موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
حوار أديان
نشر الثلاثاء، ١٤ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
البابا في الجامع الكبير بالجزائر: لنحترم بعضنا ولنبنِ السلام

فاتيكان نيوز :

 

بينما كانت عاصفة من الرياح والأمطار تضرب مدينة الجزائر، دخل البابا عند نحو الساعة الثالثة والخمس وخمسين دقيقة عصرًا إلى الجامع الكبير بعد أن جلس وخلع حذاءه. ولم يمكث داخله سوى أقل من عشر دقائق، أمضى جزءًا منها أمام المحراب في لحظة صمت وتأمل، برفقة عميد الجامع الشيخ محمد مأمون القاسمي، حيث دار بينهما لقاء خاص تخلله تبادل للهدايا وحوار أعاد فيه البابا التأكيد على أهمية "الاحترام" المتبادل، وصون "كرامة كل إنسان"، والدعوة إلى أن نكون "صانعي سلام ومغفرة".

 

وقبل ذلك، تجوّل الرجلان، وكلاهما يرتدي الأبيض، جنبًا إلى جنب بين الأعمدة البيضاء الناصعة التي تُبرز سجاد القاعة الأزرق المزخرف بالرسوم النباتية، وتحت ثريا بلورية ضخمة. ويجمع هذا المكان بين الفن الإسلامي التقليدي والتصميم المعاصر، ممتدًا على مساحة تقارب ٢٧ هكتارًا قبالة خليج الجزائر. ويُعد ثالث أكبر مسجد في العالم بعد مكة والمدينة، والأول في إفريقيا من حيث المساحة، إذ يتسع لنحو ١٢٠ ألف مصلٍ، ويتميّز بمئذنته التي يبلغ ارتفاعها ٢٦٧ مترًا، وهي الأعلى في العالم، إضافة إلى قبته الكبرى المغطاة بهيكل مزخرف بألواح من الألمنيوم المذهب، والتي تُرى من مسافات بعيدة وتكسر رتابة الأفق الرمادي.

 

داخل المسجد، لم تُلقَ كلمات، بل ساد الصمت، فيما كانت الأنظار متجهة نحو القباب البيضاء. وقد رافقت البابا شابة محجبة قدّمت له شرحًا مقتضبًا عن الجوانب التاريخية والفنية للمكان. كما حضر الزيارة الكاردينال جورج جايكوب كواكاد، عميد دائرة الحوار بين الأديان، والكاردينال جان بول فيسكو. وهذه هي الزيارة الثانية للبابا إلى مكان عبادة إسلامي بعد زيارته السابقة إلى الجامع الأزرق في إسطنبول. وقد رفع البابا رأسه مرارًا متأملًا أرجاء المكان، قبل أن يتجه نحو المحراب الذي يشير إلى اتجاه مكة حيث الكعبة. لبث هناك لحظات قليلة في صمت، ثم التقط صورة تذكارية مع عميد الجامع قبل أن ينتقلا إلى قاعة خاصة.

 

وفي هذا اللقاء، عبّر البابا عن امتنانه لوجوده في "مكان يمثّل فضاءً لله"، ضمن زيارته إلى الجزائر، "أرض أبيه الروحي القديس أوغسطينوس"، الذي علّم العالم الكثير، ولا سيما من خلال البحث عن الحقيقة والبحث عن الله، مع الاعتراف بكرامة كل إنسان وأهمية بناء السلام". وأضاف: "إن البحث عن الله يعني أيضًا التعرف على صورته في كل مخلوق، في كل رجل وامرأة خُلقوا على صورته ومثاله"، مؤكدًا ضرورة "تعلّم العيش معًا باحترام لكرامة كل إنسان".

 

كما أشاد البابا بوجود مركز للدراسات داخل المسجد، معتبرًا أن "من المهم أن ينمّي الإنسان قدراته الفكرية التي وهبها الله له، لكي يكتشف عظمة الخلق". وشجّع على "البحث عن الحقيقة" من خلال الدراسة، وعلى تنمية القدرة على إدراك كرامة كل إنسان، "لنتعلّم أن نحترم بعضنا، ونعيش في انسجام، ونبني عالمًا يسوده السلام".

 

وفي ختام كلمته، أكد البابا صلاته "من أجل شعب الجزائر" و"من أجل جميع شعوب الأرض"، لكي "يحضر سلام الله وعدله في ما بيننا"، وأن نزداد اقتناعًا بضرورة أن نكون "صانعي سلام ومصالحة وغفران، وأن نسعى لفهم إرادة الله تجاه خليقته".

 

وقبل مغادرته متوجهًا إلى حي باب الوادي لزيارة مركز الاستقبال والصداقة التابع للراهبات الأوغسطينيات، ثم إلى بازيليك سيدة إفريقيا، وقّع البابا في سجل الشرف. وجاءت رسالته بالفرنسية: "لتَحفظ رحمة العليّ الشعب الجزائري النبيل والعائلة البشرية جمعاء في السلام والحرية".