موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عندما احتفلت الأخت آنا ماريا للقلب الأقدس بعيد ميلادها السادس بعد المئة في آذار الماضي، وجّهت رسالة بسيطة قالت فيها: «عندما يريد الله شيئًا، يتحقق دائمًا. لذلك يجب أن يكون لدينا ثقة كبيرة، وإيمان راسخ، ورجاء كبير، وصبر عظيم». ولم يكن أحد يعلم أن تلك ستكون من آخر الشهادات التي تتركها قبل رحيلها في التاسع من تموز عن عمر ناهز 106 أعوام، بعدما عاشت واحدة من أكثر الدعوات الرهبانية تميّزًا في إيطاليا.
وكانت الأخت آنا ماريا للقلب الأقدس، واسمها المدني آنا بيرفومو، تُعد على الأرجح أكبر راهبة سنًا في إيطاليا. لكنها لم تدخل الحياة الرهبانية في شبابها، رغم أنها شعرت بدعوتها منذ طفولتها، إذ حالت مسؤولياتها العائلية وخدمتها للآخرين دون تحقيق حلمها سنوات طويلة.
فبعد تخرّجها عملت معلمة ومربية للأطفال، ثم كرّست ثلاثين عامًا من حياتها لخدمة كاهن مريض في مدينة ريفارولو قرب جنوى، معتبرة أن الله يدعوها في تلك المرحلة إلى خدمة المحتاجين قبل أن يحقق دعوتها الأولى.
وعندما توفي الكاهن، وكانت قد بلغت السبعين من عمرها، خشيت ألا يقبلها أي دير بسبب تقدمها في السن، لكنها وجدت أبواب راهبات الساجدات للقربان الأقدس مفتوحة أمامها، لتبدأ أخيرًا الحياة التأملية التي انتظرتها طوال حياتها. وبعد سنوات انتقلت إلى دير الرهبنة في سيرينيو قرب ميلانو، حيث عاشت حتى وفاتها.
ورغم تقدمها الكبير في السن، واصلت المشاركة اليومية في السجود الإفخارستي، وساعدت في مستوصف الدير على رعاية الراهبات المسنات والمريضات، وكانت تردد: «أفعل ذلك بدافع حبي ليسوع، الذي يطلب مني باستمرار أن أحب القريب».
كما عُرفت في السنوات الأخيرة من حياتها من خلال سلسلة فيديوهات حققت انتشارًا واسعًا، روت فيها قصة دعوتها، وقدّمت تأملات روحية حول الإنجيل، مؤكدة أن انتظارها الطويل لم يكن عبثًا، بل جزءًا من مشيئة الله. وفي إحدى رسائلها الأخيرة، قالت: «كان جدي يقول لنا دائمًا إن الوفاء هو ما يُبقي شباب القلب... الحب يُبقي القلب شابًا»، وهي كلمات بدت وكأنها تختصر حياتها كلها.
ورحلت الأخت آنا ماريا بعد مسيرة امتدت أكثر من قرن، تاركة شهادة حيّة على أن الدعوة الإلهية لا يقاس تحقيقها بالعمر، بل بالأمانة والصبر والثقة بالله، وأن ما يؤخره الإنسان قد يهيئه الله في الوقت الذي يراه مناسبًا.