موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عيد صعود ربّنا يسوع المسيح من الأعياد السّيديّة الكبرى، والّذي يمثّل مرحلةً من مراحل التّدبير الخلاصيِّ من قبل الله لخلاص الإنسان. فالله خلّصنا من خلال تجسده، حياته وأعماله ومعجزاته، الآمه وموته وقيامته، وأيضًا صعوده إلى السّماء. إنَّه سرّ الإيمان الّذي لا نستطيع إدراكه أو احتوائه أو التّعبير عنه بطريقةٍ كاملةٍ. فجلوس يسوع عن يمين الآب يشير إلى اشتراكه وتساويه في المجد والسّلطان مع الآب.
هناك معانٍ كثيرة يمكننا التّأمل فيها في سرِّ الصّعود، نذكر منها:
يسوع يُبارك تلاميذه في جوٍ من الفرح، ويصعد أمام أعينهم وهم مسبّحين شاكرين الله. هذا الفرح هو علامة رجاء لنا اليومَ، في أنَّ لنا حياةً أبديَّةً، فالّذي صعدَ لم يتركنا – كوعده لنا: «ها أنا معاكم طوال الأيّام وإلى انقضاء الدّهر» (مت٢٨: ٢٠) - بل سيعود ويجذبنا إليه ثانيةً: «وأنا إنِ ارتفعتُ عن الأرض أجذبُ إليَّ الجميع» (يو١٢: ٣٢).
إنَّ النّهاية على الأرض هي بدايةٌ في السّماء، فالحياة الأرضيّة تكتمل في الحياة السّماويّة. فنحن لسنا مُخلّدين على الأرض، إنَّما حياتنا الأرضيّة هي مرحلةٌ مؤقتةٌ يليها حياة دائمة إلى الأبد في السّماء.
إنَّ يسوع بصعوده إلى السّماء أتمَّ التّدبير الخلاصيّ، وصالحنا مع الله، ونقض العدواة القديمة، وبنى جسرًا جديدًا يفتح لنا أبواب الخلاص السّمائيّة، فعادَ الإنسان لمصدر الحياة ثانيةً (الله)، بعد أن فارقه بالخطيَّة. كما ترك لنا سلامه الّذي لا يستطيع العالم أن يمنحه أو يتغلب عليه. كما نُصلّي في القدّاس الغريغوريّ قائلين: «صرتَ لنا وسيطًا لدى الآب، والحاجز المتوسط نقضته، والعداوة القديمة هدمتها، وصالحت الأرضيّين مع السّمائيّين، وجعلت الاثنين واحدًا، وأكملت التّدبير بالجسد. وعند صعودكَ إلى السّموات جسديًّا، إذ ملأت الكُلَّ بلاهوتكَ، قلت لتلاميذكَ ورسلكَ القدّيسين: سلامي أعطيكم، سلامي أنا أترك لكم»[1].
بصعود يسوع ربط الأرضيّين بالسّمائيّين، فأصبحت هناك شركةً بين الكنيسة المتألمة المجاهدة على الأرض والكنيسة المنتصرة الممجّدة في السّماء، أصبحَ لدينا شفعاء ووسطاء قدّيسين في السّماء يصلّوا عنَّا ويتشفعوا لنا أمام الله.
نحن في حاجةٍ اليوم وسط صعوباتنا واضطراباتنا الكثيرة وقلقنا الدّائم إلى الإيمان بحضور يسوع المُفرح في حياتنا، والذّي يمنحنا أن نعيشَ وسط الأزمات بصبرٍ وفرحٍ، ولدينا رجاءٌ عظيمٌ في يسوع المسيح، القادر أن ينتشلنا من ضعفاتنا وسقطاتنا، ويمنحنا تعزية القلب والفرح الدّاخلي وسلام النفس. فيسوع المسيح رئيس السّلام ومصدره قادرٌ أن يمنحنا السّلام الدّائم الّذي لا يعرفه العالم.
يُمثّل سرّ الصّعود سموًا وارتقاءً ونزاهةً عن الأمور الأرضيَّة الجسديَّة. فإذا كنَّا نقول إنَّ التّوبة (ميتانويا) هي تغيير القلب والفكر، يمكننا القول أيضًا أنَّ الصّعود هو ارتقاء القلب والفكر. ارتقاء القلب؛ من مشاعر الغيرة والأنانيّة والذّاتيّة إلى مشاعر حُبّ الخير للغير، من مشاعر الشّهوة والنّجاسة والخطيّة إلى مشاعر الطهّارة والنّعمة والقداسة، من قلبٍ يتكلّم بمنطق البشر من فهلوةٍ وخبثٍ إلى قلبٍ ينطق ويفكر بقلب الله الرّحيم ومحبّته اللاّمتناهية. فعندما يتغيّر الإنسان يمنحه الله قلبًا جديدًا ومشاعر جديدة واحساسًا جديدًا.
أمَّا عن ارتقاء الفكر؛ فهو كما يُعبّر القدّيس يعقوب في رسالته الإصحاح الثّالث (يع٣: ١٣-١٨)، هو الانتقال من الحكمة الأرضيَّة إلى الحكمة السّماويّة. الحكمة الأرضيَّة هي حكمةٌ نفسانيَّةٌ شيطانيَّةٌ تشمل: الغيّرة، التحزّب، الطموح الأنانيّ، الكذب، التّشويش، كلّ أمرٍ رديءٍ. أمَّا الحكمة السّماويّة هي حكمةٌ روحانيّةٌ إلهيَّةٌ تشمل: الوداعة، حُسن التصرّف، النّقاء والطهّارة، سلام القلب وتجنّب النّزاعات، التّرفق واللّطف، الصّبر وتفهم أخطاء الآخرين، طاعة الله، الرّحمة، العناية بالمحتاجين، الثّمار الصّالحة. حكمةٌ عديمة الرّيب والرّياء (صادقةٌ، شفافةٌ، غير متحيزةٍ، لا تتعامل بوجهينِ).
كما عرفَ الإنسان الأوّل (آدم) الخطيئة بالجسد، خلّصنا الإنسان الجديد (يسوع المسيح) أيضًا بالجسد[2]؛ فيسوع الّذي وُلد متجسّدًا: «الكلمة صارَ جسدًا» (يو١: ١٤)، آخذًا جسده البشريِّ من قبل أمّه مريم العذراء (الله تزوّج الطبيعة البشريَّة – تعبير الآباء الشّرقيّون)، وعاشَ بالجسد حيثُ شابهنا في كُلِّ شيءٍ ما عدا الخطيئة - «لم يكتفِ بأن يكونَ أو أن يظهرَ فقط في جسدٍ. فلو أرادَ فقط أن يظهرَ في جسدٍ، لاختار لنفسه جسدًا أروع. لا، فجسدنا هو ما اتّخذه. ولا كيفما كان، بل اتّخذه من عذراءٍ بلا خطيئةٍ ولا دنسٍ، ولم تكن قد عرفتْ رجلاً: فهو جسدٌ طاهرٌ على الإطلاق، وغريبٌ عن كُلِّ تدخّل إنسانٍ» (القدّيس أثناسيوس الرّسوليّ) - تألم ومات وقُبر بالجسد، وقامَ أيضًا بجسدٍ ممجّدٍ يحمل خصائص المادة والرّوح؛ حيثُ يصفه الكتاب المقدّس أنَّ له لحمٌ وعظمٌ، يأكل مع تلاميذه وهو أيضًا يدخل والأبواب مُغلّقة، كما أنَّه يصعد إلى السّماء أمام تلاميذه بالجسد. في كُلِّ ذلك تظهر كرامة الجسد من قبل الله.
يسوع هنا يُظهر قيامته وصعوده ليس بلاهوته فقط، وإنَّما أيضًا بجسده. يسوع خلّصنا بكامل لاهوته وكامل ناسوته، ولم يُفارق ناسوته لاهوته في قيامته أو صعوده إلى السّماء (لاهوته لم يُفارق ناسوته لحظةً واحدةً أو غمضة عين). فلم يكن الخلاص أمرًا إلهيًّا فقط لا يمس جوهر كِيان الإنسان؛ فالله خلقَ الإنسان بكلمةٍ: «كُنْ فيكون» (تك١-٢)، هكذا خلّصنا بكلمته، وما كلمته سوى ابنه يسوع المسيح[3]. هذا الخلاص تتطلّب أن تتجسّد هذا الكلمة (يسوع المسيح)، ليصيرَ الإله مخلوقًا والجابل جبلته، مجدّدًا طبيعة الإنسان السّاقطة والفاسدة بسبب خطيته.
إذًا جسدنا ليس شرًّا، كما كان يعتقد الغنوسيّون في القرون الأولى، بأنَّ المادة شريرة. ولكن الله خلقنا بالجسد لنعبده ونسبّحه ونسجد له، وهذا يظهر جليًّا في اللّيتورجيا والطقوس من خلال الحركات الجسديَّة الطقسيَّة (رشم الصّليب، الانحناء، السّجود، الوقوف...الخ)، حيثُ نعبد الله بالجسد وليس بالكلمة أو الرّوح فقط.
يسوع المسيح (الابن) خرجَ من عند الآب يحمل جوهرًا إلهيًّا فقط، وتجسّد إنسانًا يحمل طبيعتينِ إلهيَّة وإنسانيَّة، ثمَّ صعدَ إلى حضن الثّالوث إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً، بخلاف ما خرجَ. فإنسانيّة يسوع قد تمجّدت بصعوده إلى السّماء.
المحبَّة الأصيلة النّابعة من قلب الثّالوث تجسّدت، وصارت بشرًا، وعاشت وسط البشر معلنةً محبَّة الله للبشر، فغفرت الخطايا وشفت المرضى وأقامت الموتى، ثمَّ قدّمت ذاتها ضحية سرور مرضيّة على الصّليب لخلاص البشر، ثمَّ قامت هذه المحبَّة من براثن الموت وقبر الخزي والهوان: «المحبَّة لا تسقط أبدًا» (١كو١٣: ٨)، ثمَّ صعدت إلى السّماء وعادت إلى موطنها الأصلي في حضن الثّالوث تحمل الطبيعة الإنسانيَّة في حضن الله، فالبشريّة بكُلِّ الآمها وأفراحها دخلت في قلب العلاقات الثّالوثيّة. إنَّها حقًّا محبَّة الله في ديناميكيّة مستمرة مع الإنسان (حركة، تفاعل، تبادل، تجاوب بين الله والإنسان).
من هنا جاء الحديث عن إشكاليّةٍ لاهوتيَّةٍ قديمةٍ حديثةٍ: هل الله يتغيّر ويتأثر؟ طبقًا للفلسفة؛ الله لا يتأثر ولا يتغيّر، وليس فيه أي تغييرٍ. جوهر الله واحدٌ، بسيطٌ، أبديٌّ، كاملٌ، غير محدودٍ. فالله يتّسم بالوحدة والبساطة والوحدانيَّة. أرسطو كان يرى أنَّ الله خلقَ العالم بواسطة عملاء نظرًا لتساميه المطلق، ولم يطرأ عليه أي تغييرٍ بالخلق، ولا أي علاقةٍ بالخليقة. وطبقًا لإيماننا المسيحيِّ؛ بالتّجسُّد صارَ ابن الله الأبديّ هو الابن المتجسّد، فإنسانيّة يسوع لم تختفِ بعد قيامته وصعوده، وبجلوس الابن عن يمين الآب دخلت الإنسانيَّة في الحياة الدّاخليّة للثّالوث، وأصبحت في قلب الله.
إذًا بموجب صعود يسوع الممجّد، دخل البشر وتاريخهم قلب الثّالوث، فيسوع الّذي خرجَ من عند الآب إلهًا، عادَ وصعدَ إلهًا وإنسانًا. فالله يجمع بين أُلوهيّته وإنسانيّته، بين تساميه وتواضعه، بين تغيّره وعدم تغيّره. يرى القدّيس توما الأكويني أنَّ الله لا يتغيّر عندما يتغيّر. وأيضًا العالم اللاّهوتيّ الألماني كارل راهنر يرى أنَّ الله لم يتغيّر في ذاته (طبيعته وجوهره)، لكنَّه تغيّر في آخر (التّجسُّد، الفداء، الصّعود)، قائلاً: «الله يستطيع أن يصبحَ شيئًا ما، الّذي هو في ذاته ثابتٌ يستطيع أن يكونَ آخر مُتحرّك»[4].
يُمثّل الصّعود تتويج لمسيرة حياة يسوع ابن الله على الأرض، وختام لظهوراته بعد القيامة؛ حيثُ يأخذ حضور يسوع شكلاً وطابعًا مختلفًا، من الحضور الجسديِّ المادي منذُ ولادته حتّى دفنه في القبر، إلى حضور إفخارستيّ مع تلميذي عمّاوس: «فلمَّا اتّكأ معهما، أخذَ خبزًا وباركَ وكسَّرَ وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه ثُمَّ اختفى عنهما» (لو٢٤: ٣٠-٣١).
الحضور/الجسد الإفخارستيّ (الجسد السّرّي -الآباء الشّرقيّون) يتمَّ في كُلِّ ذبيحةٍ إلهيَّة (القدّاس)؛ حيثُ يتحوّل الخبز إلى جسدٍ حقيقيٍّ، والخمر إلى دمٍ حقيقيٍّ ليسوع المسيح بطريقةٍ جوهريَّةٍ. وهذا هو إيمان الكنيسة حيثُ يسوع يحلَّ فينا بداخلنا ويتّحد بأجسادنا، لنصيرَ شركاء في طبيعته الإلهيَّة.
كذلك هناك نوعٌ آخر من الحضور هو الحضور الكنسيِّ (الجسد البشريّ – البابا بيّوس الثّاني عشر)، وذلك بحسب تعبير بُولُس الرّسول أنَّه رأس الكنيسة، ونحن أعضاء هذا الجسد (١كو١٢: ١٢-٣١). فالكنيسة هنا لا تعنى المبنى، ولكن جماعة المؤمنين الّذي يُوحّدهم الرّأس الواحد يسوع المسيح.
هكذا يرى القدّيس أغسطينوس أنَّ يسوع بصعوده إلى السّماء لم يُفارق البشريَّة، وإنْ كان في السّماء، كما أنَّه لم يُفارق السّماء حين كان على الأرض. فحضور يسوع تحوّل من الحضور الجسديِّ إلى الحضور الإفخارستيِّ إلى الحضور الكنسيّ.
لقد طمأن يسوع تلاميذه ووعدهم بحضور المُعزِّي معهم قائلاً: «أنا أطلبُ من الآب فيُعطيكم مُعزِّيًّا آخر ليمكث معكم إلى الأبد» (يو١٤: ١٦)، «إنَّه خيرٌ لكم أن أنطلقَ، لأنَّه إنْ لم أنطلق لا يأتيكم المُعزِّي، ولكن إنْ ذهبتُ أُرسله إليكم» (يو١٦: ٧). فالرّوح القدس هو الحضور غير المرئي لله، الّذي يعزينا ويرشدنا ويرافقنا ويذكّرنا بكُلِّ ما قاله المسيح.
في النّهاية، ينطلق إيماننا المسيحيِّ على قول ما قاله يسوع لتوما بعد قيامته: «طوبى للذّين آمنوا ولم يروا» (يو٢٠: ٢٩). نحن لم نرى يسوع جسديًّا ولكن إيماننا به مبني على إيمان الرّسل الذّين عاشوه واختبروه وتقابلوا معه، وهذا هو معنى تسلّم وديعة الإيمان من الكنيسة الأوّلى حتّى كنيسة اليوم. فالإيمان الحقيقي أصبح بالاختبار القلبي والعقل المستنير والإرادة الصّالحة، حيثُ يتكلّم الله لقوانا الثّلاثة.
المصادر والمراجع
- جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!! دراسة كريستولوجيّة، دار لوغوس، القاهرة، ٢٠٢٤.
- مكتبة المحبَّة، الخولاجي المقدّس، مطابع شركة تريكرومى، القاهرة، د.ن.
[1] مكتبة المحبَّة، الخولاجي المقدّس، ص١٥١.
[2] لقد اتّخذَ المسيح من الجسد وسيلةً لتحقيق عمل الخلاص، فكما يقول العلاّمة ترتليانس: «الجسد ركيزة الخلاص» (Caro Salutis Cardo)، لكي يعتقنا ويُحرّرنا من رباطات الخطيئة الّتي تمّت بالجسد: «قد صالحكم الآن في جسم بشريّته بالموت، ليُحضركم قدّيسيّن وبلا لومٍ ولا شكوى أمامه» (كول١: ٢٢)، ويذكر أيضًا القدّيس إيريناوس: «مع التّجسُّد اتّخذَ اللّوغوس الطّين (الجسد)، لذلك تمَّ الخلاص بالجسد وللجسد أيضًا»، ويقول القدّيس أغسطينوس في ذلك الشّأن: «لقد أعماكَ الجسد فسوف يشفيكَ الجسد. جاءَ المسيح في الجسد ليطفئ فيكَ شهوة الجسد»، والقدّيس أغناطيوس الأنطاكي: «لو كانت الآم المخلّص غير حقيقيّةٍ، ولو لم يصر الرَّبُّ يسوع إنسانًا لمَّا خلصت البشريَّة». را. جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، ص٣٤-٣٥، ٣٨.
[3] يرى القدّيس أغسطينوس أنَّ الله خلقنا بدون إرادتنا، ولكنَّه يخلّصنا بإرادتنا.
[4] را. جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، ص٩٥-٩٨.