإنكليزيةChurch تعني الجماعة assembly. الكنيسة ليست البناء، بل سميّت هكذا لاحتفال الجماعة بإيمانها فيها.
الكنيسة هي كنيسة المسيح. أوكَلَ إليها مسؤولية نقل رسالته الخلاصية التي هي أساس تأسيسها، وقضيتها. الكنيسة تعمل على مرّ الزمن على تبلور رؤيتِها لرسالتها بشكل يُناسب ثقافة الناس، وظروفهم. وتبحث باستمرار عن أسلوب فعّال ومؤثر لتجسيدها في واقع الناس.
كنيسة المسيح هي جميعُ المؤمنين به، بغض النظر عن مراتبهم وادوارهم. يَجمعهم الروح الواحد في أخوة شاملة كما حصل في العلية يوم حلول الروح القدس: "وكانوا يواظبون جميعًا على الصلاة بقلب واحد" (أعمال الرسل1/14). ويجددهم يوميًّا على عهد الحبّ حتى اكتمال ܫܘܡܠܝܐ بنوتهم لله أبيهم.
وللإشارة إلى الدور الفريد المُسند إلى الروح القدس، استخدم يسوع صفة المحامي، أي المدافع عن رسالته وتلاميذه والكنيسة. هذا المعنى هو ما يجب ان يَمسَّنا في الصميم، والتأمل فيه في قلوبنا، وتطبيقه بأمانة مطلقة. الروح القدس يُعِدُّ قلب الإنسان لاستقبال المسيح، ويملأه بمواهبه، ويُغذّيه ويُنمّيه حتى يبلغ الكمال. هذا هو النبع الذي يستمدّ منه المسيحيون قوة الرجاء والفرح بالرغم من كل الظروف والصعوبات.
إحدى الصفات الأساسية للكنيسة أنها جامعة، ومرسلة في كينونتها لتعلن الإنجيل للجميع: "وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مرقس 16/ 15). الكنيسة هي خيمة الله بين البشر.
من ناحية السلطة في الكنيسة هي خدمة ومسؤولية، وليست امتيازات وسيطرة أسوة بسلاطين الأرض. للأسف أن الزعامة والمشيخة والتعصب سِمةٌ من سِمات المجتمع الشرقي، ولها وطأتُها في التعامل السلس!
لكل واحد من المؤمنين رجالاً ونساءً، من دون إلغاء الفروقات الطبيعية، موهبة خاصة للمشاركة في حياة الكنيسة، وإتمام عمل ما من أجل بنيانها. هناك مهام مختلفة لكن متكاملة. حتى تتقدّم الكنيسة من الضروري إقامة أنشطة مشتركة، وحوارات مستمرة، بجراة وروح المحبة والمسؤولية.
يجب أن نحبّ الكنيسة كما يُحبّ الابنُ أمَه التي وهبته الحياة، ونعبّر لها عن الامتنان، ونبذل جهدنا لجعلها أكثر صدقاً وجمالاً.
الكنيسة جامعة وحتى الكنيسة المحلية ينبغي أن يكون انتماؤها الكامل والصادق إلى الكنيسة الجامعة. رسالتها جامعة وليست لقوم معين، أو لبلد واحد أو لزمن واحد. هذا ما أدركته الكنيسة وعاشته منذ فجرها الأول. الكنيسة مجمعية بطبيعتها وشركة (باليونانيةkoinonia والسريانية ܫܘܬܦܘܬܐ)، تعبّر عنها بالايمان والاحتفال بالاسرار لاسيما الافخارستيا، والعمل الرسولي.
التحديث هو في طبيعة الكنيسة لتسير الى الامام بثقة ورجاء. حيويّتها هي في الإنصات الى الروح القدس، الذي "يهب حيث يشاء" (يوحنا 3/ 8). لصوت الكنيسة معنى وصدى مؤثر، عندما تترجم رسالتها بوضوح، لاسيما في مثل الظروف والمآسي التي يَعيشها عالمنا.
إن طريقة التفكير اختلفت، ومزاج الناس تغيّر، وهكذا الثقافة، واستجدت قضايا وقيم لم يعرفها الخطاب الديني سابقًا. لذا بات تقييم تراثنا الكنسي وتأوينه وتحديثه ضرورة قصوى استجابة لانتظارات المؤمنين، في وضعهم الحالي بتحدّياته ومتطلباته، ليغدو تعليمها مؤثرًا وطقوسها قادرة على أن تنعش الإيمان والرجاء. هذه الطقوس هي ابنة سياقها الاجتماعي والتاريخي والثقافي، ينبغي ألّا تُقتطع من ذلك السياق في عملية التأوين، بل يستوجب الأخذ بروحيّتها ودلالاتها وفقًا لما يقتضيه الزمن الحاضر.
لا تزال الكنيسة إلى حدّ ما تئن من ترسبات الماضي وتأثير السلطة المدنية عبر الزمن. لا بدّ من التخلّص منها والسعي للتجديد الروحي والاجتماعي، بإشراك المؤمنين في لجان التخطيط والتنظيم، كما فعل المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، ما يساعدها على التأقلم مع الواقع الجديد وحماية نفسها من التطرّف والتحوّل إلى أيديولوجية، كما يحصل في بعض الديانات، ليتجلى وجه المسيح فيها، وتنطلق لحمل رسالته.
الأصالة والتجدّد والوحدة ثلاثيّة ينبغي أن تكون دومًا نصب أعينها.
1. إعادة صياغة الإيمانيات والروحانيات وإعطاء الكلمات معان منسقة ومفهومة ومقبولة.
2. تجديد الطقوس لتكون قادرة على التواصل مع الزمن بلغة معبرة ومفهومة، لكي تتحوّل إلى ليتورجيا الحياة. الأصالة أو الهوية الكنسية، ليست المحافظة على التقليد كما هو، بل على الروح (الهدف) الذي من أجله كان!
3. من الأهمية بمكان إعادة النظر في النظم والقوانين. ما كان صالحًا في السابق، ليس بالضرورة ملائمًا اليوم! على الكنيسة أن تهتم بما ستكون، وليس بما كانت.
4. الشركة الكنسية مع كنيسة روما: لكنيسة روما موهبة خاصة فهي مدعوة الى أن ترأس بمحبة، كما قال إغناطيوس الأنطاكي في مطلع القرن الثاني: «كنيسة روما ترأس بالمحبة، Ecclesia quae praesidet caritati" (مقدمة الرسالة إلى كنيسة روما). إنه تعبير لاهوتي يلخص معناها: السلطة بالمحبة، والخدمة بتواضع على مثال المسيح بعيدًا عن العقلية الإكليروسانية! تُعتبر كنيسة روما بمثابة نقطة ارتكاز ومرجع للوحدة.
المشكلة مع روما متعلقة بموضوع الكنائس وأولوية الرئاسة. الوحدة المطلوبة ليست فيدرالية كنائس، بل شركة حقيقية باحترام الكنائس المحلية، وحقوقها، وقوانينها، وعدم فرض قوانين غربية عليهاـ الوحدة هي بالتنوّع كما كانت الكنائس في القرون الأول. الوحدة والشركة مع كنيسة روما مفيدة لكنائسنا لما تملك من غنى فكري (جامعات ومعاهد) ومنهجي وتنظيمي ودراسات رصينة وامكانيات وخبرات خصوصا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.
ينبغي احترام البطريرك في الكنائس الشرقية ذات حق خاص، بكونه أب كنيسته ورأسها، وليس بطريركًا فخريًا مثل بطريرك البندقية في إيطاليا، ولا كبير رئيس أساقفة. إن تأسيس مجمع الكنائس الشرقية عام 1917 جاء لخدمة هذه الكنائس، وليس لترأسها!