موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ٢٥ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
وحدة الكنيسة: وحدة في التعدّديّة وتعدّديّة في الوحدة
يندرج هذا المقال ضمن كتاب الأب جوزيف عبد الملاك، نؤمن بكنيسةٍ واحدة مقدّسة جامعة رسوليّة: دراسة كتابيّة آبائيّة لاهوتيّة مسكونيّة، الصادر عن دار الأكويني، القاهرة، 2026.

الأب جوزيف الكرملي :

 

لا ينبغي أن تُفهم وحدةُ الكنيسة بوصفها تطابُقًا أو تماثلًا؛ فمنذ نشأتها شهدت الكنيسة تنوّعًا غنيًّا وتعدّدًا واسعًا في الأشكال والتعبيرات. ويشهد على هذا الواقع العلاقة بين العهدين القديم والجديد، إضافةً إلى تعدّد صِيَغ الأناجيل الأربعة التي تعلن جميعها الإله الواحد والابن الوحيد يسوع المسيح في الروح الواحد. وفي هذا السياق، يشير الكاردينال كاسبر إلى أن: «التقليدين الإزائيّ واليوحنّاويّ، ويُضاف إليهما العديد من الكتابات الأخرى، لاسيّما كتابات القدّيس بولس، التي تكشف بدورها تنوّعًا ملحوظًا. فعلى سبيل المثال: يمكن ملاحظة الفروقات والاختلافات بين الرسائل البولسيّة الأولى وتلك التي كُتبتْ في فترةٍ لاحقة (أفسس وكولوسي)، وكذلك بين الرسائل الرعويّة والرسالة إلى العبرانيّين. إنّ هذه التعدّديّة المليئة بالتوتّرات والاختلافات، التي يُعلن من خلالها الإنجيل الواحد، قد ظهرتْ بالفعل منذ بداية الكنيسة: في الصراع والاختلاف بين اليهود واليونانيّين (أعمال6: 1)، وبين المسيحيّن من أصلٍ يهوديّ والمسيحيّين من أصلٍ وثنيّ (أعمال10؛ 15)، وكذلك في المواقف والرؤى المختلفة بين بطرس وبولس ويعقوب (غل 2) بل وحتى بين بطرس ويوحنّا (يو 20: 1-10)». ومع ذلك لم تفقد هذه التعدّديّة وحدة الإنجيل، بل على العكس، برهنتْ على أنّ الإنجيل في شموليّته يمتلك القدرة على استيعاب التنوّع والتعدّديّة دون أن يفقد هويّته. وبذلك، أصبحت الشركة الكنسيّة وحدةً تُبنى على تنوّع الأعضاء، من دون المساس بجوهر الحقائق العقيديّة أو التشكيك في وحدة الكنيسة ذاتها.

 

يجب التمييز بوضوحٍ بين التنوّع والتعدّديّة المشروعة، التي تُعدّ ضروريّة وأساسيّة في الكنيسة، وبين الكثرة والتعدّديّة التي لا حدود لها؛ أي تعدّديّة وكثرة ذات مواقف غير مترابطة ومختلفة، بل ومتناقضة. في هذه الحالة لا يعود الأمر متعلّقًا بما هو واحد ومشترك في أوجهٍ متنوّعة، بل بمتناقضاتٍ يصعب، بل قد يتعذّر، التوفيقُ بينها. في الكنيسة، يمكن أن توجد تعدّديّة وتنوّع إزاء الإنجيل الواحد والحقيقة الواحدة للخلاص، وهي حقائق في غناها وملئها لا يمكن اختزالها في مفهومٍ واحد أو التعبير عنها بصيغةٍ واحدة فقط. يستبعد هذا التنوّع أيّ روح تفرقة أو انقسام. كما يؤكّد الكتاب المقدّس: «أَتُرى المسيحُ انقَسَم؟» (1 قور 1: 13). لذلك يجب على كلّ فرد، «على قدر ما وُهِبَ [له] من نعمة» (1 قور 3: 10)، أن يعمل من أجل بناء جسد المسيح الواحد، الذي يتألّف من أعضاء كثيرةٍ ومتنوّعة، وأن يدرك بعمقٍ مكانته كونه جزءًا من الكلّ (را. 1 قور 12: 12). إنّ سرّ الحياة الحقيقيّة يكمن في التفاعل والتداخل المتبادل بين ما هو متنوّع ومتعدّد، بحيث يُشكّل وحدةً متماسكة وشركةً حقيقيّة.

 

هذا هو المعنى العميق والأصليّ للمصطلح الكتابيّ "شركة": المشاركة في النعم الخلاصيّة التي يمنحها اﷲ: التي تشمل المشاركة في الروح القدس الواحد، والإنجيل الواحد، وفي الحياة الجديدة والمحبّة والمعموديّة الواحدة، وخاصّةً في الإفخارستيّا الواحدة. إنّ وحدة الكنيسة تجسّد وحدة الشركة، التي تفترض بالضرورة وحدةً في الحقيقة الواحدة، والحياة الواحدة، والمحبّة الواحدة، التي يمنحها اﷲ بيسوع المسيح والروح القدس من خلال الكلمة والأسرار.

 

يوجد في اﷲ ذاته تعبيرٌ واضح عن الوحدة في التعدّديّة والتعدّديّة في الوحدة. فاﷲ واحد، ويتحقّق وجوده في ثالوث الأقانيم الإلهيّة، التي تتمايز فيما بينها، لكنّها مرتبطة بالطبيعة الإلهيّة الواحدة. إنّ الوحدة الثالوثيّة، كما تعبّر عنها الكنيسة، تقوم على العلاقة الجدليّة بين الوحدة والتعدّديّة. وفي هذا السياق يُقال: "كلّ شيء واحدٌ، وكلّ شيءٍ مختلف". يقول بليز باسكال، إنّ «التعدّديّة التي لا تندمج في وحدة هي فوضى؛ أمّا الوحدة التي لا تقوم على التعدّديّة هي استبداد» وانطلاقًا من هذا التصوّر، يكتب كاسبر: «هكذا تكون الكنيسة، في وحدة الشركة، بمثابة سرّ، أي علامة وأداة للوحدة والسلام والمصالحة في العالم. ففي الكنيسة ومن خلالها، يجب أن يتّضح نموذجٌ إسكاتولوجيّ معلنٌ مسبّقًا، يزول فيه كلّ تمييز بين العِرق، والطبقة، والثقافة، والجنس؛ أي أن تفقد أشكال الانقسامات فاعليّتها، من دون أن تتلاشى فرادة الكنائس وتعدّديّتها». ولذلك، ينبغي أن تتحوّل التناقضات والاختلافات العقيمة والمُميتة إلى علاقات وتوجّهاتٍ مثمرة، كما هو الحال في كلّ حياةٍ حقيقيّة.

 

كما رأينا، إذا كانت وحدة الكنيسة لا يمكن فهمها إلّا في ضوء التعدّديّة، فإنّ هذه التعدّديّة هي نفسها التي يمكن أن تفسّر وتبرّر غنى التقليد الكتابيّ وتضفي الشرعيّة على الاختلافات بين الكنائس. يؤكّد البابا يوحنّا بولس الثاني، أنّ الوحدة لا تعوق التنوّع، كما أنّ التنوّع لا يمنع الوحدة، بل على العكس يُغنيها ويُعزّزها (المقابلة العامّة، 27 نوفمبر، 1989). ففي وثيقة "مفهوم الشركة Communionis Notio" الفقرة 15، نقرأ ما يلي: «إنّ شموليّة الكنيسة، من جهةٍ، تستلزم الوحدة الأكثر جدّيّة، ومن جهةٍ أخرى، تتّسم بتعدّديّة وتنوّع لا يُعيقان هذه الوحدة، بل يضفيان عليها طابع الشركة. هذه التعدّديّة تشمل تنوّع الخدمات والمواهب وأشكال الحياة والرسالة داخل كلّ كنيسة محلّيّة، وإلى تعدّد التقاليد الليتورجيّة والثقافيّة بين الكنائس المحلّيّة المختلفة». بهذا المعنى يقول كاسبر: «كما أنّ الاعتراف بالثالوث يمثّل الشكل الحقيقيّ للتوحيد في الإيمان المسيحيّ [...] فالكنيسة، من حيث إنّها شركة، فهي أيقونة الثالوث.  إنّ مبدأ "الوحدة في التعدّديّة والتعدّديّة في الوحدة" يعبّر بصورةٍ أدقّ عن حقيقة اﷲ الواحد والثالوث، مقارنة بالنموذج الأحاديّ للوحدة».

 

وقد ركّز المجمع الڤاتيكانيّ الثاني على وحدة شعب اﷲ الجديد الذي يتّحد بروابط ثقافيّة واجتماعيّة متجسّدة في هويّة قوانين الإيمان والطقوس ونظام السلطة، إضافةً إلى القيم الإنجيليّة مثل المحبّة والحقيقة والحرّيّة والرجاء، وغيرها. يقول المجمع: «فإنّ الذين يؤمِنون بالمسيح، أُقيموا أخيرًا «ذريّةً مختارة، كهنوتًا ملوكيًّا، أمّةً مقدّسة، شعبًا مقتنى [...] لم يكونوا من قبل شعبًا فصاروا اليوم شعب اﷲ» (نور الأمم، فقرة 9). كما يعترف المجمع أيضًا بتعدّديّة العناصر الثقافيّة للمؤمنين المنتمين إلى شعب اﷲ الجديد. ويُبيّن القرار المجمعيّ في الحركة المسكونيّة: «إنّ كنائس الشرق اتبّعتْ، منذ البدء أنظمةً خاصّة اقرّها الآباء القدّيسون والمجامع المختلفة، حتّى المسكونيّة منها. ولا يتعارض البتّة مع وحدة الكنيسة أن يكون فيها تنوّع في المناهج والعادات، كما أٍشير إليه آنفًا، ولكنّ تنوّعًا كهذا يزيد في جمالها، وهو عونٌ نفيس لها من أجل تحقيق رسالتها. لذلك يعلن المجمع، تبديدًا لكلّ شكّ ممكن، إنّ كنائس الشرق، وهي تعي ضرورة وحدة الكنيسة كلّها، لها سلطان أن تحكم نفسها حسب أنظمتها الخاصّة بها، إذ إنها تنطبق كلّيًّا على طبيعة مؤمنيها، وهي أكثر ملاءمة في تعزيز خير النفوس» (استعادة الوحدة، فقرة 16).

 

التعدُّديّة في التعبير عن العناصر الثقافيّة الأساسيّة لشعب اﷲ الجديد تنبع من البُعد الثقافيّ للكنيسة ذاتها، الذي يتميّز بالانفتاح على جامعيّتها (كاثوليكيّتها) بمعنى الشمول والكلّيّة، ومن ثمّ على التعدّديّة المشروعة داخلَ وحدة الكنيسة الجامعة. فهذه التعدّديّة لا تعني تشتّتًا أو انقسامًا، بل تعبّر عن غنى التنوّع الذي تهذّبه المعاييرُ الإيمانيّة، ويعكسُ ثراءَ الخبرة الإنسانيّة في التعبير عن الإيمان الواحد من دون أن تزلّ إلى نسبيّةٍ ولا إلى توحيديّةٍ مفرطة. ومن هنا، تصبح الكنيسة، بما تمتلكه من تقاليد وطقوس وثقافات مختلفة، مرآةً حيّة تعكس وحدةً متناغمة، تصونها الشركة الكنسية، كما تُظهر وحدةَ الجوهر الإلهيّ وتمييزَ الأقانيم مثالًا أعلى للوحدة في التنوّع. ولذلك تُعدّ التعدّديّةُ الثقافيّة ثمرةَ "الانْثِقاف"، أي تجسّدَ الإنجيل في قلب الثقافات مع تنقيتِها وارتقائِها، وعنصرًا أساسيًّا لتعزيز رسالة الكنيسة في عالم اليوم وبناءِ الشركة الحقيقية بين المؤمنين، وفقَ ضوابطَ واضحةٍ: أمانةٍ لوديعة الإيمان، وتمييزٍ راعويٍّ ناضج يحذر من التوفيقيّة التي تُفرّغ الإيمان من محتواه، كما يحذر من فرض نمطٍ خصوصيّات الشعوب ويُفقِد الكنيسة غناها الكاثوليكيّ.

 

وحدة الكنيسة الحقيقيّة هي شركةٌ تتّسع لتنوّع الأشكال والتقاليد والمواهب من دون أن تتحوّل إلى فوضى، لأنّ الروح القدس يجمع هذا التنوّع ويعيده إلى وحدةٍ متناغمة تشبه "سيمفونية محبّة". فالتعدّد في العبادة واللاهوت والخدمات هو غنى ضروريّ لاحتضان شعوبٍ وثقافاتٍ مختلفة، شرط ألّا يتحوّل إلى اختلافاتٍ متناقضة تُضعف الهويّة المشتركة وتهدّد وحدة الجسد الواحد. وقد عبّر البابا فرنسيس عن ذلك بقوله إنّ «الروح القدس هو الذي يوقظ بشكلٍ خلّاق تنوّع المواهب وهو الذي ينسّق ويعيد هذا التنوّع إلى الوحدة، وحدة حقيقيّة، لأنّها ليست وحدةً تنظيميّة أي الوحدويّة، لأنّ الوحدة الحقيقيّة لا تقوم على التشابه، حيث تتلاشى فرادة الأشخاص المختلفة، بل هي سيمفونيّة محبّة تتألّف من أصواتٍ عدّة مختلفة».

 

المراجع:

W. Kasper, «La Chiesa come sacramento di unità», Communio 91 (1987), 13.

W. Kasper, Kasper, W., «La Chiesa come sacramento di unità», Communio 91 (1987),14-16.

Congregazione per la Dottrina della Fede, Lettera Communionis Notio.

W. Kasper, La Chiesa di Gesù Cristo: scritti di ecclesiologia, Queriniana, Brescia 2011, 373.

Francesco, Discorso alla Delegazione del Patriarcato Ecumenico di Costantinopoli, del 28 giugno 2019.