موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
حوار أديان
نشر الأربعاء، ١١ مارس / آذار ٢٠٢٦
الوجود المسيحي في العالم العربي

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

يمثّل الوجود المسيحي في العالم العربي إحدى أقدم وأعمق وأغنى الظواهر التاريخية في الشرق الأوسط. فهو ليس عنصرًا هامشيًا ولا بقايا فولكلورية من عصور مضت، بل مكوّنًا بنيويًا في تاريخ المنطقة وثقافتها وهويتها.

 

والحديث عن المسيحيين في العالم العربي هو، في أحد أبعاده، حديث عن الجذور الأولى للمسيحية نفسها، إذ في هذه الأراضي وُلد الإيمان المسيحي وتشكّلت ملامحه الأولى. فمدن مثل القدس وأنطاكية والإسكندرية والرها ونصيبين والمدائن ليست مجرد مواقع جغرافية، بل مختبرات روحية وفكرية تشكّلت فيها ملامح التقليد المسيحي العالمي.

 

وقد رافق المسيحيون جميع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، من أواخر العصور القديمة إلى الحقبة الإسلامية، ومن العهد العثماني إلى نشوء الدول الحديثة، وأسهموا إسهامًا حاسمًا في تطور الحضارة العربية والشرقية عبر الفلسفة واللاهوت والطب والترجمة والأدب والتعليم وبناء المؤسسات السياسية.

 

وقد أنتجت المدرسة الإسكندرية، التي تميّزت بمنهج تفسيري رمزي للكتاب المقدس، شخصيات بارزة مثل أوريجانس وأثناسيوس، بينما قدّمت المدرسة الأنطاكية، ذات التوجّه التاريخي–اللغوي، لاهوتيين مثل ثيودور المصيصي ويوحنا الذهبي الفم. أما التقليد السرياني، الذي مثّله كتّاب مثل أفرام السرياني، فقد طوّر لاهوتًا شعريًا ورمزيًا يُعدّ من أكثر التعبيرات أصالة في المسيحية القديمة.

 

وفي هذا السياق، طوّر اللاهوت المسيحي الشرقي مقاربات فكرية أصيلة في فهم العلاقة بين المسيحية والإسلام. فقد قدّم يوحنا الدمشقي، الذي عاش في ظل الدولة الأموية، نموذجًا مبكرًا للاهوت الحوار والتمييز، معترفًا بأن الإسلام ظاهرة دينية ينبغي للمسيحيين التعامل معها بجدية. ورغم أن عمله في الهرطقات صنّف الإسلام ضمن "البدع"، فإنه يُعدّ من أوائل المحاولات المنهجية لتحليل الظاهرة الإسلامية، ويكشف عن تعقيد العلاقة بين الديانتين.

 

وقد استطاعت الكنائس الشرقية الحفاظ على هويتها وتقاليدها رغم التحديات السياسية والاضطهادات والتحولات الاجتماعية. وطوّرت أشكالًا من التعايش مع الأغلبية المسلمة، ورغم ما شاب هذا التعايش من توترات في بعض المراحل، فإنه أتاح للمجتمعات المسيحية البقاء والتطور لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا. ومن ثمّ، فإن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط لا يمكن اختزالها في ثنائية "أغلبية مقابل أقلية"، بل يجب فهمها بوصفها ظاهرة تاريخية مركّبة، تشكّلت عبر تفاعلات ثقافية واقتصادية واجتماعية أسهمت في صياغة هوية المنطقة.

 

ففي لبنان وسوريا ومصر والعراق، أسهم المسيحيون بصورة فعّالة في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وكان لهم حضور بارز في تطوير التعليم والصحافة والطب والإدارة العامة. وقد برز عدد من أهم المفكرين العرب في تلك الحقبة من المسيحيين، مثل بطرس البستاني، وجورجي زيدان، وخليل جبران، وميشيل عفلق، وغيرهم ممن كان لهم دور حاسم في النهضة الثقافية العربية وفي صياغة الفكر السياسي الحديث. ولم تكن مشاركتهم في الحياة العامة استثناءً، بل تعبيرًا طبيعيًا عن انتمائهم العضوي إلى المجتمع العربي. ومن ثمّ، فإن تجذّر المسيحيين في الشرق الأوسط ليس ظاهرة ثانوية أو هامشية، بل عنصرًا تأسيسيًا في الهوية التاريخية للمنطقة.

 

 

مسيحيو الشرق والبابوات

 

وقد عبّر البابا يوحنا بولس الثاني عن هذه الحقيقة في رسالته إلى أساقفة الشرق الأوسط عام 1991، حين أكد قناعته بأن «شرقًا أوسط بلا مسيحيين لن يكون الشرق الأوسط الذي نعرفه»، في رؤية واضحة تعتبر المسيحيين مكوّنًا بنيويًا في تشكيل المجتمعات العربية. كما ذكّر بأن «مسيحيي الشرق ليسوا غرباء ولا ضيوفًا عابرين، بل جزء أصيل من تاريخ هذه الأرض وهويتها». ولا تُعدّ هذه الكلمات مجرد خطاب رعوي، بل اعترافًا تاريخيًا بدور المسيحيين في بناء المجتمعات المشرقية منذ العصور القديمة، وإسهامهم في تطور الفلسفة والعلوم والطب والأدب والفنون.

 

وفي الرسالة الختامية لسينودس الشرق الأوسط (2010)، التي أقرّها البابا بندكتس السادس عشر، جاء التأكيد على أن المسيحيين يشكّلون «جزءًا لا يتجزأ من الشرق الأوسط» (الفقرة 3)، وأن وجودهم يُعدّ عنصرًا أساسيًا لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة (الفقرة 9). وتظهر الرؤية نفسها في الإرشاد الرسولي الكنيسة في الشرق الأوسط (2012)، حيث يصف البابا الوجود المسيحي بأنه «خير للمجتمع بأسره»، ويبرز رسالته التي لا يمكن الاستغناء عنها في السياق الإقليمي (الفقرة 31). كما يشير إلى أن المسيحيين يشكّلون مكوّنًا جوهريًا في النسيج الاجتماعي للشرق الأوسط، محذرًا من أن زوالهم المحتمل سيكون خسارة فادحة للمنطقة بأكملها (الفقرة 35).

 

وقد عبّر البابا فرنسيس بدوره عن قلقه العميق تجاه الأوضاع المؤلمة في الشرق الأوسط، وذلك خلال لقائه بالمشاركين في الجمعية الحادية والتسعين لـ"أعمال مساعدة الكنائس الشرقية"، حيث قال: «إن الشرق الأوسط اليوم يتألم ويبكي، فيما تنظر إليه القوى العالمية دون أن تأخذ في الاعتبار ثقافة تلك الشعوب وإيمانها وحياتها، بل تنظر إليه فقط بهدف تحقيق مزيد من السيطرة. إن الألم كبير، ولذلك لا يرغب كثير من المسيحيين في العودة إلى أراضيهم». وأكد أن «شرقًا أوسط بلا مسيحيين… لن يكون بعد اليوم شرقًا أوسط».

 

وفي نداء مشترك مع بطاركة الكنائس الشرقية في الفاتيكان بتاريخ 21 نوفمبر 2013، صرّح البابا فرنسيس: «لا يمكننا أن نستسلم لفكرة شرق أوسط بلا مسيحيين، أولئك الذين أعلنوا اسم المسيح منذ ألفي عام، مندمجين كمواطنين في الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية للبلدان التي ينتمون إليها». وأعرب عن «قلقه العميق» إزاء «ظروف حياة المسيحيين الذين يعانون بشدة في أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط من تبعات التوترات والصراعات الجارية»، مضيفًا: «من سوريا والعراق ومصر ومناطق أخرى من الأرض المقدسة تنهمر الدموع».

 

وكما أكد البابا فرنسيس، فإن «شرقًا أوسط بلا مسيحيين لن يكون بعد اليوم شرقًا أوسط». وهذه العبارة ليست مجرد تعبير بلاغي، بل اعتراف بالدور التاريخي والثقافي الذي أدّاه المسيحيون في المنطقة. فوجودهم يسهم في التنوع الديني، والغنى الثقافي، والتوازن الاجتماعي الذي ميّز الشرق الأوسط عبر قرون طويلة. وخلال زيارته للعراق عام 2021، صرّح البابا بأن «هذه الأرض المباركة ستكون أجمل عندما يبقى فيها المسيحيون، لأنهم يساهمون في بناء مجتمع قائم على الأخوّة». وتكشف هذه التصريحات، مجتمعة، عن رؤية كنسية ثابتة تعتبر المسيحيين جزءًا لا ينفصل عن الهوية التاريخية والثقافية للشرق الأوسط، وترى في استمرار حضورهم عنصرًا أساسيًا للحفاظ على التوازن الديني والثقافي في المنطقة. فوجودهم ليس مجرد مسألة ديموغرافية، بل قيمة مدنية وروحية واجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها.

 

 

الآفاق المستقبلية

 

تُفهم أزمة الوجود المسيحي في الشرق الأوسط ضمن إطار أوسع يشمل أزمة الدولة الوطنية، وتصاعد الحركات المتطرفة، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، والديناميات الجيوسياسية العالمية. فقد أدّت العولمة، والهجرات، والحروب، والثورات إلى تغييرات عميقة في بنية المنطقة، ووضعت موضع تساؤل الهياكل السياسية والاجتماعية التقليدية. وفي هذا السياق، يجد المسيحيون أنفسهم في موقع هشّ، بوصفهم أقلية عددية، وفي بعض الحالات أقلية يُنظر إليها على أنها متميزة ثقافيًا.

 

وترتبط الآفاق المستقبلية للوجود المسيحي في الشرق الأوسط بجملة من العوامل المتداخلة:

 

العامل الأول هو الاستقرار السياسي؛ إذ لا يمكن لأي جماعة أن تزدهر في غياب بيئة سياسية آمنة. فالحروب في العراق وسوريا، وعدم الاستقرار في لبنان، والتوترات في فلسطين، والصراعات الإقليمية، كلها أسهمت في خلق مناخ من انعدام الأمن يطال الأقليات الدينية بصورة خاصة. وفي هذا الإطار، تتحمّل الدولة مسؤولية جوهرية في حماية هذا الوجود من خلال ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، بما يضمن لجميع المواطنين، بغضّ النظر عن انتمائهم الديني، حقوقًا متكافئة في التعليم والعمل والتمثيل السياسي. كما يتعيّن على الدولة توفير بيئة قانونية وأمنية تحمي الأقليات من التمييز والعنف، وتمنحها شعورًا بالاستقرار يشجّعها على البقاء وعدم الهجرة.

 

العامل الثاني هو التنمية الاقتصادية. فهجرة الكفاءات، والبطالة بين الشباب، وغياب الفرص الاقتصادية، تمثّل من أبرز أسباب الهجرة المسيحية. ومن ثمّ، فإن خلق فرص العمل، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار في التعليم والتدريب المهني، تعدّ عناصر أساسية لضمان مستقبل مستدام للمجتمعات المسيحية.

 

أما العامل الثالث فيتعلق بـ حماية التراث الثقافي والديني. فدمار الكنائس والأديرة والمواقع الأثرية في العراق وسوريا يشكّل خسارة لا تُعوّض، ليس للمسيحيين وحدهم، بل للإنسانية جمعاء. وحماية هذا التراث مسؤولية مشتركة تتطلب تعاونًا بين الدول والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية.

 

العامل الرابع هو الحوار بين الأديان. فالتعايش بين المسيحيين والمسلمين حقيقة تاريخية في الشرق الأوسط، لكنه يحتاج اليوم إلى تجديد في الرؤية والممارسة لتجاوز التوترات وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل. والحوار ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة اجتماعية، إذ يسهم في الحد من الأحكام المسبقة، وتعزيز الفهم المتبادل، وترسيخ ثقافة السلام. وقد أكد البابا فرنسيس في وثيقة أبوظبي لعام 2019 أن «الأخوّة الإنسانية هي أساس السلام والعيش المشترك».

 

العامل الخامس هو إصلاح المؤسسات الدينية ودعم المؤسسات المسيحية. فمن الضروري تعزيز المؤسسات المسيحية التي تقدّم خدمات عامة للمجتمع، وإدماج المسيحيين في مشاريع التنمية الوطنية، وتثمين دورهم الاقتصادي والاجتماعي. كما يُعدّ دعم المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية المسيحية أمرًا حيويًا، نظرًا لدورها التاريخي في خدمة المجتمع بأسره، ولأن استمرارها يعزّز الحضور المسيحي ويبرز مساهمته في الحياة الوطنية.

 

 

الخاتمة

 

إن الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، رغم ما يواجهه من تحديات بنيوية وتعقيدات اجتماعية وسياسية، ما يزال عنصرًا حيًا وفاعلًا في نسيج المنطقة. وتؤدي المؤسسات التعليمية والصحية المسيحية دورًا محوريًا، إذ تقدّم خدمات أساسية لمجتمعات متعددة الانتماءات الدينية، وتسهم بفاعلية في تعزيز الخير العام. ويُعدّ الاعتراف بالقيمة التاريخية والثقافية والاجتماعية لهذا الوجود شرطًا أساسيًا لمواجهة التحديات الراهنة، ولإرساء أسس التعايش والتعددية والسلام المستدام في المنطقة.