موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٨ مارس / آذار ٢٠٢٦
في قداس موناكو: البابا يؤكد أن السلام ليس توازن قوى بل رؤية الآخر أخًا لا عدوًّا

أبونا :

 

في المحطة الأخيرة من زيارته إلى موناكو، ترأس البابا لاون الرابع عشر القداس الإلهي في مدرج لويس الثاني. وفي عظته، شدّد على أن الحروب التي تصبغ العالم بالدم هي ثمرة عبادة السلطة والمال، مؤكّدًا أن «كلّ حياة تُسحق هي جرح في جسد المسيح».

 

وأضاف الحبر الأعظم: «لا نترك أنفسنا نتعوّد على ضجيج السلاح ولا على مشاهد الحرب»، مؤكدًا أنّ «السلام ليس مجرّد توازن بين القوى، بل هو عمل قلوب طاهرة تنظر إلى الآخر كأخ يجب حمايته لا عدو يجب القضاء عليه».

 

 

وفيما يلي النص الكامل للعظة:

 

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،

 

الإنجيل الذي أصغينا إليه (راجع يوحنّا 11، 45-57) يتكلّم على حُكمٍ قاسٍ صدر على يسوع: يروي لنا عن اليوم الذي فيه عَزَمَ أعضاء المجلس "على قَتْلِه" (آية 53). لماذا حدث له هذا؟ لأنّه أقام لِعازر من الموت. لأنّه أعاد الحياة إلى صديقه، وبكى عند قبره، وحزن بحزن مرتا ومريم. يسوع نفسه، الذي جاء إلى العالم ليحرّرنا من حُكمِ الموت، حُكِمَ عليه بالموت. وليس ذلك قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة إرادة دقيقة ومدروسة.

 

في الحقيقة، حُكمُ قَيافا والمجلس ينجم عن حساب سياسيّ أساسه الخوف: لو استمرّ يسوع في منح الرّجاء، وحوّل ألم الشّعب إلى فرح، ”فسيأتي الرُّومانِيُّونَ ويُدَمِّرون البلاد“ (راجع آية 48). بدلًا من أن يعترفوا في يسوع النّاصريّ بأنّه المسيح، أي المسيح المنتظر منذ زمن طويل، رأى رؤساء الدّين فيه خطرًا. رؤيتهم منحرفة، وهم معلّمو الشّريعة أنفسهم هم الذين نقضوا الشّريعة. نسوا وعد الله لشعبه، وأرادوا قتل البريء، وخوفهم سببه التعلُّق بسُلطتهم. لكن، إن نسي البشر الشّريعة التي تأمر بعدم القتل، الله لا ينسى وعده بخلاص العالم. فجعلت عنايته الإلهيّة من ذلك الحُكم القاتل وسيلة لإظهار قصد محبّته السّامي: فبالرّغم من شرّ قَيافا، "تَنَبَّأَ أَنَّ يسوعَ سَيموتُ عَنِ الأُمَّة" (آية 51).

 

وهكذا نصير شهودًا على عملَيْن متناقِضَين: من جهة، وَحيُ الله الذي يُظهر وجهه ربًّا قديرًا ومخلِّصًا، ومن جهة أخرى، عملٌ في الخفاء لسُلطات نافذة مستعدّة لأن تقتل بلا ضمير. أليس هذا ما يحدث اليوم؟ وعند نقطة التقاطع بينهما توجد علامة يسوع: وهي بذل الحياة. إنّها علامة نجد في قيامة لِعازر من الموت تمهيدًا لها، كأنّها نبوءة وقريبة جدًّا لما سيحدث للمسيح في آلامه وموته وقيامته من بين الأموات. ففي ذلك الفصح، سيتمِّم الابن عمل الآب بقوّة الرّوح القدس: وكما أعطى الله في بدء الأزمنة الحياة للوجود من العدَم، كذلك في ملء الأزمنة افتدى كلّ حياة من الموت الذي يدمِّر الخليقة.

 

من هذا الفداء يأتي فرح الإيمان وقوّة شهادتنا له في كلّ مكان وزمان. في الواقع، في تاريخ يسوع تتلخّص مسيرتنا جميعًا، بدءًا من الصّغار والمضطهدين أكثر من غيرهم: كم من الحسابات نجد اليوم أيضًا في العالم لقتل الأبرياء! وكم من ذرائع زائفة تُتَّخذ للتخلُّص منهم! لكن أمام إلحاح الشّرّ تقوم عدالة الله الأبديّة، التي تخلّصنا دائمًا من قبورنا، كما حدث مع لِعازر، وتمنحنا حياة جديدة. الرّبّ يسوع يحرّر من الألم فيزرع الرّجاء، ويغيِّر قساوة القلوب فيحوِّل السُّلطة إلى خدمة، ويُظهر الاسم الحقيقيّ لقدرته: الرّحمة. الرّحمة هي التي تخلّص العالم: الرّحمة تهتمّ بكلّ حياة بشر، منذ أن يولد وينمو في الرّحم إلى أن يذبل ويموت، وفي كلّ أوجه ضعفه. كما علّمنا البابا فرنسيس، إنّ ثقافة الرّحمة ترفض ثقافة الإقصاء.

 

صوت الأنبياء الذي أصغينا إليه يشهد كيف حقّق الله مشروع خلاصه. ففي القراءة الأولى أعلن حزقيال أنّ العمل الإلهيّ يبدأ بالتّحرير (حزقيال 37، 23) ويكتمل بتقديس الشّعب (راجع آية 28): إنّه مسار توبة، شبيه بما نختبره في الزّمن الأربعينيّ. وهي مبادرة شاملة، ليست خاصّة ولا فرديّة، تُبدِّل علاقاتنا مع الله ومع القريب.

 

أوّلًا، التّحرير يتّخذ شكل تطهير ”مِن الأصنام النّجسة“ (راجع آية 23). فما هي؟ النّبيّ يشير بهذا التّعبير إلى كلّ ما يستعبد القلب، ويشتريه ويفسده. فكلمة ”صنم“ تعني ”فكرة صغيرة“، أي رؤية ناقصة لا تُقلِّل فقط من عظمة الله القدير، إذ تحوّله إلى مجرّد شيء، بل تقلِّل أيضًا من عقل الإنسان. فعبدة الأصنام، إذًا، هم ذوو نظرة ضيّقة: ينظرون إلى ما يجذب عيونهم فيعميها. وهكذا، فإنّ الأشياء الكبيرة والصّالحة في هذه الأرض تصير أصنامًا، فتتحوّل إلى أشكال من العبوديّة، ليس للذين يفتقرون إليها، بل للذين ينغمسون فيها، ويتركون قريبهم في البؤس والحزن. ومِن ثَمَّ، فإنّ التّحرّر من الأصنام هو تحرّر من سلطة تحوّلت إلى تسلُّط وهيمنة، والغني يصير جشعًا، والجمال مجدًا باطلًا.

 

الله لا يتركنا في هذه التّجارب، بل يُساعد الإنسان الضّعيف والحزين، الذي يعتقد أنّ أصنام العالم هي التي تخلّص حياته. كما يعلّم القديس أَغُسطينُس: "الإنسان يتحرّر من سلطانها عندما يؤمن بمن قدّم مثالًا للتواضع، لكي ينهضه" (مدينة الله، الجزء السّابع، 33). هذا المثال هو حياة يسوع نفسه، الله الذي صار بشرًا من أجل خلاصنا. فبدلًا من أن يعاقبنا، قضى على الشّرّ بمحبّته، وحقّق وعدًا جليلًا، إذ قال: "أُطَهِّرُهم، فيَكونونَ لي شَعبًا وأَكونُ لَهم إِلهًا" (حزقيال 37، 23). الله يغيّر تاريخ العالم بدعوتنا من عبادة الأصنام إلى الإيمان الحقّ، ومن الموت إلى الحياة.

 

لذلك، أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أمام المظالم الكثيرة التي تجرح الشّعوب، والحروب التي تمزّق الأمم، يرتفع باستمرار صوت النّبيّ إرميا، المُعلَن اليوم كمزمور: "أُحَوِّلُ نَوحَهم إِلى طَرَب، وأُعَزِّيهم وأُفَرِّحُهم بَعدَ غَمِّهم" (إرميا 31، 13). التّطهير من عبادة الأصنام، التي تجعل البشر عبيدًا لبشر آخرين، يتحقّق بالتّقديس، وهي عطيّة نعمة تجعل البشر أبناء الله، وإخوةً وأخوات بعضهم لبعض. وهذه العطيّة تنير حاضرنا، لأنّ الحروب التي تصبغه بالدّم هي ثمرة عبادة السُّلطة والمال. فكلّ حياة تُسحَقُ هي جُرحٌ في جسد المسيح. لا نترك أنفسنا نتعوَّد على ضجيج السّلاح ولا على مشاهد الحرب! فالسّلام ليس مجرّد توازن بين القوى، بل هو عمل قلوب طاهرة نقيّة، في الذين يرون في الآخر أخًا يجب أن نحرسه ونحميه، لا عدوًّا يجب أن نقضي عليه.

 

الكنيسة في موناكو مدعوّة إلى أن تشهد بالعيش في سلام الله وبركته: لهذا، أيّها الأعزّاء، اجعلوا الكثيرين سعداء بإيمانكم، وأظهروا فرحًا حقيقيًّا لا يُنال بالمراهنة، بل بالمشاركة في المحبّة. منبع هذا الفرح هو محبّة الله: محبّة لكلّ حياة تنشأ وتحتاج إلى عناية، والتي يجب أن نقبلها ونهتمّ بها دائمًا. ومحبّة للحياة الشابّة والمسنّة، التي يجب أن نشجّعها في المِحَنِ في كلّ عمر. ومحبّة للحياة السّليمة والمريضة، التي تكون أحيانًا وحيدة، وهي دائمًا بحاجة إلى أن نرافقها ونعتني بها. لتساعدكم سيّدتنا مريم العذراء، شفيعتكم، لتكونوا مكانًا للاستقبال، ومكانًا للكرامة للصّغار والفقراء، ومكانًا للتنميّة المتكاملة والشّاملة.

 

وفي زمن صوم العالم الطّويل، الذي يستشري فيه الشّرّ وحيث عبادة الأصنام تجعل القلوب لامبالية: في هذا العالم يُعِدُّ الرّبّ يسوع فصحه. وعلامة هذا الحدث هي الإنسان: هو لِعازر المدعوّ من القبر. ونحن، الخطأة الذين غفر الله لنا. وهو المصلوب القائم من بين الأموات، صانع الخلاص. إنّه "الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة" (يوحنّا 14، 6)، الذي يسند مسيرتنا ورسالة الكنيسة في العالم التي هي أن نمنح حياة الله. إنّها مهمّة سامية ومستحيلة، إن لم نبذل حياتنا للقريب. لكنّها مهمّة مُلهمة ومثمرة، حين يُنير الإنجيل خطواتنا.