موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بعد مقالي السابق بعنوان «بين روما القديمة وروما الجديدة»، وما أوردتُ فيه من شهادات لآباء الكنيسة الشرقيين والغربيين حول مكانة كرسي روما، حيث يرقد الرسولان القديسان بطرس وبولس، طلب مني بعض الأصدقاء الأعزاء التوسع في هذا الموضوع، الذي قد يكون جديدًا على بعضهم، والذي لا يُثار كثيرًا، مع الأسف، في كنائسنا، رغم أنه من أساسيات الإيمان الكاثوليكي وتعليم الكنيسة. وهو غائب عن كثير من مواقعنا ومنابرنا، لا لأنه موضوع صعب، بل لأنه قد يثير حساسية في الحوار مع بعض إخوتنا غير الكاثوليك.
أما نحن أبناء الكنيسة الكاثوليكية، فمن واجبنا أن نتعمق في فهم إيماننا وشرحه، لنترسخ فيه ونكون مستعدين للدفاع عنه عند الحاجة، كما يوصينا القديس بطرس الرسول قائلاً: «كونوا دائمًا مستعدين لأن تردوا على من يطلب منكم دليل الرجاء الذي فيكم، ولكن ليكن ذلك بوداعة ووقار» (1 بط 3: 15). وأضع هذا التحليل الشخصي بين يدي قارئي العزيز، دون الحكم على أحد، تاركًا لك حرية البحث والتفكير.
للتأسيس لموضوعنا، دعونا نبدأ بسلسلة من الأسئلة البسيطة في الكتاب المقدس:
1. مَن أول تلميذ اعترف بيسوع المسيح ابنًا لله الحي؟ بطرس (متى 16: 16).
2. مَن التلميذ الوحيد الذي غيّر يسوع اسمه ومنحه اسمًا جديدًا ذا دلالة خاصة؟ بطرس (متى 16: 18).
3. لأي تلميذ قال يسوع وحده إنه الصخر الذي سيبني عليه كنيسته؟ لبطرس (متى 16: 18).
4. لأي تلميذ وحده أعطى يسوع مفاتيح ملكوت السماوات وسلطة الحل والربط؟ لبطرس (متى 16: 19).
5. مَن التلميذ الوحيد الذي سأله يسوع: «أتحبني أكثر من هؤلاء؟» (أي التلاميذ). لبطرس (يوحنا 21: 15).
6. لمَن، حصرًا من التلاميذ، قال يسوع: «ارعَ خرافي»؟ لبطرس (يوحنا 21: 16-17).
7. لمَن من التلاميذ صلى يسوع وطلب منه أن يثبّت إخوته (أي التلاميذ)؟ لبطرس (لوقا 22: 32).
8. مَن التلميذ الذي احتل اسمه المكانة الأولى دائمًا في لوائح أسماء الرسل؟ بطرس (متى 10: 2؛ أعمال 1: 13).
9. مَن التلميذ الذي يُذكر أولًا بين الثلاثة المفضلين؟ بطرس (متى 17: 1).
10. مَن هو التلميذ الذي زاره يسوع في بيته؟ بطرس (مرقس 1: 29).
11. قارب مَن استعمل يسوع ليبشر منه؟ بطرس (لوقا 5: 3).
12. لمَن قال يسوع إنه سيجعله صيادًا للبشر؟ لبطرس (لوقا 5: 10). وفي متى 4: 18 قال ذلك لبطرس وأندراوس معًا، لكن يُذكر اسم بطرس أولًا.
13. مَن هو التلميذ الذي كان غالبًا ما يتكلم باسم الرسل؟ بطرس (متى 16: 16؛ 17: 4؛ يوحنا 6: 68).
14. مَن التلميذ الوحيد الذي مشى على الماء؟ بطرس (متى 14: 22-33).
15. مَن التلميذ الوحيد الذي قال ليسوع: «يا رب، إلى مَن نذهب؟ وكلام الحياة الأبدية عندك. ونحن آمنا وعرفنا أنك قدوس الله»؟ بطرس (يوحنا 6: 68).
16. في رسالته الموجهة إلى النساء عند القبر الفارغ، أيُّ التلاميذ خصّه الملاك بالذكر حين طلب منهن أن يذهبن إلى التلاميذ ليعلنَّ القيامة؟ بطرس (مرقس 16: 7).
17. مَن كان أول من دخل القبر الفارغ؟ بطرس (يوحنا 20: 1-10).
18. لمَن تراءى يسوع أولًا على نحو خاص بعد القيامة، قبل ظهوره للأحد عشر جميعًا؟ لبطرس (لوقا 24: 34؛ 1 كورنثوس 15: 5).
19. مَن هو التلميذ الذي رمى نفسه في البحر سابحًا نحو يسوع بعد القيامة؟ بطرس (يوحنا 21: 7).
20. إلى مَن من الرسل توجّه القديس بولس أولًا بعد اهتدائه؟ إلى بطرس (غلاطية 1: 18).
21. أيُّ رسول وجّه إليه بولس توبيخًا علنيًا في أنطاكية، بصفته قائد الكنيسة؟ بطرس (غلاطية 2: 11-14).
22. مَن ألقى أول عظة من بين التلاميذ؟ بطرس في العلية (أعمال 1: 15).
23. مَن هو التلميذ الذي أشرف على انتخاب متيّا خلفًا ليهوذا؟ بطرس (أعمال 1: 15).
24. مَن هو التلميذ الذي حكم على حنان وصفيرة؟ بطرس (أعمال 5: 1-11).
25. مَن أول مَن دعا اليهود، وبشّرهم بالقيامة والعنصرة، ودعاهم إلى المعمودية؟ بطرس (أعمال 2: 14-41).
26. عندما أراد المسيح أن يقبل الأمم في المعمودية، إلى مَن وحده أرسل الرؤيا السماوية؟ إلى بطرس (أعمال 10: 1؛ 11: 18).
27. مَن هو التلميذ الذي كان يفتقد المؤمنين والجماعات المسيحية، ويشفي مرضاها، ويقيم موتاها؟ بطرس (أعمال 9: 32؛ 3: 1-10؛ 9: 36-42).
28. مَن ألقى الكلمة الأولى في أول مجمع في حياة الكنيسة (مجمع أورشليم)؟ بطرس (أعمال 15: 7).
29. كم مرة ورد اسم القديس بطرس، أو سمعان، أو صفا (الصخر)... إلخ، في العهد الجديد؟ 162 مرة، يليه يوحنا الذي ورد اسمه 35 مرة.
هل فهمتَ، عزيزي القارئ المؤمن، بعد كل هذه الشواهد الكتابية، أهمية بطرس؟!
يعتبر الكتاب المقدس والتقليد الرسولي أن المسيح هو رأس الكنيسة ومخلّصها، وأنه هو الذي خصَّ القديس بطرس بهذه المنزلة الفريدة دون سواه. نعم، أعطى المسيح التلاميذ جميعًا الروح القدس ليبشروا ويعمّدوا ويمارسوا الأسرار المقدسة، ولكنه أوكل إلى بطرس، بصورة خاصة، مهمة تثبيت إخوته ورعاية كنيسته، كما يظهر في نصوص الإنجيل (لو 22: 32؛ يو 21: 15-17).
واختاره يسوع دون سواه، لا لأنه أكبر الرسل أو أقواهم أو أشجعهم، بل رغم اندفاعه، وسقوطه في الإنكار، عرف بطرس طريق التوبة والعودة إلى الرب. وكما قال الرب يسوع: «مَن غُفر له كثيرًا أحب كثيرًا». لقد عَلِمَ يسوع مسبقًا القوة الكامنة في قلب بطرس، فأوكل إليه هذه المهمة الفريدة دون سواه، كما عَلِمَ أيضًا أنه سينكره ثلاث مرات قبل صياح الديك.
الرؤية الأرثوذكسية لكرسي بطرس
اعترفت الكنيسة الأرثوذكسية دائمًا بمكانة كرسي روما وأولوية القديس بطرس، ولكن بعد الانشقاق سنة 1054 اجتهدت في إعادة تفسير الآيات التي أوردناها سابقًا، بما ينسجم مع موقفها من الانفصال، الذي بيّنا في المقال السابق أنه كان مدفوعًا، في جوهره، بأسباب سياسية أكثر منها دينية.
وترى أن جميع الأساقفة هم خلفاء الرسل، وأن كلام يسوع عن السلطة والرعاية، وإن كان موجَّهًا إلى بطرس، فإنه يشمل أيضًا سائر الرسل، مستندةً إلى ما جاء في رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس: «بُنيتم على أساس الرسل والأنبياء» (أف 2: 20).
وبناءً على ذلك، ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن لأسقف روما أولوية شرف وكرامة، لا أولوية سلطة ورعاية على الكنيسة الجامعة، ولذلك يُوصف بأنه الأول بين متساوين (Primus inter pares). وبحسب هذا الفهم، يُعد كل أسقف خليفةً للرسل في كنيسته المحلية، ويتمتع باستقلال إداري عن سائر الأبرشيات.
ونتيجة لذلك، لا يوجد في الكنيسة الأرثوذكسية رأسٌ يتمتع بسلطة جامعة على جميع الكنائس الأرثوذكسية، بل يُعد بطريرك القسطنطينية المسكوني صاحب أولوية شرف بين البطاركة، من دون سلطة قضائية على الكنائس الأخرى، كما أن بعض الكنائس الأرثوذكسية لا تعترف له بدور يتجاوز هذا الإطار.
ولأن الدعوة إلى عقد المجمع المسكوني، بحسب الفهم الكاثوليكي، ترتبط بسلطة أسقف روما، فإن الكنائس الأرثوذكسية لم تعقد، منذ الانشقاق الكبير وحتى اليوم، مجمعًا مسكونيًا تعترف به جميع الكنائس الأرثوذكسية، وإنما عقدت عددًا من المجامع التي بقي الاعتراف بها متفاوتًا بين الكنائس المختلفة.
الرؤية البروتستانتية لكرسي بطرس
أما الحركة البروتستانتية، التي انطلقت مع مارتن لوثر سنة 1517، فقد ذهبت أبعد من ذلك بكثير، إذ رفضت ليس فقط أولوية كرسي بطرس، بل حتى أولوية الشرف المرتبطة به أو بأيٍّ من الرسل، واعتبرت أن دوره يقتصر على أهميته التاريخية، بوصفه أحد أبرز الرسل الذين استخدمهم الله في تأسيس الكنيسة الأولى.
وبحسب المبدأ البروتستانتي المعروف بـSola Scriptura («الكتاب المقدس وحده»)، تُعدّ الأسفار المقدسة المرجع الوحيد للإيمان، ويرى كثير من المفسرين البروتستانت أن «الصخرة» التي يتحدث عنها يسوع في متى 16 ليست شخص بطرس، بل إيمانه أو اعترافه بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي، وهو الإيمان الذي يدعو المسيح جميع المؤمنين إلى اعتناقه.
وقد أدى هذا الفهم، من المنظور الكاثوليكي، إلى تفسيرات وممارسات ابتعدت عن تقليد الكنيسة الرسولي، ومنها رفض عدد من الأسرار المقدسة، ولا سيما سر الكهنوت، والاستعاضة عن الكاهن بألقاب مثل «الراعي» أو «القسيس».
ومع مرور الزمن، انقسمت الحركة البروتستانتية إلى آلاف الجماعات والطوائف المختلفة في عقائدها وتنظيمها الكنسي، حتى إن بعضها تبنّى مواقف لم تكن معروفة في التقليد المسيحي، مثل رسامة النساء، وفي بعض الحالات رسامة أشخاص مثليي التوجه الجنسي، في ظل غياب سلطة كنسية جامعة تُلزم جميع هذه الجماعات بعقيدة أو نظام واحد.
الرؤية الكاثوليكية لكرسي بطرس
شددت الكنيسة الجامعة (أي الكنيسة الكاثوليكية) مرارًا على أصالة دور القديس بطرس ورسالته في حياة الكنيسة، ولا سيما في مجمع القسطنطينية الأول سنة 381، والمجمع الفاتيكاني الأول سنة 1870، ووثيقة صادرة عن مجمع عقيدة الإيمان عام 1998 بعنوان Considerationes de Primatu Successoris Petri in Mysterio Ecclesiae.
وأكدت هذه الوثائق جميعها أن الدور الخاص الذي أُوكل إلى القديس بطرس هو رسالة عهد بها إليه المسيح من أجل وحدة الكنيسة وقيادتها، وليس مجرد امتياز شرفي أو إداري. كما شددت على أنه، رغم تساوي الرسل جميعًا في الكرامة الرسولية، فإن بطرس يتقدمهم في المسؤولية والخدمة بحسب إرادة المسيح.
ومن هذا المنطلق، ترى الكنيسة الكاثوليكية أن أي تأويل يخالف المعنى الواضح لكلام السيد المسيح ومقصده، يُعد ابتعادًا عن الفهم الذي حفظته الكنيسة عبر التقليد الرسولي، وعبّرت عنه باستمرار في تعليمها وتفسيرها للنصوص الكتابية.
وإذا كان المسيح قد قصد أن تكون هذه السلطة مشتركة بين جميع الرسل على النحو نفسه، فلماذا خصَّ القديس بطرس وحده بالحديث عن الصخرة، ومفاتيح ملكوت السماوات، وتثبيت الإخوة، ورعاية القطيع؟ ولماذا لم يوجِّه هذا التكليف، وبالصيغة نفسها، إلى بقية الرسل، كما فعل في وصاياه العامة لهم عند العشاء الأخير، أو بعد القيامة، أو قبل الصعود؟
وانطلاقًا من ذلك، ينبغي أن يكون تفسير النصوص الكتابية منسجمًا مع الإيمان الذي عاشته الكنيسة وسلّمه الرسل منذ بدايتها؛ فالكنيسة لا تقرأ الكتاب المقدس بمعزل عن التقليد الرسولي، بل في ضوئه، لأنه الإطار الحي الذي حُفظت فيه هذه النصوص وفُهمت عبر القرون.
بين ضعف البشر وأمانة الكنيسة
وعلى مرّ التاريخ، لم يكن جميع البابوات قديسين، كما لم يكن جميع المكرسين في الكنيسة، من بطاركة وأساقفة وكهنة ورهبان وراهبات، بلا ضعف أو خطيئة. بل إن الرسل الاثني عشر أنفسهم لم يكونوا معصومين من الضعف، فجميعنا خطأة ونحتاج إلى نعمة الرب. فالكنيسة تحمل وجهين متلازمين: وجهًا بشريًا ضعيفًا يحتاج دائمًا إلى التوبة والتجدد، ووجهًا إلهيًا يحفظه الروح القدس، استنادًا إلى وعد المسيح بأن «أبواب الجحيم لن تقوى عليها».
ورغم الأخطاء التاريخية التي ارتكبها بعض البابوات، ولا سيما في الشؤون الزمنية أو السياسية، تؤمن الكنيسة بأن الروح القدس يحفظها أمينة للإيمان الرسولي، وأن تعليمها الرسمي في قضايا الإيمان والأخلاق يبقى، وفق العقيدة الكاثوليكية، محفوظًا من الخطأ عندما تتحقق الشروط التي حددها تعليم الكنيسة.
وهذا لا ينتقص من الكنيسة، بل يكشف أن قوتها لا تقوم على كمال البشر الذين يخدمونها، بل على المسيح، رأس الكنيسة وربها، الذي يقودها عبر التاريخ. فكما اختار الرب بطرس رغم ضعفه، يواصل عمله من خلال بشر يحتاجون دائمًا إلى نعمته. وبطرس نفسه لا يُفهم إلا متحدًا مع إخوته الرسل، يشهد معهم للمحبة والوحدة أمام العالم، وكذلك خليفته، الذي أوكلت إليه خدمة تثبيت إخوته وحفظ الشركة في الكنيسة الجامعة.
وهذا لا يُنقص من الكنيسة، بل يكشف أن قوتها ليست في كمال البشر الذين يخدمونها، بل في المسيح الكامل الأوحد الذي يقودها. فكما اختار الرب بطرس رغم ضعفه، يواصل عمله من خلال بشر يحتاجون دائمًا إلى نعمته. وبطرس بدوره لا يُمكن له أن يكون سوى متحدًا مع باقي أخوته ليشهدوا شهادة المحبة والوَحدة أمام العالم أجمع وكذلك خليفته الذي يجب أن يجمع اخوته ويحفظهم.
صلاة
يا رب، قوِّ إيماننا وثبِّته، وردَّ أبناءك البعيدين إلى ملء وحدتك، لكي نشهد لك شهادةً صادقة، ويعرف العالم أننا تلاميذك، متى أحب بعضنا بعضًا، وكنا واحدًا كما أردتَ. آمين.
أيها القديس بطرس صلِّ لأجلنا.