موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في المحطة الثالثة من زيارته الرسولية إلى إمارة موناكو، التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر الشبيبة والسائرين في مسيرة الموعوظين في كنيسة القديسة ديفوتا، حيث دعاهم إلى الاقتداء بشهادة القديسين، ولا سيما ديفوتا وكارلو أكوتيس، مؤكدًا أن الإيمان، رغم التحديات، يبقى حيًّا وقادرًا على الوصول إلى القلوب وتغييرها. وشدّد على أن ما يمنح الحياة ثباتها وقوتها هو المحبة، بدءًا من محبة الله وصولًا إلى المحبة المتبادلة، داعيًا إلى عدم الانجراف وراء سرعة العالم ومشتتاته، بل إلى تنمية علاقة عميقة مع المسيح من خلال الصلاة والصمت والإصغاء.
وأشار البابا إلى أن الشهادة الحقيقية للرجاء لا تأتي من الجهود البشرية فقط، بل من علاقة حيّة مع الله، داعيًا الشباب إلى عيش إيمانهم بجرأة والتزام، وبذل ذواتهم في خدمة الآخرين، لا سيما المتألمين والمهمّشين. كما حثّهم على حمل الإنجيل في حياتهم اليومية وخياراتهم الاجتماعية، ليكونوا صانعي سلام وناشري ثقافة الاهتمام، مؤكدًا أن العالم اليوم بحاجة إلى شهادتهم ليكتشف من جديد جمال محبة الله والقريب.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء! أيّها الأصدقاء الأعزّاء، صباح الخير!
يسرّني أن أكون هنا معكم، وأحيّيكم من كلّ قلبي. وأشكر رئيس الأساقفة على الكلام الذي وجّهه إليّ.
كما أشار، فإنّ الكنيسة التي نحن فيها مكرّسة للقدّيسة ديفوتا (Devota)، شفيعة إمارة موناكو: شابة شجاعة، عرفت أن تشهد لإيمانها أمام عنف المضطهدين، حتّى نالت إكليل الاستشهاد. وقد وصل جسدها، بعناية إلهيّة، من كورسيكا إلى هنا، إلى ما يُعرف اليوم بساحل موناكو. أرادوا أن يقضوا عليها ويمحو كلّ ذِكرٍ لها، لكن تضحيّتها حملت رسالة سلام ومحبّة الإنجيل إلى أبعد من ذلك بكثير. هذا يساعدنا لنتأمّل في أنّ الخير أقوى من الشّرّ، حتّى عندما يبدو في بعض الأحيان، في الظّاهر، أنّ الخير يخسر. ليس هذا فقط، بل يذكّرنا أيضًا بأنّ شهادة الإيمان هي بذرة يمكنها أن تصل إلى قلوب وأماكن بعيدة وتُخصبها، بما يفوق توقعاتنا وإمكاناتنا.
في هذه الكنيسة، أُضيفَ مؤخّرًا إلى تذكار القدّيسة الشّهيدة ديفوتا (Devota) تذكار القدّيس كارلو أكوتيس (Carlo Acutis)، وهو شاب آخر أحبّ يسوع، وكان أمينًا لصداقته مع المسيح حتّى النّهاية، مع اختلاف الأزمنة والظّروف تمامًا: هو عاش في المحبّة، وفي العمل الرّسولي على شبكة الإنترنت، حيث نكرّمه شفيعًا، وأخيرًا في المرض.
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء، هذان القدّيسان يشجّعاننا ويدفعاننا إلى أن نقتدي بهما. في الواقع، اليوم أيضًا، كما ذُكِر، الإيمان يواجه تحدّيات وعوائق، لكن لا شيء يمكن أن يُخفي جماله وحقيقته. ويشهد على ذلك رجال ونساء كثيرون من مختلف الأعمار، الذين يزداد عددهم، والذين يريدون أن يعرفوا الرّبّ يسوع ويطلبون المعموديّة.
في شهادات إيمانكم تكلّمتم على كلّ هذا. بنيامين، الذي أشكره على ما شاركنا به، سأل كيف يمكن ألّا ننجرف بعيدًا عن ذاتنا وعن الآخرين وعن الله بسبب مشتتات عالمنا المتغيّر باستمرار. سؤاله مهمّ، وله صلة أساسيّة بجانب من حياتنا المسيحيّة: حيويّة العلاقة مع المسيح، وما ينجم عنها من وَحدة داخل الإنسان ومع الآخرين. وفي هذا، قال أحد المنشّئين الكبار للشّباب إنّ "جذر وَحدة الحياة هو في القلب، [...] هو أمرٌ في القلب، وهو عطيّة من الله، يجب أن نطلبها بتواضع".
لقد أغنتنا العصور الحديثة وما بعد الحديثة بالأمور الجيّدة الكثيرة التي قدّمت لنا حوافز وإمكانات لم تكن معروفة من قبل، على مستويات متعدّدة: في الثّقافة والطّب والصّحّة، والتّكنولوجيا والتّواصل. لكنّها وضعتنا أيضًا أمام تحدّيات كبيرة لا يمكننا أن نتجاهلها، بل يجب أن نواجهها بوضوح ووعي. كما قال بنيامين، نحن نعيش في عالَم يبدو أنّه يسير دائمًا بسرعة، ومتلهفًا لما هو جديد، ومولعًا بسيولة بلا روابط، ومتسمًّا بحاجة شبه قسرية إلى تغييرات مستمرّة: في الموضة، وفي المظهر، وفي العلاقات، وفي الأفكار، وحتّى في أبعاد الإنسان التي تكوِّن هويّته.
لكن ما يمنح الحياة صلابتها وقوّتها هي المحبّة: خبرة محبّة الله الأساسيّة، أوّلًا وقبل كلّ شيء، ثمّ، انعكاسًا لذلك، الخبرة المضيئة والمقدّسة للمحبّة المتبادلة. أن نحبّ بعضنا بعضًا، ولو أنّها من جهة تتطلّب انفتاحًا على النّمو وبالتّالي على التّغيير، فمن جهة أخرى تتطلّب أمانة وثباتًا واستعدادًا للتضحيّة في الحياة اليوميّة. بهذه الطّريقة فقط يجد القلق سلامه - نحن أيضًا نتوق إلى السّلام!- ويُملأ الفراغ الدّاخليّ الذي تكلّمت عنه أندريا، لا بأشياء ماديّة عابرة، ولا حتّى بالقبول الافتراضي لآلاف ”الإعجاب “ (like)، أو بالانتماءات المشروطة المصطنعة، التي قد تكون أحيانًا عنيفة. يجب أن نفتح باب قلبنا ونحرّره من هذه الأمور، لكي يعود هواء النّعمة الصّحّيّ المُنعش فينعش المكان ويحييه، ولكي تعود رياح الرّوح القدس القويّة فتملأ أشرعة حياتنا، وتدفعها نحو السّعادة الحقيقيّة.
كلّ هذا، أيّها الأعزاء، يحتاج إلى الصّلاة، وإلى مساحات من الصّمت، وإلى الإصغاء، لتهدئة السّرعة الجنونيّة للعمل والكلام، والرّسائل، ومقاطع الفيديو القصيرة (reel)، والدردشات (chat)، وللتعمّق والتمتّع في جمال أن نكون معًا حقًّا وبشكل ملموس. وهنا، كان القدّيس كارلو أكوتيس (Carlo Acutis) يتكلّم على الإفخارستيا باعتبارها ”الطّريق السّريع إلى السّماء“، وعلى السّجود للقربان باعتباره حمام شمس قادرًا على أن ”يَصبُغ“ النّفس.
وقد يكون هنا أيضًا جواب على سؤال إيثان في استعداده القريب لنيل المعموديّة في ليلة الفصح: أن نعيش الأسبوع المقدّس، في التأمّل في أسرار الآلام، وفي جوٍّ من الإصغاء لصوت الرّوح القدس ولما يحدث في قلوبنا، فنجعل ذلك مناسبة لمراجعة هادئة وعميقة لحياتنا، الماضيّة والحاضرة.
وإن كان هذا مهمًّا للحياة الرّوحية وللصّلاة، فإنّه ينطبق أيضًا على ممارسة المحبّة. سأل إيثان كيف يمكننا أن نشهد لعطيّة الحياة التي نلناها في المسيح. وسألت صوفي كيف نكون شهودًا للرّجاء للمُعَذَّبين الذين يوشكون أن يفقدوا نور الإيمان وعزاءه. أمام التّحدّيات، أوصانا يسوع، قال: "لا يُهِمَّكم حينَ يُسلِمونَكم كَيفَ تَتَكلَّمونَ أَو ماذا تقولون [...]. فلَستُم أَنتُمُ المُتَكَلِّمين، بل رُوحُ أَبيكم يَتَكلَّمُ بِلسانِكم" (متّى 10، 19-20). كان يسوع يشير إلى الاضطهادات التي يتألّم منها النّاس بسبب الإنجيل، لكن يمكننا أن نطبّق كلامه على كلّ ظرف تتطلّب فيه المحبّة منّا أن نواجه محنة مهمّة لأنفسنا وللآخرين. كلام وأعمال الشّهادة والرّجاء لا تُرتَجَل، ولا نصنعها من عندنا: إنّها تأتي من علاقة عميقة مع الله، حيث نجد نحن أوّلًا إجابات الحياة الأساسيّة. إن كان مجرى عملنا مع الله مفتوحًا، وإن كان التّبادل ساريًا، وبه نجعل علاقة المحبّة عطيّة مشتركة وللجميع، فيمكننا أن نثق بأنّ الكلام المناسب والقوّة اللازمة للعمل ستأتي في الوقت المناسب.
ومن هذا المنطلق يمكننا أيضًا أن نفهم العبارة الجميلة للقدّيس أَغُسطينُس، والتي يُساء فهمها أحيانًا: "أحبِب وافعل ما تشاء" (في رسالة يوحنّا إلى البارثيين، 7، 8). أحبِب، أي كن عطاءً مجانيًّا لله وللآخرين. وكن قريبًا، ولا تبتعد، حتّى عندما لا تستطيع أن تحلّ كلّ المشاكل أو أن تصلح كلّ الصّعاب. ابقَ بمحبّة وإيمان. موناكو بلد جميل، لكن الجمال الحقيقيّ تحمله أنت، عندما تعرف أن تنظر في عيون المتألّمين أو الذين يشعرون بأنّهم غير مرئيّين وسط أضواء المدينة. هكذا وجدت القدّيسة ديفوتا القوّة لتبذل حياتها حتّى النّهاية، وهكذا عاش القدّيس كارلو أكوتيس مسيرة قداسته، فترك لنا طريق نور حتّى في عالم الانترنت.
أيّها الشّباب والشّابّات الأعزّاء، لا تخافوا من أن تعطوا كلّ شيء، وقتكم وطاقاتكم، لله وللإخوة، وأن تبذلوا أنفسكم حتّى النّهاية من أجل الرّبّ يسوع ومن أجل الآخرين. بهذه الطّريقة فقط ستجدون طعمًا متجدّدًا دائمًا ومعنى أعمق في الحياة. العالم بحاجة إلى شهادتكم، لتجاوز انحرافات زمننا ومواجهة تحدّياته، وخاصّة لكي نكتشف من جديد الطّعم الصّالح لمحبّة الله والقريب.
إليكم، أيّها الشّباب السّائرين في مسيرة الموعوظين، الذين تستعدّون للمعموديّة، وإليكم أنتم الذين نلتم هذه النّعمة من قبل، أوجّه أحرّ تمنّياتي: أن تعيشوا في المسيح حياة كاملة وحقيقيّة. وأن تكونوا، من أجل خير الجميع، في الإيمان والرّجاء والعدالة والمحبّة، صانعيّ سلام. أنتم الوجه الشّاب لهذه الكنيسة وهذه الدّولة. موناكو بلد صغير، لكنّه يمكن أن يكون مختبرًا كبيرًا للتضامن، ونافذة رجاء. احملوا الإنجيل في خيارات عملكم، وفي التزامكم الاجتماعيّ والسّياسيّ، لتمنحوا صوتًا للذين لا صوت لهم، وانشروا ثقافة الاهتمام والعناية. اجعلوا من كلّ شيء عطيّة لله، وعِيشوا كلّ شيء كرسالة، تجعل منكم أصدقاء في المسيح ورفاق درب أوفياء بعضكم لبعض.
أوكلُكم إلى شفاعة سيّدتنا مريم العذراء، أمّنا، وإلى القدّيسة ديفوتا، والقدّيس كارلو أكوتيس. وأمنحكم من كلّ قلبي بركتي.