موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في كل عام تحتفل الكنيسة بعيد العنصرة، وكثيرًا ما نتوقّف أمام صور الريح العاصفة وألسنة النار واللغات المتعدّدة التي امتلأت بها أورشليم. لكن ربما السؤال الأعمق اليوم ليس: ماذا حدث في العلّية منذ ألفَي سنة؟ بل: لماذا ما زال الإنسان المعاصر بحاجة إلى العنصرة أكثر من أي وقت مضى؟
فنحن نعيش في زمنٍ مزدحم بكل شيء، إلا بالسلام. العالم اليوم يملك قدرة هائلة على التواصل، لكن العلاقات تتفكّك. يملك وسائل تعبير لا تُحصى، لكن الإنسان صار عاجزًا أكثر عن قول ما يشعر به حقًا. نسمع أصواتًا كثيرة، لكن القلوب تزداد وحدةً وتعبًا. وربما هنا تكمن أهمية العنصرة. فالروح القدس لم يأتِ فقط ليمنح التلاميذ قدرةً على الكلام بلغات مختلفة، بل ليعيد إلى الإنسان لغة القلب.
اللافت في نص أعمال الرسل أن التلاميذ قبل حلول الروح القدس كانوا مختبئين خلف الأبواب المغلقة. لم يكونوا أشرارًا، ولم يكونوا غير مؤمنين، بل كانوا خائفين. وهذه نقطة مهمّة جدًا. فالخوف لا يختفي دائمًا بالإيمان النظري. قد يعرف الإنسان الله، ويحفظ الصلوات، ويحضر الاحتفالات الدينية، ومع ذلك يبقى في داخله شيء مغلق، شيء متردّد، شيء عاجز عن الانطلاق.
لذلك جاءت العنصرة لا لتضيف معرفة جديدة إلى التلاميذ، بل لتخلق فيهم إنسانًا جديدًا. منذ تلك اللحظة، لم يعد التلاميذ يعيشون فقط ذكرى يسوع، بل حضوره الحيّ فيهم. لقد تحوّلوا من جماعة خائفة إلى كنيسة شاهدة. وهذا التحوّل هو المعجزة الحقيقية. فالروح القدس لا يعمل أولًا على تغيير الظروف الخارجية، بل على تغيير الإنسان من الداخل.
كم مرة ينتظر الإنسان أن تتغيّر حياته لكي يرتاح؟ كم مرة يربط سلامه بما يحدث حوله؟ لكن العنصرة تكشف أن الله يبدأ دائمًا من القلب. لهذا جاءت صورة النار. النار في الكتاب المقدس ليست مجرد رمز للقوة، بل للحضور الإلهي الذي يغيّر كل ما يلمسه. والإنسان الذي يقترب حقًا من الله لا يبقى باردًا، ولا يبقى أسير اللامبالاة.
وربما أخطر ما يهدّد الإنسان المعاصر اليوم ليس التعب فقط، بل البرودة الداخلية. أن تتحوّل الحياة إلى روتين بلا معنى. أن تصبح العلاقات شكلية. أن تتحوّل الصلاة إلى عادة. أن يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يشعر أنه حيّ من الداخل. من هنا، تأتي العنصرة كصرخة رجاء. فالروح القدس هو روح الحياة الجديدة. هو الذي يعيد للإنسان شغفه، ومعنى وجوده، وقدرته على المحبة، وقوّة الغفران، والبدء من جديد.
وفي عالم يمتلئ بالانقسامات، تحمل العنصرة أيضًا رسالة وحدة عميقة. في بابل، اختلفت اللغات فتفرّق البشر. أما في العنصرة، فقد بقيت اللغات مختلفة، لكن القلوب اتّحدت. وهذا ما يحتاجه عالمنا اليوم. لسنا بحاجة إلى مزيد من الضجيج والانقسامات والإدانات المتبادلة، بل إلى روح قادر أن يجعل الإنسان يسمع الآخر بعمق
فالروح القدس لا يلغي اختلافاتنا، بل يقدّسها ويحوّلها إلى غنى. ولهذا يقول القديس بولس: "المواهب على أنواع، وأما الروح فواحد". فالكنيسة ليست جماعة متشابهة، بل جسد حيّ، لكل عضو فيه دعوته ومكانه ورسالة وجوده. وهنا تظهر أيضًا أزمة الإنسان المعاصر الذي يقارن نفسه باستمرار بالآخرين، وينسى أن الله لا يطلب من أحد أن يكون نسخة عن غيره.
الروح القدس لا يصنع نسخًا متكرّرة، بل يوقظ فرادة كل إنسان. ربما لا يملك الجميع موهبة الكلام أو القيادة أو التعليم، لكن الروح القدس قادر أن يعمل من خلال أبسط الأشخاص، وأهدأ القلوب، وأكثر النفوس تعبًا. إن أعظم ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس فقط أشخاصًا ناجحين، بل أشخاصًا ممتلئين من الروح. أشخاصًا يحملون سلامًا في زمن القلق. رجاءً في زمن الإحباط. رحمةً في زمن القسوة. ونورًا في زمن الضياع.
العنصرة ليست ذكرى لحدثٍ ماضٍ، بل دعوة يومية لكل إنسان. دعوة لكي يفتح أبوابه المغلقة. دعوة لكي يسمح لله أن يحرّك ما تجمّد في داخله. دعوة لكي يعود حيًّا. ولهذا تبقى صلاة الكنيسة في هذا العيد من أجمل الصلوات وأكثرها معاصرة: "أرسل روحك يا رب، فتتجدّد وجه الأرض". لأن الأرض لا تتجدّد فقط بالسياسة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا، مهما كانت أهميتها. الأرض تتجدّد حين يتجدّد الإنسان من الداخل. وحين يعود القلب مكانًا لحضور الله، يصبح العالم، رغم كل تعبه، أكثر قدرة على الحياة.