موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«افعل شيئًا... سأموت». بهذه الكلمات اتصلت الفرنسية لورانس جينيه بطبيبها في السادس عشر من شباط عام 2002، بعدما اجتاحها صداع عنيف لم تختبر مثله من قبل. لكن الطبيب ظنّ أنها تبالغ، وطمأنها قبل أن ينهي المكالمة.
بعد أيام قليلة، انهارت لورانس.
فقد تعرّضت لتمزق في أمّ الدم (تمزّق في أحد شرايين الدماغ)، ونُقلت على وجه السرعة إلى المستشفى، حيث دخلت في غيبوبة. وأثناء خضوعها للعلاج أصيبت بانسداد رئوي وتوقف قلبها، حتى إن الأطباء لم يعودوا يخفون خشيتهم من ألا تتمكن من تجاوز ليلتها الأولى.
في المنزل، كانت ابنتها أستريد، البالغة من العمر ستة عشر عامًا، تراقب والدها الذي اعتادت أن تراه صخرة العائلة. لكن نظرة واحدة في عينيه كانت كافية لتدرك أن الوضع أخطر مما يُقال. دخلت غرفتها، أمسكت بالمسبحة، وبدأت تصلي كما لم تصلِّ من قبل. كانت توسلتها بسيطة: أن ترى والدتها مرة أخرى، وأن تتمكن من إخبارها بأنها تحبها.
وتروي لورانس اليوم أن ابنتها شعرت في تلك اللحظات بأن العذراء مريم تحتضنها وتعزيها، فنهضت بعدها لتجمع شقيقيها الصغيرين، اللذين كانا في السادسة والثامنة من العمر، وبدأوا جميعًا يتلون المسبحة معًا، مؤمنين بأن صلاة الأطفال تصل سريعًا إلى قلب الله.
وبينما كانت الأسرة تعيش تلك الأيام الثقيلة، بقيت لورانس أسبوعًا كاملًا في الغيبوبة.
ثم حدث ما لم يكن متوقعًا. استعادت وعيها، وعرفت زوجها وأبناءها، لكن كلماتها في البداية لم تكن منسجمة مع الواقع. ومع مرور الأسابيع استعادت ذاكرتها وقدراتها كاملة، لتسمع من إحدى الممرضات ما أدهشها أكثر من أي شيء آخر.
قالت لها مبتسمة: «أخيرًا... لن تزعجينا بعد اليوم!». استغربت لورانس كلامها، فسألتها عن السبب. فأجابتها الممرضة: «لأنك كنتِ ترفضين أن يلمسك أحد ما لم نصلِّ معكِ المسبحة. كنتِ تُلزميننا جميعًا بتلاوتها».
ابتسمت لورانس بدهشة. فهي لا تتذكر شيئًا من ذلك إطلاقًا.
لكن ما تتذكره جيدًا هو ما حدث بعد استيقاظها. تقول: «منذ تلك اللحظة شعرت وكأنني أعيش داخل فقاعة من المحبة. امتلأ قلبي بمحبة لا توصف لله ولكل من حولي، ولم يفارقني منذ ذلك اليوم يقين حضوره في حياتي».
وبعد أشهر، عادت مع زوجها لزيارة الطبيب الذي أجرى لها العملية، لتشكره على ما فعله.
وخلال الزيارة، اقتربت إحدى الممرضات من زوجها قائلة: «أظن أن زوجتك قد توفيت».
فأجابها مبتسمًا: «بل هي تقف خلفك مباشرة».
وقفت الممرضة مذهولة.
أما الطبيب، فقال للورانس كلامًا بقي محفورًا في ذاكرتها:
«في الحقيقة... لسنا نحن أصحاب الفضل الأكبر فيما حدث. كان لديكِ حامٍ خاص».
سألته: «أتقصد الله؟».
فأجاب بعد صمت
«نعم... لم أكن أؤمن كثيرًا بذلك، لكن لا أستطيع أن أنكر أن هناك شيئًا يفوق قدرتنا على التفسير».
لكن بالنسبة إلى لورانس، لم تكن المعجزة مجرد نجاتها من الموت. بل ما بدأ بعدها. فعادت إلى سر الاعتراف بعد سنوات طويلة، وأصبحت تشارك في القداس الإلهي يوميًا، وكرّست جزءًا من وقتها لمرافقة المرضى والمحتضرين في المستشفى.
وتقول إن الحادث لم يغيّرها وحدها: «لقد كان بداية اهتداء عائلتنا كلها. كل واحد منا سار في هذا الطريق بطريقته الخاصة، لكن الرب كان يعمل في قلب كل فرد». وكانت تتمنى منذ ذلك الحين أن تشكر العذراء مريم في مديغوريه، إلا أن زوجها كان يمازحها قائلًا: «اذهبي إلى كنيسة الميدالية العجائبية... ستكون أقل كلفة!».
احتفظت بهذا الرجاء خمس سنوات كاملة.
ثم، ومن دون أن تطلب شيئًا، قدّم أحد أصدقاء العائلة هدية غير متوقعة: رحلة حج لجميع أفراد الأسرة إلى مديغوريه. وعندما وصلت إلى قمة جبل كريجيفاتس، انهارت باكية. تقول: «شعرت أن هذا هو المكان الذي كان يجب أن آتي إليه لأقول شكرًا للعذراء. لا أعرف لماذا تحديدًا، لكن تلك الرحلة كانت هدية من مريم، وبداية مرحلة جديدة لكل أفراد عائلتنا».
واليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا، لا تزال الندبة الصغيرة على جبينها تذكّرها بما جرى.
لكنها لم تعد ترى فيها أثر عملية جراحية، بل علامة على حياة جديدة.
وتختصر لورانس كل ما عاشته بجملة واحدة أصبحت محور رسالتها: «أعلم أن أي صلاة لا تُترك من دون استجابة». وبالنسبة إليها، لم يعد يوم إصابتها بتمزق أمّ الدم يومًا كادت تخسر فيه حياتها، بل اليوم الذي تصفه بأنه «ولادتي الجديدة في الله».