موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أهذا مقالٌ[1] عن الصلاة؟ نعم، ولكن ليس بالمعنى التقليديّ الذي اعتدناه؛ فالمكتبات عامرة بكتبٍ كثيرة ألّفها مُختصّون، وموجَّهة غالبًا إلى المتخصّصين، أمّا هذه السطور، فتنتمي إلى أفقٍ مختلف؛ فمن يقرؤها لا ينتظر أن يجد بين طيّاتها دليلًا عمليًّا للصلاة، ولا مجموعة من الصلوات الجاهزة للحفظ، كما أنّها لا تقدّم دراساتٍ أكاديميّةً معقَّدة، أو مناقشاتٍ لاهوتيّةً جافّة.
إنّها -قبل كلّ شيء- محاوَلةٌ لتقديم خبرةٍ حياتيّةٍ حيّة، وهي سيرةٌ روحيّة وإنسانيّة في آنٍ معًا. إنّها قصّة صداقةٍ عميقة جمعت القدّيسة تريزا الأفِيليّة "1515–1582م" بالمسيح، إنّها الراهبة الكرمليّة، ومُصلِحة الرهبنة، والكاتبة الروحيّة ذات التأثير الواسع، التي ارتقت؛ لتصبح معلِّمةً عظيمة في مدارس الصلاة والتأمّل؛ ولأنّها عاشت هذه الخبرة بعمقٍ استثنائيّ، أعلنتها الكنيسة، عام 1970م، معلِّمة للكنيسة الجامعة.
ليس المقصود هنا كتابة سيرةٍ ذاتيّة بالمعنى الكلاسيكيّ، بل تقديم شهادةٍ حيّة عن خِبرتها في الصلاة والتأمّل، بوصفهما علاقةً شخصيّةً حميمة مع المسيح؛ علاقة تتحوّل في جوهرها إلى دعوة للسير في طريق التأمّل، طريق قد يبدو عسيرًا وشاقًّا في ظاهره، لكنّه جذّاب في عمقه وغِناه.
ولا يهدف هذا المقال إلى تقديم طريقةٍ عمليّةٍ محدَّدة للصلاة؛ إذ إنّ القدّيسة تريزا نفسها تبدو متحفّظة تجاه فكرة وضع منهجيّةٍ جامدة للتأمّل. فما يهمّها، في المقام الأوّل، ليس الأسلوب بحدّ ذاته، بقدر ما هو الإنسان، بكيانه وحياته، واستعداده الداخليّ. فمن خلال تتبّع مسيرتها الروحيّة، تتجلّى أمامنا أهمّ التوجيهات الأساسيّة التي تساعد على الدخول في طريق الصلاة التأمّليّة والسير فيه، غير أنّ هذه التوجيهات لا تُقيِّد ولا تُقنِّن، بل تترك للشخص مساحةً واسعة لحرّيّته الداخليّة، وخصوصيّته، وفرادتِه التي لا تتكرّر. والأهمّ من ذلك كلّه، أنّها تفسح المجال لعمل الروح القدس، المعلّم الداخليّ الحقيقيّ؛ ليؤدّي دوره في التعليم، والاستنارة، وإشعال نار المحبّة، وتنقية الكيان من الداخل.
إلى مَن نوجّه هذا المقال؟ إنّنا نوجّهه إلى كلّ قلب يتوق للدخول في خبرة الصلاة التأمّليّة أو يسعى لتعميق فهمه لأبعادها الجوهريّة؛ سواء كان في بداية الطريق، أو يبحث عن نقطة انطلاق، أو يسعى إلى اكتشاف معنى الصلاة وقيمتها في الحياة المسيحيّة. كما يسعى هذا النص إلى مساعدة القارئ على تمييز الصلاة المعيشة بوصفها خبرةً حقيقةً وأصيلة، بعيدًا عن كونها مجرّد ممارَساتٍ شكليّةٍ قد تفتقر إلى العمق والالتزام الداخليّ؛ لذلك؛ نقدّم هذه السطور، لا لتكون دليلًا تقنيًّا أو كتيّبًا إرشاديًّا، بل لتكون مرشدًا، وعونًا تمهيديًّا، يستند إلى مفاهيم روحيّة رصينة، ويُصَاغُ بلغةٍ بسيطةٍ وواضحة يفهمها كلّ قارئ. فـالمقال لا يخاطب فئةً معيّنةً من المؤمنين، كالكهنة أو الرهبان أو الراهبات فحسب، إنما يتوجّه إلى جميع المسيحيّين الذين يرغبون في أن يصلّوا، جاعلين من معموديّتهم محورًا لحياتهم، وأن يَصغَوا إلى الله الذي يكلّمهم بكلمتِه الأخيرة والنهائيّة: يسوع المسيح، الكلمة المتجسّدة.
"الصلاة قصّة صداقة": كلماتٌ ثلاث فقط هُنّ عنوان هذا المقال، لكنّها حين تجتمع معًا، تُشكّل دعوةً مفتوحةً إلى القراءة، ودليلًا يُرشد القارئ. إنّها كلماتٌ ثلاثٌ عميقة المعنى، غنيّة، وشاملة، تحمل في طيّاتها قدرًا كافيًا من الغموضِ؛ ليحرّك الاهتمام والشغف، ويوقظ الخيال، ويستثير الفضول. وكلّ كلمةٍ منها، إذا أُخِذَت على حِدَة، تمتلك دلالتها الخاصّة التي يمكن أن تنطبق على أيّ إنسان، وفي أيّ وضعٍ وُجوديّ. وفي مُعتَقد الشخص المؤمن، تغدو الصلاة الكلمة المفتاحيّة؛ فهي وحْدَها قادرة على تفسير معنى الوجود. إنّها تخاطبه بحُسْبانِها سؤالًا وجوديًّا وتحدّيًا يستدعي جوابًا. أمّا القصّة فتجذب الإنسان المثقّف بوصفه واقعًا يُقْرَأُ ليستقرئ آثار الإنسان في الأمس واليوم والغد، في الماضي والحاضر والمستقبل. وأمّا الصداقة، فهي تهمّ الإنسان كما هو، بلا صفات ولا إضافات. وإذا تأمّلنا جيّدًا، نجد أنّ الصلاة والقصّة والصداقة تُسهم في تشكيل الإنسان؛ إنّها تمتحنه، وتمنحه هُويَّته، وتحدّد كينونته. فجوهر كلّ قصّة هو الإنسانُ ذاتُه، بوصفه مشروعًا إلهيًّا يتحقّق وينمو ويتّجه نحو الكمال. والصلاة تُشرك الإنسان في سُموّه نحو الله، مقرّبةً إيّاه من مصدر الكينونة. أمّا الصداقة فهي الإنسان ذاته، مُنفتحًا على كلّ ما هو خارج عنه، ومع ذلك يبقى هو نفسه قادرًا على العطاء والقبول، وعلى أن يكون مختلفًا ومتّحدًا في آنٍ واحد.
إنّ الانطلاق من هذه الأُسس يُشكِّل مشروعًا جادًّا لنموّ الإنسان في إنسانِيَّته. فنحن اليوم نفتقر إلى كثير من الأفكار الواضحة إزاء مشكلات الحياة المتعددة، وإضافةً إلى ذلك، نفتقر أكثر إلى السكِينة والوقت اللازمَين لتحقيق التناغم بين الصلاة والصداقة، حين نعيشهما في قصّةٍ واقعيّةٍ حيّة، وخبرةٍ يوميّةٍ ملموسةٍ، ضمن منظورٍ واحدٍ يُنمّي كينونتنا ويدفعنا نحو التجسّد الكامل كأشخاص حقيقيّين. إنّها، ببساطة، استجابة الإنسان لحاجاتٍ وجوديّةٍ جذريّةٍ تنبع من أعماقه.
ولكي لا نبقى أسرى النظريّات أو الأحلام اليوتوبيّة الجذّابة التي لا تلامس الواقع، فإنّنا نفضّل الشهادةَ والمثال، والاسم والملامح، والحيّز الحيويّ والخبرة الشخصيّة لإنسانٍ حقيقيّ من لحمٍ ودم، مثلنا، ينقل إلينا، بكلماتٍ صادقةٍ، قصّة خبرته العميقة. وبعبارةٍ أُخرى: لسنا نبحث عن نظرية أو عقيدة صاغها عقلٌ مبدعٌ، لكنّها لم تُخْتَبَرْ في مخاطَرة الحياة ولم يُدْفَعْ ثمنها وجوديًّا؛ بل نريد الحياة نفسها، مُترجَمة إلى كلمات، خالية من الزخرفة، عارية من التكلّف، لكنّها مشتعلة بالصدق العاطفيّ والحميميّة الروحيّة.
وفي هذه القصّة، فإنّ الشخص الذي نتّخذه مثالًا لنا هو القدّيسة تريزا الأفِيليّة. إنّها امرأة من زمنٍ بعيد، من القرن السادس عشر، ومقيَّدة، مثل كلّ كائنٍ بشريّ، بظروف عصرها وقيود بيئتها وحدودها، لكنّها تبقى قريبة منّا في قلَقِها الحيّ، ولهفتها العميقة، واستعدادها لأن تعيش بلا تردد أو تأجيل، امرأةً جريئةً تسير عكس التيار. إنّها امرأةٌ هادئة، غنيّة بالصمت والوحدة، متعطّشة إلى دروبٍ جديدة تشقّها بنفسها، لا بحجارة، ولكن بنبضات قلبها ورحلاتها المتواضعة على إيقاع خطوات العربة. إنّها امرأةٌ تأمّليّة ومُتجوّلة في آنٍ واحد؛ وهذا وَحْدَه يكاد يختصر كلّ شيء؛ فهي تجمع ما يُظَنُّ متناقضًا: الصمت والكلمة، الروح والجسد، بين حصن الدير وعزلته والانفتاح على العالَم، الخبرة الروحيّة وفي نفس الوقت تدبير الشؤون اليوميّة، بين التأمّل والحياة.
إن أسوأ خدمة يمكن أن نقدّمها لتريزا اليوم، بل أقسى ظلمٍ نرتكبه بحقّها، هي أن نتصوّرها فريدة لا تتكرّر، أي عظيمة لدرجة أنّها تبتعد عنّا تمامًا، فنكون، بمدحنا المفْرِط، قد حكمْنا عليها بالعزلة، ورفعناها إلى مكان لا نصل إليه. وهكذا نُسكت صوتها دون أن ندري، نُقدّسها من جديد، لكن على مذابحَ بعيدةِ المنال وغير مُتاحةٍ لنا، فنعلنها، دون قصدٍ، ميتة في توجُّهات حياتنا. وهكذا نستبدل بالقدّيسة تريزا الحقيقيّة، تريزا دي أومادا إي سيبِدا، صورةً أُخرى خياليّةٍ واهمةٍ، لا وجود لها سوى في مخيّلتنا، فنحرم أنفسنا من خبرتها، ومن نور تجربتها الحيّة التي لا تزال تُنير درب كلّ سائرٍ صادقٍ في البحث عن الله.
إن القدّيسة تريزا عظيمة، وفريدة لا تتكرّر؛ غير أنّ عظمتها ليست انعزالًا أو تفرّدًا منغلقًا على ذاتها، بل بالعكس، فهي لم تحتفظْ لنفسها بالنعم التي نالَتها من الله، بل إذ رأت نفسها مغمورة بها، أدركت بوضوح أنّ واجبها هو أن تشاركها، وأن تدعو الآخَرين، وأن تعرّف الجميع ذلك "السرّ العظيم" الكامن في قلب الإنسان حين يصير صالحًا، وحين يُنْظَرُ إليه بانتباه ويُفْحَصُ في عمقه. تقول تريزا في كتاب السيرة: «لقد عرفتُ هذا من خبرتي حقّ المعرفة. ولا أفهم، يا خالقي، لماذا لا يحاول جميع البشر أن يَصلوا إليكَ لتأسيس هذه الصداقة الخاصّة»[2]. وتدرك تريزا أنّ الله، في هذه الحياة، هو الكنز الوحيد الثابت والدائم؛ لذلك تدعو الجميع، وتجوب طرقًا كثيرة، وتؤسّس الأديرة، وتؤلِّف الكتب. إنّها كلّها طرُق؛ لكي تقترب بها من الناس، لتكشف لهم الحقيقة التي عاشتها، ولا تكفيها يداها للكتابة حين تتذكّر مَراحم الربّ، وحين تتأمّل ما صنعه الله معها، وما لا يزال يصنعه مع البشر، دون أن يشعروا.
هذه هي القدّيسة تريزا التي لم تَمُتْ. فقبل أن تعلن أجراس مدينة ألبا دي تورميس Alba de Tormes عن انتقالها الى السماء، كانت قد سلّمتنا "خبرتها"؛ لقد أعطَتنا إيّاها كاملة، بل أعطَتها مرّاتٍ عديدة، من خلال كتاباتها الروحيّة العديدة، كي تبقى دائمًا حيّة في قلوبنا؛ مثل: السيرة، طريق الكمال، المنازل، التأسيسات، التقارير الروحيّة، الرسائل... كلّها سِيَرٌ حيّةٌ لهذه المرأة، فالكلام عن "سيرة"، يعني الحديث عن خبرةٍ حيّةٍ تُعطي ذاتها، وعن قلب يسمح للآخَرين أن ينظروا إليه، وعن إنسانيةٍ دافئةٍ وقريبة.
ما الذي فعلته تريزا كي لا تموت، وتبقى سيرتها وتعليمها حاضرين حتّى يومنا هذا؟
أحبّت، وعلّمت كيف تُحبّ: «لأنه لا يُوجَدُ شيءٌ صعبُ التحمّل إلّا ويتجاوزه الذين يحبّون وبسهولة»[3]. فهي عاشت صداقة مع الله تعيد فيها اكتشاف ذاتها بكلّ كيانها؛ وكانت راهبةً متأمّلةً من دون أن تتخلّى عن كونها امرأة؛ وكانت مسيحية ذات دعوةٍ جامعة وشاملة. ولم تسمح لأيّ أنماط أو عادات أن تقيّدها؛ تحرّرت من ذاتها وعاشت من أجل الآخَرِين؛ وأدركت تريزا أنّ الحياة التي تُمْنَحُ هي الحياة التي تُعَاشُ، وهي الجواب الحقيقي على رغبة القلب في الحياة. وقد تركت لنا هذه الكلمات التي تكاد تكون شعار حياتها: «المحبّة تنمو حين تُعَاشُ بالتواصل وبالمشارَكة»[4].
وقد سعينا في هذه السطور أن نجعل المسيرة العميقة للقدّيسة تريزا في الصلاة والتأمّل في متناوَل القارئ؛ فالحديث عن تريزا هو حديث عن الصلاة بوصفها قصّة صداقة: صداقة عاشتها بكيانها كلّه، وصداقة قدّمتها للجميع. إن دعوتها وهي كاتبةٌ مميَّزة تشبه دعوة "نبويّة" تشهد لمراحم الله. فهي ليست الوحيدة التي تتكلّم عنها، لكنّها شاهدة عليها بكلّ بساطة وصدق. فما يميّز رسالتها الخاصّة هي أنّها تُخبِرنا، انطلاقًا من خبرةٍ حيّة، ماذا يعني أن نكون أصدقاء لله؟ وما الطريق المؤدّي إلى ذلك؟ وإذ عاشت الصداقة بنفسها، أرادت أن تروي لنا القصّة التي قادتها إلى أعماقها.
إنّ التأمّل والصلاة، عند تريزا، يوحّدان الحياة ويعيدان للإنسان حرّيّته الحقيقيّة. والإنسان الحرّ لا يستطيع أن يصمت؛ فالحرّيّة هي نقطة الوصول، وتتويج لمسيرة تحرّر من كلّ أشكال العبودية؛ وهي تُجاوِز القلق الذي يطارد الإنسان في حياته اليوميّة؛ وهي التسبيحة التي يرتّلها أنبياء المحبّة إلى أولئك الذين لا يزالون يناضلون ليكونوا -بكل تجرُّد وسهولةٍ- بشرًا.
ترتكز الملامح الجوهريّة للمسيرة "التيريزيّة" على أعمدةٍ أربعة: الخبرة الروحيّة، العقيدة، التربية الروحيّة، ووحدة الحياة. وفي مركزها يكون المسيح، الصديق والمعلّم، وأمامه يقف الإنسان الذي يصلّي، أي التلميذ المدعُوّ إلى مدرسة الصداقة الإلهيّة.
هناك أشياء كثيرة لا ينبغي للإنسان أن يخجل منها؛ ومن بينها، أن يتعلّم الصلاة؛ فالحياة تخفي في طيّاتها كنوزًا وإمكانياتٍ غيرَ متوقَّعة بسبب قلّة الانتباه. والإنسان "المشتّت" ليس إلا نصف إنسان، أمّا الإنسان "المتأمّل"، المتجذّر في أعماق ذاته، فهو صاحبُ رؤية شاملة للعالَم وللأشياء، وينفتح على مسلّمات وحقائقَ أُخرى مُضيئة تنير طريقه. عندئذٍ ينطبع شيءٌ جديد في أعماق كيانه: ولعلّه اليقين بأنّ الله هو خالق حياته.
إنّ حياة القدّيسة تريزا وكلِمَتها، تتجسّدان في التأمّل وتُعْرَفَانِ من خلاله؛ فهي قصّةٌ طويلة وعميقة عن الصلاة. ولا يُمكن فَهْم جوهرها دون التأمّل، وربّما لا يمكن فَهْم التأمّل ذاته بالكامل دون أن نتلمّس طريق تريزا فيه. فالتأمّل وتريزا يَدعُو كلّ منهما الآخر ويسيران معًا في طريقٍ واحد؛ ولذا، فإنّ دراسة الصلاة والتأمّل عند تريزا لا تقتصر على تسليط الضوء على جانبٍ واحد من كيانها فحَسْب، إنما هي في جوهرها لقاءٌ مباشر بشخصها الكامل. فهي تظهر في مسار التاريخ معلّمةً للتأمّل: فكينونتُها ورسالتها، وحياتها وكلِمَتها، لَيْسا سوى وجهَين لعملةٍ واحدة.
لم يَخْفَ هذا الارتباط الوثيق بين شخصيّتها والتأمّل عن أقرب المقرَّبين إليها، فقد أدرك كاتِب سيرتها، ريبيرا " Ribera"، هذه الحقيقة، حين بدأ في في تدوين سيرتها وفضائلها؛ فَجعل من التأمّل نقطة الانطلاق، مبرّرًا ذلك بقوله: إنّ التأمّل «كان كالرّيشة التي استخدمها الربّ؛ ليرسم بها هذه اللوحة البديعة، والوسيلة التي أفاض من خلالها عليها الخيرات العجيبة، والنعم التي كانت تمتلكها». أمّا غارسيا دي توليدو "Garcia de Toledo"، مستندًا إلى خبرته بصفته تلميذًا للقدّيسة تريزا، فقد كتب: إنّها «معلّمة للتأمّل، كما يُعلّم غيرها العلوم الأخرى».
وقد أكّد البابا بولس السادس، في عظته بمناسبة إعلان القدّيسة تريزا الأفِيليّة معلِّمة للكنيسة، مُعبّرًا عن تقليد الكنيسة وقناعة المؤمنين معًا، أنّها تحمل رسالة التأمّل بامتياز، وشرح معنى هذا الحدث قائلًا:
«لقد نالت تريزا امتيازًا واستحقاقًا فريدين؛ إذ عاشت أسرار الصلاة من خلال خبرةٍ شخصيّةٍ حيّة، متجسِّدة في قداسة حياةٍ كرّستها للتأمّل، وللعمل والرسالة في الوقت نفسه؛ في خبرةٍ روحيّة عاشتها معاناةً ونعمةً معًا، وأثمرت فيضًا من المواهب الروحيّة الاستثنائيّة. ولم تكتفِ تريزا بمعرفة هذه الأسرار، بل امتلكت أيضًا فنّ التعبير عنها، وشرحتها بوضوحٍ وعمقٍ، حتّى صارت من أبرز معلّمي الحياة الروحيّة على مرّ العصور. واليوم، وقد نالت لقب معلِّمة الكنيسة، أُوكِلَت إليها رسالةٌ أعمق وأشمل تؤدّيها في عائلتها الرهبانيّة، وفي الكنيسة المصلّية ، وفي العالَم أجمع، من خلال رسالةٍ دائمةٍ وحاضرة: رسالة الصلاة والتأمّل. إنّ هذه الرسالة تتوجّه إلينا -نحن أبناء الكنيسة- في زمن يتّسم بمحاوَلاتٍ جادّة ومتزايدة لتجديد الصلاة التأمّليّة. إنّها تنادينا وسط ضجيج العالَم الخارجي، وانشغالاته الكثيرة، والتزاماته المتلاحقة؛ لنُعيد النظر في أولويّاتنا، وأن نرفض الاستسلام أمام عناء هموم الحياة العصريّة، حتّى لا نخاطر بفقدان كنوز نفوسنا الحقيقيّة في سعينا وراء الكنوز الأرضيّة الزائلة والمغرية. وتُبلّغنا هذه الرسالة -نحن أبناء هذا العصر- في لحظةٍ حَرِجة، حيث نكاد نفقد، ليس الحوار والحديث مع الله فحَسْب، بل نكاد نفقد أيضًا الإحساس العميق بالحاجة إليه. وفي خضمّ هذا الفقر الروحيّ، يَصِلنا النداء الهادئ والعميق لصلاة القدّيسة تريزا الحكيمة، تلك الصلاة السامية والمتواضعة والسهلة في آنٍ معًا، التي تدعونا إلى أن نتأمّل الخير العظيم الذي يصنعه الله في النفس حين يهيّئها ويقودها، بشوقٍ ومحبّة، إلى ممارَسة الصلاة»[5]. فلا شكّ -إذن- أن يكون التأمّل موضوع رسالتها، وجوهرَ تعليمها، وسرّ حياتها كلّها[6].
وبالنظر إلى ثراء خبرة تريزا الاستثنائيّة في الصلاة، وبسُلطتها التعليمية الروحيّة، يمكننا أن نتساءل: إلى أيّ مدًى يمكن أن يفيدنا كلّ هذا في واقعنا المعاصر؟ وإلى أيّ حدّ يمكن لخبرة ليست خبرتنا، وتفصلنا عنها قرون من الزمن، وتنتمي إلى سياقٍ تاريخيّ وثقافيّ مختلف جذريًّا، أن تكون نافعة لنا؟
لا أسعى هنا إلى تقديم إجابات جاهزة أو مسبقة، فالقارئ نفسه مدعوّ إلى أن يكتشف هذه الإجابات بنفسه، بقدر ما يتعمق في قراءة هذه الكلمات، لكنّي أستطيع أن أشير مبدئيًّا إلى المعايير التي تقوم عليها قناعتي بضرورة إقامة حوار روحي عميق مع القدّيسة تريزا؛ لكي تبرز أهمية التأمّل لنا -نحن المسيحيين- في يومنا هذا.
إنّ القدّيسة تريزا ليست مجرّد معلّمة للتأمّل فحَسْب، بل شاهدة عاشت التأمّل ونقلت خبرته من عمق تجربتها الحيّة. لقد كتبَت عنه ودرّسته، غير أنّ الأهمّ في مسيرتها ليس تعليمها في حدّ ذاته، بل خبرتها التي تركت بصمةً متّقدة، ليس على الورق فحسب، بل في أعماق النفوس؛ فلقد اختبرت تريزا أوّلًا صعوبات الصلاة، والتأمّل في صمت، ومشقّة الثبات أمام الله. وهي صعوبات لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يواجهها إنسان اليوم من تشتّت، وارتباكٍ روحيّ، وضعف في العلاقة مع الله. حتّى إنّها اعترفت بأنّها بلغت حدّ الشعور بالخجل: خجل منِ ضعفها في الصلاة، ومن المثول أمام الله بهذا الضعف.
ثمّ تأتي النار المشتعلة أي خبرة لقاء الله، إنّه الدخول في رحاب حضوره الإلهيّ، كما يروي الكتاب المقدّس عن موسى، وإيليّا، وبولس، وبطرس. غير أنّ خبرة تريزا هذه ليست هروبًا من الواقع، ولا اغترابًا عن الحياة اليوميّة، بل إنّ تأمّلها الموجَّه إلى الله يجعلها على العكس أكثر قربًا من الناس، وأشدّ حضورًا في وسطهم. كما يجعلها قادرة على الصلاة حتّى في خضمّ عملها ووسط ضجيج الحياة: على عربات السفر أثناء أسفارها، وبعد حديثها مع سائقي القوافل، وحين تتألّم من المحن التي تعصف بالكنيسة، أو حين تشعر بوطأة الحروب، حتّى لتتمنّى الموت من شدّة الألم.
وليس التأمّل عند تريزا محصورًا في الصمت؛ بل ينبع من كلّ ما يلامس قلبها. "فَالمراعي، والمياه، والزهور …" كلّها تشعل في نفسها مشاعر التأمّل، تمامًا كصورة المسيح وهو يتحدّث مع السامريّة، أو ككلمةٍ من الإنجيل، أو كأطلال كنيسة قديمة، بل إنّ الإنسان نفسه، بما يحمله من نقصٍ وبحثٍ، يصبح محرّكًا لتأملها. فحين تلتقي بصديقٍ، لم يكتمل بعدُ إيمانه ولا انسجامه الكامل كمسيحيّ حقيقي، فتهمس في قلبها: «يا ربّ، انظر، فإنّ هذا الشخصَ يصلُحُ لأن يكون صديقًا لنا»[7].
التأمّل عطية، إنّها الكلمة الأولى التي ينبغي أن ننطق بها عند البدء في دراسته ومحاوَلة فهمه. فبهذه الكلمة يتّضح مَصدره وأصله الإلهيّ. إنّ المسيحيّ لا يكتسب التأمّل بقوّته الذاتيّة، بل يغتني به كنعمةٍ إلهيّة. وأمّا بلوغ "العلاقة مع الله" فليس نتيجة جهدٍ بشريّ ولا ثمرة مسعًى ذاتيّ يبادر إليه الإنسان بمفرده، إنما هو نموّ في العطيّة ذاتها، ونموّ في النعمة التي تُمكّن الإنسان من أن «يُقيم حوارًا مع الله»[8]. إنّ كلّ صلاة مسيحيّة هي -في جوهرها- عطيّة؛ غير أنّ هذه الحقيقة تتجلّى بوضوحٍ خاصّ، وبقوّةٍ لافتة في شخصيّة تريزا، تلك المتأمِّلة الاستثنائيّة، الموهوبة على نحوٍ فريد بكاريزما التأمّل.
ونتابع في الجزء الثاني من هذه السلسلة مسيرة التأمّل في خبرة القدّيسة تريزا
[1] - هذا المقال مقتبس من كتاب: الصلاة: قصّة صداقة – لاهوت التأمّل في تعليم القدّيسة تريزا الأفِيليّة، تأليف الأب/ جوزيف عبد الملاك الكرملي، رهبنة الكرمل، مصر، 2026.
[2] السيرة 8 :6.
[3] طريق الكمال 4:5.
[4] السيرة 22:7.
[5] PROCLAMAZIONE DI SANTA TERESA D'AVILA DOTTORE DELLA CHIESA OMELIA DEL SANTO PADRE PAOLO VI Domenica, 27 settembre 1970
[6] يكفي أن نتذكّر مقدّمات أعمالها؛ لنلمس بوضوح هذه الحقيقة. ففي "كتاب السيرة" تبدأ تريزا كلامها قائلةً: «لقد أُمِرْتُ أن أكتب عن طريقتي في التأمّل والنعم التي أنعم بها الله عليّ...»؛ ويتكرّر هذا التأكيد نفسه في "طريق الكمال" إذ أعطاها الأب بانييث "Báñez" الإذن بالكتابة، وألحّت عليها راهباتها إلحاحًا شديدًا؛ كي تكتب بعض الأمور المتعلّقة بموضوع التأمّل؛ أمّا "المنازل" فهو أيضًا استجابة لأمر بكتابة "بعض الأمور المتعلّقة بالتأمّل"، ولكن هذه المرّة بدافع رعاية أخواتها في الكرمل، اللواتي "يَحتجْنَ إلى بعض التوضيح بشأن بعض الشكوك حول التأمّل".
[7] السيرة 34:8
[8] المنازل الأولى 1 :6