موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٥ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
جماعة كاثوليكية تقليدية تتحدى سلطة البابا برسامة أربعة أساقفة من دون موافقته

أبونا :

 

تستعد جماعة كاثوليكية تقليدية منشقة عن روما لتحدي سلطة البابا لاون الرابع عشر الأسبوع المقبل، من خلال رسامة أربعة أساقفة جدد من دون الحصول على موافقته. وبدلًا من الابتعاد عن المواجهة، يبدو أن جمعية القديس بيوس العاشر (SSPX) مصممة على المضي قدمًا في هذا المسار وإبراز حضورها رغم الجدل المحيط بها.

 

وتحتفل الجمعية بالقداس اللاتيني التقليدي وترفض الإصلاحات التي أقرّتها الكنيسة الكاثوليكية من خلال المجمع الفاتيكاني الثاني، وتخطط لتنظيم احتفال واسع ومنظم يمتد أربعة أيام لرسامة الأساقفة في إكليريكيتها بمدينة إكون السويسرية، مع بث مباشر للفعاليات، إضافة إلى توفير مجموعة نبيذ تذكارية للراغبين في المشاركة.

 

ويأتي حدث الأول من تموز المقبل، بعد نحو أربعة عقود على بداية الخلاف بين الجمعية الكهنوتية والفاتيكان، ليؤكد أن الجماعة تمضي أكثر في تكريس موقعها كجماعة منفصلة بالنسبة إلى جيل جديد من الكاثوليك الذين يفضلون القداس باللغة اللاتينية ولا يرون مشكلة في أن أساقفتهم ليسوا في شركة كاملة مع روما.

 

وقال ماسيمو فاجيولي، أستاذ اللاهوت في جامعة فيلانوفا، حيث درس البابا لاون الرابع عشر، إن الجمعية تبدو اليوم وكأنها تمثل «التقليدية 2.0»، موضحًا أنها تبنّت التكنولوجيا والعلامة الرقمية لهويتها الدينية رغم أجندتها المناهضة للحداثة ذات الطابع المتشدد. وأضاف أن هدف الجمعية لم يعد «العودة إلى حظيرة الكنيسة»، بل «العودة إلى احتكار الهوية التقليدية المتشددة».

 

 

بداية الانفصال عن روما

 

تأسست جمعية القديس بيوس العاشر في مدينة إكون السويسرية عام 1970، اعتراضًا على إصلاحات المجمع الفاتيكاني الثاني في ستينيات القرن الماضي، وهو المجمع الذي سمح، من بين أمور أخرى، بالاحتفال بالقداس باللغات المحلية بدلًا من اللغة اللاتينية.

 

وكان أول انفصال رسمي للجماعة عن روما عام 1988، عندما قام مؤسسها رئيس الأساقفة مارسيل لوفيفر برسامة أربعة أساقفة من دون موافقة البابا. وردّ الفاتيكان حينها بحرمان لوفيفر والأساقفة الأربعة من الشركة الكنسية، ولا تزال الجمعية حتى اليوم من دون وضع قانوني داخل الكنيسة.

 

ومع ذلك، واصلت جمعية القديس بيوس العاشر انتشارها خلال العقود الماضية، من خلال تأسيس مدارس وإكليريكيات ورعايا في مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى كهنة وراهبات وعلمانيين ملتزمين بالقداس اللاتيني التقليدي.

 

ويشكّل هذا النمو تحديًا للكرسي الرسولي، إذ يرى البعض أن الجمعية باتت تمثل نوعًا من «كنيسة موازية» ذات طابع كاثوليكي متشدد. وبحسب إحصاءات الجمعية نفسها، تضم اليوم أسقفين، و733 كاهنًا، و264 إكليريكيًا، و145 راهبًا، و88 مكرسًا، و250 راهبة يمثلون خمسين جنسية مختلفة.

 

ومن المتوقع أن يرتفع عدد أساقفتها الأسبوع المقبل مع رسامة أربعة أساقفة جدد هم: باسكال شرايبر من سويسرا، ومايكل غولدايد من الولايات المتحدة، وميشال بوانسينيه دو سيفري من فرنسا، ومارك هانابييه من فرنسا أيضًا.

 

وكان الفاتيكان قد حذّر مسبقًا من أن هذه الرسامات تمثل «عملًا انشقاقيًا» و«إساءة جسيمة لله»، وتؤدي إلى الحرمان الكنسي التلقائي، أي إخراجهم من الشركة مع الكنيسة الخاضعة لسلطة البابا، للأساقفة الأربعة ولمن يقوم بمنحهم الرسامة.

 

 

رسامة الأساقفة لخلاص النفوس

 

برّر الرئيس العام لجمعية القديس بيوس العاشر، الأب دافيدي بالياراني، الرسامات الأسقفية بالقول إن الأسقفين المتبقيين من رسامات عام 1988 أصبحا متقدمين في السن وغير قادرين على خدمة واقع عالمي بهذا الاتساع.

 

واستند إلى ما وصفه بـ«حالة الضرورة» من أجل الحفاظ على خلاص النفوس.

 

وترى الجمعية أن الكنيسة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني أصبحت غارقة في أخطاء عقائدية وابتعدت عن المبادئ الأساسية للإيمان الكاثوليكي. وبعد إعلان بالياراني عن الرسامات، دعا الفاتيكان إلى إجراء محادثات معه، لكن الخلافات اللاهوتية والعملية نفسها التي منعت التقارب بين الطرفين خلال خمسين عامًا، أدت مجددًا إلى طريق مسدود.

 

وعند إعلان أسماء الأساقفة الأربعة الجدد الشهر الماضي، أكدت الجمعية أنها لا تسعى إلى انتزاع سلطة أو صلاحية من البابا لاون الرابع عشر، ولا إلى «إنشاء سلطة موازية داخل الكنيسة».

 

وقالت في بيانها إن احتفال الأول من تموز «لن يكون له هدف آخر سوى ضمان استمرار منح سر الكهنوت وسر التثبيت، إلى جانب الأسرار المخصصة للأساقفة، وفقًا للطقوس التقليدية للكنيسة الرومانية المقدسة والإيمان المتوارث».

 

 

استعدادات ضخمة للحدث

 

يشير الموقع الإلكتروني الخاص بالاحتفال إلى أشهر من التحضير لاستقبال آلاف المشاركين، حيث يمكن للمسجلين حجز الإقامة في أكثر من عشرة فنادق قريبة ومنازل عائلية، وطلب خيارات النقل المشترك من أكثر من مئة موقع، إضافة إلى دفع ثمن وجبات الغداء اليومية مسبقًا عبر أساور شبيهة بالمهرجانات.

 

كما تعرض الجمعية مجموعة نبيذ محدودة الإصدار يمكن للمشاركين شراؤها «كتذكار لهذا الحدث التاريخي». وتضم المجموعة أربعة أنواع من النبيذ، ويحمل كل زجاج منها ملصقًا خاصًا بأسقف من الأساقفة، يتضمن صورة القلنسوة الأسقفية أو الخاتم أو الصليب أو العصا الرعوية.

 

وتبلغ قيمة الصندوق التذكاري 75 فرنكًا سويسريًا، ويضم أنواعًا مثل بينو نوار وسيراه وبيتي أرفين وفيندان، ويمكن استلامه من موقع الحدث. ويرى فاجيولي أن هذا المستوى من التنظيم يدل على أن الجمعية «لم تكن تفكر أبدًا في التراجع» عن خطتها.

 

 

البابا يبدو مستعدًا للمضي قدمًا

 

تمثل هذه الرسامات تحديًا مباشرًا لوحدة الكنيسة ولسلطة البابا لاون الرابع عشر، إذ إن موافقة البابا على تعيين أساقفة جدد تعد تعبيرًا أساسيًا عن سلطته، كما أنها ضرورية لضمان الخلافة الرسولية، أي سلسلة انتقال السلطة الأسقفية من الرسل الأوائل وصولًا إلى اليوم.

 

لكن البابا الأميركي يبدو مستعدًا لقبول حدوث الاحتفال وتحمل الجميع للنتائج. وأشار لاون الرابع عشر الأسبوع الماضي إلى إنه يدرس توجيه نداء جديد إلى الجمعية للتراجع عن خطتها والعمل من أجل العودة إلى الشركة الكاملة مع الكنيسة.

 

وقال للصحفيين: «لكن هذا خيارهم. علينا أن ندرك ما يعنيه ذلك بالنسبة لهم وبالنسبة إلى الكنيسة». وأشار إلى أن انقسام المسيحيين يبقى دائمًا أمرًا مؤلمًا للكنيسة، لكنه قال إن الجمعية «ترفض قبول بعض العناصر الأساسية في الكنيسة، بدءًا من نقاط مختلفة في المجمع الفاتيكاني الثاني». وأضاف: «ورغم أنني أشعر بالأسف لهذا الخيار، علينا أن نواصل المسيرة».

 

 

ردود فعل التقليديين بين الرفض والتعاطف

 

منذ بداية حبريته، حاول البابا لاون الرابع عشر تهدئة العلاقات مع الكاثوليك التقليديين التي توترت خلال عهد البابا فرنسيس. ففي حين قدم البابا الأرجنتيني بعض التسهيلات لجمعية القديس بيوس العاشر، فإنه شدد القيود على انتشار القداس اللاتيني القديم بين تقليديين آخرين هم في شركة مع روما.

 

ويعارض هؤلاء التقليديون إجراءات فرنسيس، ويتعاطفون إلى حد ما مع انتقادات الجمعية حول وجود «أزمة» في الكنيسة اليوم، لكنهم لم ينضموا إليها، ويؤكدون أن الرسامات المرتقبة تمثل علامة غير قانونية على العصيان.

 

وقال جوزيف شو، رئيس جمعية القداس اللاتيني في إنجلترا وويلز، إن الرسامات المرتقبة للجمعية تهدف إلى أن تكون علنية جدًا، على عكس رسامات غير قانونية تقوم بها مجموعات هامشية أخرى «تجري في غرف الفنادق». وأضاف: «هناك مبدأ عام يقول إن للكاثوليك الحق في معرفة أن أسرارهم صحيحة، وهم (الجمعية) لديهم الموارد لتنظيم الأمر بشكل جيد».

 

أما لويجي كازاليني، من مدونة «ميسا إن لاتينو» المتخصصة بالقداس اللاتيني، فوصف الرسامات بأنها «غير قانونية بشكل خطير»، معتبرًا أن تبرير الجمعية لها بحالة الضرورة غير مقبول.

 

لكنه انتقد في الوقت نفسه ما اعتبره ازدواجية في تعامل الفاتيكان، إذ يهدد أساقفة الجمعية بالحرمان بسبب انحرافهم التقليدي المتشدد عن روما، بينما يواصل الحوار مع بعض الأساقفة الألمان حول إصلاحات يعتبرها منتقدوها بعيدة عن التعليم الكاثوليكي.

 

وقال كازاليني إن البابا لاون رفض لقاء بالياراني، بينما «لا تظهر الشدة نفسها تجاه تصريحات عقائدية في الكنيسة الألمانية تقترب بالفعل من الانشقاق».

 

وفي محاولة لمنع تكرار هذه الانتقادات، رفض الفاتيكان يوم الثلاثاء رسميًا طلبًا ألمانيًا بالسماح للعلمانيين بإلقاء العظات خلال القداس، مؤكدًا القواعد الكنسية التي تنص على أن العظة لا يلقيها إلا الكهنة والشمامسة.