موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أصدرت دائرة عقيدة الإيمان في الفاتيكان، الخميس 22 تشرين الأول 2026، وثيقة جديدة بعنوان "تعالوا إليّ: تأملات حول نقل الإيمان في زمن التحولات الكبرى"، دعت فيها إلى تجديد إعلان الإنجيل في مواجهة الأزمة التي تعترض نقل الإيمان المسيحي بين الأجيال، مؤكدة ضرورة العودة إلى جوهر البشارة، والاهتمام بتبشير البالغين، وعدم الاكتفاء بالتعليم المسيحي الموجّه إلى الأطفال واليافعين.
وتتألف الوثيقة، التي وافق عليها البابا لاون الرابع عشر في 21 آب الماضي، من مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وتحمل توقيع رئيس دائرة عقيدة الإيمان الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، وأمين القسم العقائدي فيها المونسنيور أرماندو ماتيو. وقد استند إعدادها إلى مساهمات عدد من مجالس الأساقفة حول العالم، إلى جانب شهادات لأشخاص اكتشفوا الإيمان بالمسيح أو عادوا إليه بعد فترة من الابتعاد عن الكنيسة.
وأوضحت الدائرة أن النص يندرج ضمن "تأملات" رعوية ولا يشكّل "مذكرة عقائدية"، إذ يهدف إلى تشجيع التفكير الكنسي واقتراح مسارات عملية لتجديد إعلان الإنجيل في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، دون الادعاء بحسم جميع القضايا المطروحة.
تنطلق الوثيقة من دعوة السيد المسيح في إنجيل متى: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم"، لتؤكد أن نقل الإيمان لا يقتصر على تعليم العقائد أو تقديم المعلومات الدينية، بل يقوم أساسًا على مساعدة الإنسان على اختبار لقاء شخصي وجماعي بالمسيح الحي.
وتشدد على مركزية "الكرازة الأولى" (Kerygma)، أي إعلان جوهر الإنجيل، مستعيدة عبارة البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي "فرح الإنجيل": "يسوع المسيح يحبك، وقد بذل حياته ليخلّصك، وهو الآن حيّ إلى جانبك كل يوم لينيرك ويقوّيك ويحرّرك".
وترى الوثيقة أن الإيمان يُنقل من خلال الحياة الكنسية والشهادة والمحبة، وليس باعتباره مجرد مجموعة من المعارف. كما تؤكد أن الكنيسة تنمو بقوة الجاذبية التي تنبع من شهادة المؤمنين للمسيح، لا بمجرد البرامج والأنشطة أو السعي إلى استقطاب الآخرين.
وتولي الوثيقة اهتمامًا خاصًا للعائلة، بوصفها المكان الأول والأساسي لنقل الإيمان إلى الأجيال الجديدة، لكنها تقرّ بأن هذه المهمة شهدت انقطاعًا في مناطق عديدة من العالم، ولا سيما في المجتمعات ذات الجذور المسيحية العريقة.
وتشير إلى أن انتقال الإيمان من الآباء إلى الأبناء لم يعد يحدث بصورة تلقائية، وأن عددًا متزايدًا من المعمّدين يعيشون بعيدًا عن الحياة الكنسية، دون علاقة فعلية بالجماعة المؤمنة أو اختبار شخصي لمعنى الإيمان.
وتستعيد الوثيقة تعليم البابا فرنسيس بأن الإيمان يُنقل داخل العائلة "بلهجتها الخاصة"، أي من خلال لغة المحبة والحياة اليومية، كما تستشهد بتأكيد البابا لاون الرابع عشر أن الوالدين هما أول معلّمي الإيمان، وأن إعلان الإنجيل يبدأ في البيوت وحول مائدة العائلة، قبل أن تتولى الجماعة الكنسية مواصلة هذه التنشئة وتعميقها.
وتلاحظ الوثيقة أن هذه الأزمة لا تقتصر على المجتمعات الغربية، بل تظهر بأشكال مختلفة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، حيث تؤثر التحولات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية والثقافية في قدرة العائلات على نقل الإيمان.
وفي إحدى أبرز ملاحظاتها الرعوية، تتوقف الوثيقة عند ابتعاد أعداد كبيرة من الأطفال واليافعين عن الكنيسة والأسرار المقدسة فور استكمال مراحل التنشئة المسيحية أو الدراسة في المدارس الكاثوليكية.
وترى أن هذه الظاهرة تكشف عن الصعوبات التي لا تزال تواجه التعليم المسيحي في إيجاد الأساليب المناسبة لترسيخ لقاء شخصي ودائم بالمسيح، بحيث لا تنتهي العلاقة بالكنيسة بانتهاء مرحلة الإعداد للأسرار المقدسة.
وتؤكد أن المطلوب ليس مجرد نقل المعلومات الدينية، بل تنشئة إيمانية تلامس حياة الإنسان وتساعده على النمو في علاقته بالمسيح والجماعة الكنسية.
ومن هنا، تدعو الوثيقة إلى مراجعة الأولويات الرعوية، والانتقال من التركيز الحصري على تعليم الأطفال واليافعين إلى الاهتمام أيضًا بتبشير البالغين، ولا سيما أولئك الذين نالوا المعمودية لكنهم ابتعدوا عن ممارسة إيمانهم.
وتتناول الوثيقة التحولات العميقة التي يشهدها العالم، معتبرة أن أزمة نقل الإيمان ترتبط بتغيرات في نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى المجتمع والدين.
وتشير إلى تنامي الفردية والعلمنة، وإلى ثقافة تميل إلى حصر الإيمان في المجال الشخصي والخاص، بما يضعف ارتباط الإنسان بالجماعة والتقاليد الدينية التي نشأ فيها. وتلفت إلى أن بعض المجتمعات باتت تشهد تراجعًا واضحًا في الممارسة الدينية، حتى إن عدم الانتماء الفعلي إلى الحياة الكنسية لم يعد يُنظر إليه بوصفه أمرًا غير مألوف.
كما تتوقف الوثيقة عند واقع رعوي يتمثل في انحصار خدمة بعض الكهنة، في نظر كثيرين، في المحافظة على المؤسسات والبنى الكنسية القائمة، في وقت تغيّر فيه العالم المحيط بهذه المؤسسات بصورة جذرية. وترى أن هذه التحولات تستدعي تجديد الأساليب الرعوية واللغة المستخدمة في إعلان الإنجيل، بحيث تتمكن الكنيسة من مخاطبة الإنسان المعاصر والإصغاء إلى أسئلته وتحدياته.
وتخصص الوثيقة اهتمامًا لتأثير التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في العلاقات الإنسانية وفي الطريقة التي يتلقى بها الناس المعلومات والأفكار والمعتقدات.
وتستعيد تحذير البابا لاون الرابع عشر من أن الذكاء الاصطناعي لا يؤثر في تداول المعلومات فحسب، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية نفسها، من خلال قدرته على محاكاة الأصوات والوجوه والمعرفة والتعاطف، مؤكدة أن التحدي الأساسي "ليس تكنولوجيًا، بل أنثروبولوجيًا"، أي إنه يتعلق بفهم الإنسان وهويته وعلاقاته.
وتقرّ الوثيقة بأن الوسائل الرقمية تفتح فرصًا غير مسبوقة لنشر الإنجيل ومشاركة الشهادات والخبرات الروحية، لكنها تحذّر في المقابل من خطر اختزال الإيمان إلى تجربة افتراضية منفصلة عن الحياة الواقعية والجماعة الكنسية.
كما تشير إلى احتمال ظهور ما يمكن وصفه بـ«الإيمان المصمّم حسب الطلب»، عندما يختار الإنسان من المعتقدات والتعاليم ما يتوافق مع أذواقه وتفضيلاته الشخصية، بدل الانفتاح على الإيمان كما تعلنه الكنيسة.
وتحذّر أيضًا من انتشار المعلومات المضللة والتلاعب بالصور والفيديوهات، ومن تراجع الثقة بالمؤسسات في بيئة رقمية تختلط فيها الحقائق بالآراء. وتؤكد أهمية التحقق من المعلومات ومقارنة المصادر، باعتبارهما جزءًا من المسؤولية الأخلاقية في التواصل.
وتؤكد الوثيقة أن تجديد إعلان الإنجيل يتطلب جماعات كنسية قادرة على استقبال المؤمنين ومرافقتهم، ولا سيما الذين يعودون إلى الكنيسة أو ينالون سر المعمودية في مرحلة البلوغ.
وتشير إلى أنه رغم تزايد حالات الاهتداء والعودة إلى الإيمان في بعض المجتمعات التي شهدت مستويات مرتفعة من العلمنة، فإن عددًا من المؤمنين الجدد يواجهون صعوبة في الاستمرار في ممارسة إيمانهم بعد المعمودية، ما يستدعي تعزيز المرافقة الروحية والانتماء إلى الجماعة.
وتدعو إلى إنشاء مجموعات منتظمة في الرعايا والجماعات الكنسية لقراءة كلمة الله والتأمل فيها ومشاركتها والصلاة على ضوئها، إلى جانب المشاركة في القداس الإلهي يوم الأحد.
وتصف الليتورجيا بأنها المكان المميّز الذي يُحتفل فيه بسر محبة الله الخلاصية بالمسيح، ويُمنح فيه المؤمنون اختبارًا حيًا لهذا السر من خلال الأسرار المقدسة.
كما تبرز ثلاثة أبعاد أساسية للشهادة المسيحية، هي القداسة والقرب من الآخرين والخيار التفضيلي للفقراء، مؤكدة أهمية ترجمة الإيمان إلى أعمال محبة وخدمة وتضامن، إلى جانب دور الفن والجمال، ولا سيما الموسيقى، في مساعدة الإنسان على الانفتاح على الإيمان.
وتخصص الوثيقة اهتمامًا للتقوى الشعبية، معتبرة أنها لا تزال وسيلة مهمة لنقل الإيمان، إلى جانب الحج إلى الأماكن المقدسة، سواء في أشكاله التقليدية أو الحديثة، والانتماء إلى الأخويات والجماعات الروحية. كما تتناول أهمية العظة والعمل التطوعي والمؤسسات التعليمية الكاثوليكية، بوصفها مجالات تساعد على اكتشاف الإيمان وتعميق العلاقة بالكنيسة.
وتؤكد أهمية مراعاة الثقافات المختلفة عند إعلان الإنجيل، والاستفادة من التعليم الاجتماعي للكنيسة في ربط الإيمان بقضايا الكرامة الإنسانية والعدالة والحياة الاجتماعية. ومن بين المسائل التي تطرحها الوثيقة، ضرورة توسيع فرص مشاركة النساء في قيادة المسارات والعمليات الكنسية، مشيرة إلى أن النساء يشكّلن حضورًا فاعلًا في حياة الجماعات الكاثوليكية، وأن مشاركتهن في مواقع اتخاذ القرارات المتعلقة بالحياة الكنسية تستحق اهتمامًا أكبر.
وتشدد كذلك على أهمية الالتزام المسكوني في رسالة إعلان الإنجيل، معتبرة أن الحوار بين الكنائس المسيحية يشكّل جزءًا من الشهادة للإيمان، وليس نشاطًا منفصلًا عنها.
وتختتم دائرة عقيدة الإيمان وثيقتها بصورة مستوحاة من رتبة النور في الاحتفال بليلة الفصح، عندما تُضاء شموع المؤمنين تباعًا من الشمعة الفصحية، فينتقل النور من شخص إلى آخر حتى يملأ الكنيسة. وترى في هذه الصورة تعبيرًا عن جوهر نقل الإيمان، إذ يتلقى المؤمن نور المسيح ثم ينقله إلى الآخرين من خلال حياته وشهادته.
وتؤكد الوثيقة أن المسيح هو النور الحقيقي الذي ينير حياة الإنسان، وأن مسؤولية المؤمنين اليوم تتمثل في نقل هذه العطية إلى رجال ونساء عصرهم، لكي يتمكنوا بدورهم من اكتشاف محبة الله والرجاء الذي يمنحه الإنجيل.
وتستحضر في ختامها شهادات قديسين من بينهم القديس كارلو أكوتيس والقديسة ماريا أنطونيا دي باز إي فيغيروا، المعروفة باسم "ماما أنتولا"، إلى جانب مؤمنين كرّسوا حياتهم لإعلان الإنجيل، داعية الجماعات الكنسية إلى تعزيز الصلاة والشهادة الحية بوصفهما أساسًا لتجديد رسالة نقل الإيمان.