موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد 15 عامًا على رحيله: حجّ سنوي يروي قصة شاب إيطالي تسير الكنيسة في دعوى تطويبه
ماركو غالّو توفي في السابعة عشرة بحادث سير، بعدما ترك على جدار غرفته كلمات من إنجيل القيامة... ووالدته تشهد لرجاء لم يُلغِ ألم الفقدان

أبونا :

 

تستعد عائلة الشاب الإيطالي ماركو غالّو وأصدقاؤه لإحياء الذكرى الخامسة عشرة لرحيله، من خلال مسيرة حجّ سنوية تُقام في الأول من تشرين الثاني المقبل إلى مزار سيدة مونتالّيغرو، بالقرب من مدينة جنوة الإيطالية. غير أن حجّ هذا العام يحمل خصوصية إضافية، إذ يُنظّم للمرة الأولى منذ افتتاح الكنيسة الكاثوليكية رسميًا دعوى تطويب ماركو، الذي توفي في السابعة عشرة من عمره بحادث سير عام 2011، وبات يحمل لقب "خادم الله".

 

وتعيد هذه المناسبة تسليط الضوء على قصة شاب رحل في مقتبل العمر، لكنه ترك أثرًا عميقًا في حياة عائلته وأصدقائه، بما عُرف عنه من إيمان وفرح بالحياة ومحبة للآخرين. وتبرز في هذه القصة شهادة والدته باولا، التي واجهت ألم فقدان ابنها مستندة إلى رجائها المسيحي وإيمانها بالقيامة، من دون أن يغيب عنها الحزن أو الشوق إليه، لتصبح تجربتها شهادة حيّة على رجاء لا يُلغي الألم، بل يمنح القوة لمواجهته.

 

من هو ماركو غالّو؟

 

وُلد ماركو غالّو في 7 آذار 1994 بمدينة كيافاري الإيطالية، ونشأ في عائلة مسيحية، قبل أن تنتقل أسرته إلى منطقة لومبارديا شمالي البلاد. وكان طالبًا في مدرسة دون نيوكي الثانوية بمدينة كاراتيه بريانتسا، وعُرف بين زملائه بشخصيته الحيوية وروحه المرحة وشغفه بالرياضة والجبال والدراجات النارية الصغيرة.

 

ولم يكن ماركو بعيدًا عن اهتمامات أبناء جيله، بل كان يحب المغامرة والتجارب الجديدة، ويقضي وقتًا طويلًا مع أصدقائه. ويتذكره رفاقه شابًا كثير الحركة، يتأخر أحيانًا عن مواعيده، لكنه ما إن يصل حتى يملأ المكان بالحياة والضحك.

 

وخلف هذه الشخصية المرحة، كان اهتمام واضح بالآخرين. فقد شارك في مبادرات لمساعدة الطلاب في دراستهم، وشجّع أصدقاءه على الانخراط في أعمال تطوعية، من بينها مرافقة المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة. كما ارتبط بالحركة الطلابية التابعة لحركة "شركة وتحرير" الكاثوليكية، التي أسهمت في تنمية إيمانه خلال سنوات الدراسة.

 

ومن الذكريات التي يستعيدها أصدقاؤه اهتمامه بشقيقة أحد رفاقه الصغيرة، إذ كان يسأل عنها كلما زار منزل العائلة، ويختبئ خلف الباب ليفاجئها عند عودتها، في مشهد بسيط بقي حاضرًا في ذاكرتهم، شاهدًا على محبته للآخرين.

 

 

كلمات من إنجيل القيامة قبل رحيله

 

في مساء 4 تشرين الثاني 2011، كتب ماركو على جدار غرفته، بالقرب من الصليب، كلمات من إنجيل لوقا: "لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟" (لوقا 24: 5)، وهي الكلمات التي وجّهها الملاكان إلى النسوة اللواتي قصدن قبر يسوع فجر القيامة.

 

وفي صباح اليوم التالي، السبت 5 تشرين الثاني، خرج ماركو على دراجته النارية الصغيرة متوجهًا إلى المدرسة، لكن سيارة صدمته في منطقة سوفيكو، لتنتهي حياته بصورة مفاجئة عن عمر 17 عامًا. وقد اكتسبت الكلمات التي تركها على جدار غرفته معنى خاصًا لدى عائلته وأصدقائه بعد رحيله، لا باعتبارها تفسيرًا لموته، بل شهادة على الإيمان بالقيامة الذي كان حاضرًا في حياته.

رسالة قصيرة إلى والديه... وشهادة أم

 

ومن الذكريات التي تحتفظ بها عائلته رسالة كتبها ماركو إلى والديه، باولا وأنطونيو، خلال عطلة في الجبال عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، قال فيها: "أنا أسعد إنسان في العالم. أحبكما". وبعد رحيله، أصبحت هذه الكلمات جزءًا من الذكريات التي تستعيدها العائلة، إلى جانب شهادات أصدقائه وكتاباته التي تكشف عن شاب أحب الحياة، وبحث عن معناها في علاقته بالمسيح والآخرين.

 

ورغم مرور السنوات، لا تزال والدة ماركو، باولا، تستمد من إيمانها المسيحي القوة لمواجهة ألم فقدان ابنها، محتفظةً بسلام داخلي لا يعني نسيانه أو غياب الحزن على رحيله، بل يعكس رجاءها بالحياة الأبدية والقيامة.

 

وتستعيد باولا إحدى اللحظات المؤثرة في يوم الوداع الأخير، حين دخلت الكنيسة التي سُجّي فيها جثمان ابنها، فوجدت امرأتين مسنّتين سبق أن فقدتا ابنيهما، وقد حضرتا من تلقاء نفسيهما لمشاركتها حزنها. لم تحمل المرأتان إجابات عن أسئلة الفقدان، لكن حضورهما عبّر عن تضامن إنساني عميق بين أمهات جمعتهن التجربة نفسها. وعن تلك اللحظة كتبت باولا: "الألم هو الألم، وهو يجعلنا جميعًا إخوة".

 

 

شعلة لا تنطفئ

 

ومن بين أوراق ماركو، تحتفظ العائلة بموضوع مدرسي كتبه في الأول من تشرين الثاني 2006، يوم عيد جميع القديسين، عندما كان في الثانية عشرة من عمره. كان الموضوع عن المُثل التي يؤمن بها الوالدان، فقرر أن يسأل والده ووالدته عن القيم التي توجه حياتهما.

 

وخلال الحديث، شرحت له والدته أنها تبحث عن الخير الذي ينتصر في النهاية على الشر، ويبقى حيًا إلى الأبد. ولخّص ماركو فكرتها بصورة بسيطة: شعلة لا تنطفئ أبدًا. ثم طرحت عليه سؤالًا: إذا تعلّق الإنسان بحياة شخص يحبه، ثم مات ذلك الشخص، فما الذي يستطيع أن يسنده؟ وكانت إجابتها أن الرجاء الحقيقي يقوم على يسوع المسيح الذي انتصر على الموت.

 

أنهى ماركو موضوعه المدرسي بالإشارة إلى أن أفكار والدته تركت أثرًا عميقًا في نفسه. وبعد خمس سنوات، وجدت الأم نفسها أمام السؤال الذي كانت قد طرحته على ابنها، لتصبح الكلمات التي تبادلاها يومًا شهادة على الرجاء الذي تستمده من إيمانها بالقيامة.

حجّ بدأ بعد رحيله وما زال مستمرًا

 

وبعد عام من وفاة ماركو، بدأت عائلته وأصدقاؤه تنظيم مسيرة حجّ من مدينة رابالّو إلى مزار سيدة مونتالّيغرو، في مقاطعة جنوة. وما بدأ عام 2012 بمبادرة عفوية للصلاة والبقاء معًا، تحوّل تدريجيًا إلى موعد سنوي يشارك فيه أشخاص عرفوا ماركو وآخرون تعرّفوا إلى قصته بعد رحيله.

 

وفي الأول من تشرين الثاني 2026، تُقام المسيرة للمرة الخامسة عشرة، حيث ينطلق المشاركون عند الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا من أمام القلعة المطلة على البحر في رابالّو، ويتقدمهم شاب يحمل صليبًا خشبيًا.

 

ويقطع الحجاج بصمت مسارًا جبليًا يبلغ فرق الارتفاع فيه نحو 600 متر، وصولًا إلى المزار عند الظهر، حيث يشاركون في الصلاة والقداس الإلهي، قبل أن يجتمعوا لتناول الطعام والترانيم. وتؤكد العائلة أن الحج ليس مناسبة للبحث عن أحداث خارقة، بل مسيرة إيمان وصلاة وشركة، تعبّر عن استمرار الروابط التي نشأت حول حياة ماركو وشهادته.

 

 

من ذكرى شاب إلى دعوى تطويب

 

وفي 7 آذار 2026، الذي صادف الذكرى الثانية والثلاثين لميلاد ماركو، افتتح رئيس أساقفة ميلانو، المطران ماريو ديلبيني، رسميًا المرحلة الأبرشية من دعوى تطويبه وإعلانه قديسًا، لتبدأ الكنيسة دراسة حياته وفضائله والشهادات المرتبطة به.

 

وكانت مسيرة الحج السنوية قد استمرت لسنوات طويلة قبل افتتاح الدعوى، وهو ما يعكس المكانة التي بقيت تحتلها ذكراه في حياة عائلته وأصدقائه. ولا يعني افتتاح الدعوى أن الكنيسة الكاثوليكية أعلنت ماركو طوباويًا أو قديسًا، بل إنها بدأت المسار الكنسي المخصص للتحقق من سيرته وفضائله، فيما يحمل حاليًا لقب "خادم الله".

 

وبين الكلمات التي كتبها على جدار غرفته عن القيامة، والرسالة التي عبّر فيها عن سعادته ومحبته لوالديه، ومسيرة الحج التي تتجدد كل عام، تتواصل قصة ماركو غالّو بوصفها شهادة على إيمان شاب عاش حياته اليومية بفرح، وعلى رجاء عائلة تؤمن بأن الموت، رغم قسوته، لا يملك الكلمة الأخيرة.