موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٢٥ مارس / آذار ٢٠٢١
25 آذار: عيد البشارة، عيد التجسّد الإلهيّ

إعداد الأب وليم عبد المسيح سعيد الفرنسيسكاني :

 

بشّر الملاك جبرائيل مريم العذراء بِحَبَلٍ بالروح القدس، وبشّر بالخالق الذي أراد أن يَتجسّدَ من دون أن يعتريه أي تغيير في ألوهيّته. فأتى حدث البشارة حيث تمّ اتحاد الطبيعة الإلهيّة بالطبيعة البشريّة.

 

تعود جذور هذا العيد إلى القرون الأولى للمسيحيّة. فموضوع بتولية مريم العذراء، وحبلها الإلهي أيّ تجسّد الإله في حشا امرأة شغل المسكونة منذ القدم وغيّر وجه التاريخ، وألهب قلوبًا انتظرت الخلاص الأبدي. في المقابل بعض الناس رفضَه جملةً وتفصيلًا، مستغربًا كيف يمكن لله أن يُصبح إنسانًا، والخالق يتحّد بالمخلوق.

 

هل يعجز من هو مصدر المحبّة أن يتحّد بالإنسان الذي خلقه على صورته ودعاه ليكون على مثاله؟ كيف يمكن أن تكون المحبّة الإلهيّة للإنسان لو بقي الله في عَليائه ولم يتجسّد؟ ثمّ هل يتغيّر مَن لا يعتريه تغيير إذا اتحّد بالإنسان؟ أم أنّ الإنسان هو الذي يتغيّر في الحقيقة ويتأله بالنعمة الإلهيّة لاتحّاده بالله؟ هل يمكن أن يبقى الأب السماوي بعيدًا عن أبنائه؟

 

هذه الأسئلة في الحقيقة كلّها إجابات تضع إزاءنا المقولة التالية: "مهمٌ جدًا أن نعرف من بشّر جبرائيل، ولكن الأهم أن نعي وندرك مَن الذي بشّر به جبرائيل".

 

وخير إجابة عن هذا السؤال الذي يلخّص معنى العيد بمجمله هو ما تعلنه الكنيسة في دستور إيمانها:"إلهٍ حقٍ من إلهٍ حق، مولودٍ غير مخلوق". قبل إقرار دستور إيمان الكنيسة في المجمع المسكوني الأوّل في نيقية عام 325م، وتكملته في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينيّة عام 381م، ظهرت في مناطق مختلفة إعترافات إيمانيّة عديدة كانت تتلوها الجماعات المسيحيّة في صلواتها.

 

ولكن الجدير بالملاحظة أنّ هذه الاعترافات كلّها حملَت موضوعَين مشتركَين رئيسيَّين:

1- الحبَل الإلهي، 2- صيرورة الله إنسانًا أي ولادته في الجسد.

 

وهذا يعكس بشكل واضحٍ جليٍّ إيمان المسيحيّة منذ نشأتها.

 

 وهذا الحدث الإستثنائي الذي تمّ مرّةً في التاريخ أي إتّحاد الطبيعة الإلهيّة بالطبيعة البشريّة هو أساس الإيمان المسيحي بجملته. لا بل هو نقطة انطلاق كلّ العقائد المسيحيّة، والخروج عن هذا السرّ يعني في المسيحيّة هرطقة بكلّ ما للكلمة من معنى.

 

فالمجامع المسكونيّة السبعة التي حصلت خلال الألفيّة الأولى، كانت تعلن وتؤكّد تجسّد الإله وولادته من الروح القدس ومن مريم العذراء، التي هي والدة الإله.

 

كما أن عبارة تجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء، هي من أقدم الاصطلاحات المسيحيّة على الإطلاق، وهي خاصّة أساسيّة في الإيمان المسيحي ولا يمكن الاستغناء عنها، لذا الترجمة الأصحّ للكلمة اليونانيّة والتي تشير إلى جوهر الإبن، هي "واحد مع الآب في الجوهر"، بالأحرى من "مساوٍ للآب في الجوهر" كما اعتدنا أن نترجمها. فالإبن هو مولودٌ من الآب، وهو كلمته الآزليّ الذي صار جسدًا وحلّ بيننا، وهو من جوهر الآب.

 

عيد البشارة في الكنيسة الأولى لم يكن في بادىء الأمر عيدًا مستقلًا بحد ذاته، بل كان مرتبطًا بعيد الميلاد الذي كان مرتبطًا بدوره بعيد الظهور الإلهي. ولكن، عندما بدأ عيد الميلاد، الذي هو عيد ظهور الله في الجسد، يأخذ استقلالًا عن عيد الظهور الإلهي في القرن الخامس ميلادي، أتت الحاجة ليكون لعيد البشارة تاريخًا خاصًا به تُتلى فيه صلوات وقراءات لها ارتباط مباشر بمفهوم هذا العيد ولاهوته.

 

عيد البشارة في 25 آذار يتزامن مع اعتدال الربيع حيث يتساوى الليل مع النهار، وكانت الحضارات القديمة تعتقد أن العالم والكائن البشري خلقا في هذا اليوم بالذّات.