موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تكلّم البابا لاون الرابع عشر، اليوم، في إطار تعليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، عن الدستور العقائدي «نور الأمم»، الذي يتناول موضوع الكنيسة، متوقفًا عند الفصل الأخير منه المخصّص للسيدة مريم العذراء، باعتبارها مثال الكنيسة ونموذجها الكامل.
وأوضح البابا أنّ مريم هي «العضو الأسمى» في الكنيسة ومثالها في الإيمان والمحبة، إذ إنّها، من خلال قبولها كلمة الله وطاعتها لعمل الروح القدس، أصبحت النموذج الذي أراد الله أن تكون عليه الكنيسة: أمًّا لأبناء الله ومؤمنةً منفتحة بصورة كاملة على سرّ الله.
وأشار قداسته إلى أنّ الكنيسة تتأمّل في مريم هويتها ورسالتها، لأنّ العذراء تجسّد الإيمان البتولي، ومحبة الأم، والشركة العميقة مع الله. وأضاف أنّ مريم، بتعاونها الفريد مع المسيح في عمل الخلاص، صارت أمًّا للكنيسة في نظام النعمة، من دون أن ينتقص ذلك من وساطة المسيح الوحيدة، بل أظهر فاعليتها في تاريخ الخلاص. وختم البابا مؤكدًا أنّ الكنيسة ترى في مريم العذراء أصلها ومثالها، وتتعلّم منها كيف تعيش الإيمان والطاعة والمحبة، لكي تبقى أمينة لرسالتها في خدمة ملكوت الله.
وفيما يلي النص الكامل للتعليم:
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!
أراد المجمع الفاتيكاني الثّاني أن يخصّص الفصل الأخير من الدّستور العقائدي في الكنيسة لسيِّدتنا مريم العذراء، فهي "تُعرَف بكونها العضو الأسمى والفريد كلّ الفرادة في الكنيسة، وصورتها ومثالها الأسمى في الإيمان والمحبة". هذه الكلمات تدعونا إلى أن نفهم كيف يمكن أن نرى في مريم، التي قبلت وولدت، بفعل الرّوح القدس، ابن الله المتجسّد، المثال، والعضو المتميّز، وأمّ كلّ الجماعة الكنسيّة.
وإذ تركت مريم نفسها تتكوّن بعمل النعمة الذي اكتمل فيها، وقبلت عطيّة العليّ بإيمانها ومحبّتها البتوليّة، صارت المثال الكامل لكلّ الكنيسة كما أراد الله لها أن تكون: خليقةً لكلمة الله، وأمًّا لأبناء الله المولودين في الطّاعة لعمل الرّوح القدس. وبما أنّها المؤمنة بامتياز، التي تُعطى لنا فيها الصّورة الكاملة للانفتاح غير المشروط على السّرّ الإلهيّ في وَحدة وشركة شعب الله المقدّس، فإنّ مريم هي العضو المثالي في الجماعة الكنسيّة. وأخيرًا، بما أنّها تلد أبناءً في الابن، وقد أحبّهم الابن الحبيب الأزليّ الذي جاء بيننا، فإنّ مريم هي أمّ كلّ الكنيسة، التي تستطيع أن تتوجّه إليها بثقة بنويّة، وهي على يقين من أنّها تُصغي إليها وتحميها وتحبّها.
يمكن التّعبير عن مجمل هذه الصّفات والميزات الخاصّة بسيّدتنا مريم العذراء بالكلام عنها بأنّها المرأة التي هي أيقونة السّرّ المقدّس. ولفظة ”المرأة“ تبيّن الواقع التّاريخي لهذه الابنة الشّابة من بني إسرائيل، التي أُعطيت أن تعيش الخبرة الفريدة بأن تصير أمّ المسيح. أمّا تعبير ”الأيقونة“ فيشدّد على أنّه تتحقّق فيها الحركة المزدوجة: النّزول والصّعود. ففيها يسطع الاختيار المجاني لها من قبل الله، وقبولها الحرّ للإيمان به. ولذلك فمريم هي المرأة أيقونة السّرّ المقدّس، أي تدبير الخلاص الإلهيّ، الذي كان مستورًا في الماضي وأُعلن في ملئه في يسوع المسيح.
ترك لنا المجمع تعليمًا واضحًا في المكانة الفريدة المخصّصة لسيّدتنا مريم العذراء في عمل الفداء. وذكّر بأنّ الوسيط الوحيد للخلاص هو يسوع المسيح، وأنّ أمّه الكاملة القداسة "لا تحجب بأيّ حال من الأحوال هذه الوساطة الوحيدة للمسيح ولا تُنقص منها، بل تُظهر فاعليتها". في الوقت نفسه، "سيّدتنا مريم العذراء الطوباويّة، التي سبق فاختيرت منذ الأزل، ضمن تدبير تجسّد الكلمة، لكي تكون أمّ الله، […] تعاونت بطريقة خاصّة جدًّا في عمل المخلِّص، بالطّاعة والإيمان والرّجاء والمحبّة المتّقدة، من أجل أن تعيد الحياة الفائقة الطّبيعة إلى النّفوس. ولهذا صارت لنا أمًّا في نظام النّعمة".
وفي سيّدتنا مريم العذراء نرى كما في مرآة أيضًا سرّ الكنيسة: ففيها يجد شعب الله من يمثّل أصله، ومثاله، ووطنه. وفي أمّ الرّبّ تتأمّل الكنيسة في سرّها الخاص، لا لأنّها تجد فيها مثال الإيمان البتولي، ومحبّة الأم، وعهد العروس الذي دُعيت إليه فحسب، بل وقبل كلّ شيء لأنّها ترى فيها نموذجها الأصلي، الصّورة المثاليّة لما أراد الله لها أن تكون.
وكما يمكن أن نرى، فإنّ التأمّلات في أمّنا مريم العذراء، الواردة في "نور الأمم"، تعلّمنا أن نحبّ الكنيسة ونخدم فيها اكتمال ملكوت الله الآتي، الذي سيتحقّق بصورة كاملة في المجد.
لنترك إذًا هذا المثال السّامي، مريم العذراء والأم، يخاطبنا، ولنطلب منها أن تساعدنا بشفاعتها لنستجيب لما يُطلب منّا من خلال مثالها: هل أعيش انتمائي إلى الكنيسة بإيمان متواضع وفاعل؟ وهل أرى فيها جماعة العهد التي منحني الله إيّاها لكي أبادل محبّته اللامتناهية؟ وهل أنظر إلى مريم العذراء بكونها المثال، والعضو بامتياز، وأمّ الكنيسة، وأطلب منها أن تساعدني لكي أكون تلميذًا أمينًا لابنها؟
أيّها الإخوة والأخوات، ليمنحنا الرّوح القدس، الذي حلّ على مريم والذي ندعوه نحن أيضًا بتواضع وثقة، أن نعيش هذه الحقائق الرائعة بصورة كاملة. وبعد أن تعمّقنا في الدستور "نور الأمم"، لنطلب من مريم العذراء أن تنال لنا هذه العطيّة: أن ينمو فينا جميعًا الحبّ للكنيسة الأمّ المقدّسة. آمين.