موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ٦ يوليو / تموز ٢٠٢٦
الإنشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

إنّ الانشقاق، في المنظور اللاهوتي والكنسي، يُعدّ من أخطر الظواهر التي يمكن أن تُصيب جسد الكنيسة، لما ينطوي عليه من مساس مباشر بجوهر وحدتها القائمة على الشركة الإيمانية والأسرارية والرسولية. فالكنيسة، وفق تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، ليست جماعة روحية غير منظورة فحسب، بل هي شركة مرئية ذات بنية تراتبية محدّدة، تتجلّى في وحدة الإيمان والأسرار وفي الارتباط العضوي بخليفة بطرس والأساقفة الشرعيين. ومن هذا المنطلق، لا يُفهم الانشقاق بوصفه مجرّد إنكار لعقيدة من عقائد الإيمان كما في الهرطقة، ولا تركاً كاملاً للإيمان المسيحي كما في الارتداد، بل هو انفصال فعلي عن الشركة الكنسية من خلال رفض الخضوع للسلطة الكنسية الشرعية أو رفض الشركة مع المؤمنين الخاضعين لها. وهذا الانفصال يمسّ البنية المرئية للكنيسة، لأنّ الشركة مع الحبر الروماني ومع الأساقفة تمثّل العلامة المنظورة لوحدة الكنيسة التي تُظهرها جسداً واحداً للمسيح.

 

وفي سياق توضيح الأساس اللاهوتي لهذه الشركة، يقدّم الدستور المجمعي في الوحي الإلهي رؤية متكاملة للتقليد المقدّس والكتاب المقدّس بوصفهما يشكّلان معاً وديعة كلمة الله الواحدة التي أُوكلت إلى الكنيسة. ويُبرز اللاهوت الكاثوليكي أنّ الطابع الكنسي للإيمان يستلزم بالضرورة الارتباط المستمرّ بالسلطة التعليميّة، لأنّ هذه السلطة ليست فوق كلمة الله، بل هي سلطة خدمة، لا تعلّم إلا ما تسلّمته، وتقوم، بتكليف من الله وبمعونة الروح القدس، بالإصغاء إلى الوحي بتقوى، وحفظه بقداسة، وعرضه بأمانة. ومن هذه الوديعة الواحدة تستقي الكنيسة كلّ ما تقدّمه من حقائق يجب الإيمان بها بوصفها موحاة من الله. ولهذا السبب، لا يمكن فصل السلطة التعليميّة عن الكنيسة، لأنّها تُعدّ وظيفة أساسية ترافقها مواهب تُمنح للجماعة ولأجل الجماعة، وتُمارس في إطار الشركة الكنسية التي تُعدّ شرطاً لبنيتها ولرسالتها.

 

أقرَّ الشَّرع اللاتيني والشَّرقي الكاثوليكيّ الإطار تشريعي الذي يحدّد طبيعة الجرائم التي تمسّ الإيمان ووحدة الكنيسة، ويبيّن العقوبات المترتّبة عليها، مع اختلافات دقيقة تعكس البنية الكنسية الخاصة بكل من الكنيسة اللاتينية والكنائس الشرقية الكاثوليكية.

 

ففي الشرع اللاتيني، ينصّ القانون 1364: البند 1- يعاقب كل من جحد الإيمان، وإنتمى إلى هرطقة أو إنشقاق عن الكنيسة، بعقوبة الحرم، الصادرة بحكم تلقائي، مع مراعاة أحكام القانون 194 البند 1 الفقرة 2؛ ويجوز، علاوة على ذلك، معاقبة الإكليريكيّ بالعقوبات الواردة في القانون 336 البند 1 الفقرتين 2 و3. البند 2- يجوز إضافة عقوبات أخرى، بما فيها عقوبة الإعفاء من الحالة الإكليريكيّة، إذا ما ظل المتَّهم على تعنته، أو تطلّبت ذلك جسامة الشك.

 

هذا النصّ يعكس بوضوح الطبيعة المركزية للسلطة الكنسية في التقليد اللاتيني، حيث تُعتبر الجرائم ضدّ الإيمان جرائم خطيرة تمسّ وحدة الكنيسة، ولذلك تُفرض عليها عقوبة الحرم تلقائياً (latae sententiae) بمجرد تحقق الفعل، دون الحاجة إلى حكم قضائي أو إداري. وهذا الطابع التلقائي للعقوبة يعكس رؤية لاهوتية–قانونية تعتبر أنّ الهرطقة والانشقاق والارتداد هي أفعال تقطع الشركة الكنسية بصورة مباشرة، وأنّ هذا القطع يُحدث أثراً قانونياً فورياً، لأنّ الشركة مع الكنيسة شرط أساسي للمشاركة في الأسرار وللقيام بالوظائف الكنسية.

 

أمّا القانون الشرقي 1436 بند 1، ينصّ: "من أنكر إحدى الحقائق التي يجب الإيمان بها كإلهيَّة وكاثوليكيّة، أو شكّك فيها، أو جحد الإيمان المسيحيّ برمّته، وأنذر على وجه شرعي ولم يرتدع، يعاقب بالحرم الكبير كهرطوقيّ أو جاحد، والإكليريكيّ يمكن أن تنزل به فضلا عن ذلك عقوبات أخرى بما في ذلك [عقوبة] الحطّ".

 

يُظهر هذا النصّ اختلافاً جوهرياً عن القانون اللاتيني، إذ لا تُفرض العقوبة تلقائياً، بل تتطلّب إنذاراً شرعياً وعدم ارتداع، ما يعني أنّ العقوبة في النظام الشرقي هي عقوبة ferendae sententiae تُفرض بقرار من السلطة المختصة، وليس بحكم تلقائي. وهذا يعكس الطبيعة السينودسية للكنائس الشرقية، حيث تُعطى أهمية كبيرة للبعد الرعوي وللمعالجة التدريجية قبل فرض العقوبة، ولضرورة التمييز بين الخطأ العقائدي العرضي وبين الهرطقة الفعلية التي تستوجب العقوبة. كما أنّ القانون الشرقي يركّز على ضرورة الإنذار الشرعي، ما يعني أنّ الكنيسة الشرقية تمنح المخطئ فرصة للعودة إلى الشركة قبل فرض العقوبة، وهو ما يتوافق مع تقليدها الروحي الذي يعطي الأولوية للشفاء الروحي قبل العقاب القانوني. ومع ذلك، فإنّ كلا القانونين يعتبران الإنشقاق جريمة خطيرة تمسّ وحدة الكنيسة، لأنّ الشركة الكنسية ليست أمراً ثانوياً، بل هي عنصر بنيوي في هوية الكنيسة ورسالتها. والجرائم العقائدية ليست مجرد أخطاء فكرية، بل هي أفعال تقطع الشركة الكنسية وتستوجب معالجة قانونية تهدف إلى حماية وحدة الإيمان والجماعة الكنسية، وأنّ العقوبات المفروضة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة رعوية لإعادة الشخص إلى الشركة التي تُعدّ شرطاً لعيش الإيمان داخل جسد المسيح.

 

لا يحدّد الشرع الشخص الذي يجب اعتباره جاحداً أو هرطوقيّاً أو منشقاً. فلكي نحدّد العنصر الموضوعي للجريمة يجب اللجوء إلى القانون اللاتيني 751: يُدعى هرطقة، الانكار العنيد، بعد قبول المعموديَّة، لأيّة حقيقة يجب الإيمان بها إيماناً إلهيّاً وكاثوليكياً، أو الشك العنيد فيها؛ ويُدعى جحوداً، انكار الإيمان المسيحيّ كليّاً؛ ويُدعى إنشقاقاً، الخروج على الطاعة للحبر الأعظم، أو الخروج على الشَّركة مع أعضاء الكنيسة الخاضعين له". يعتبر هذا القانون أنّ الجرائم المذكورة فيه، يرتكبها فقط المؤمن بعد الحصول على سرّ المعموديَّة، فغير المعمّد لا يخضع لهذه الجرائم. وأيضاً الذين جحدوا الإيمان واعتنقوا هرطقة وانشقوا عن الكنيسة ولم يبلغوا السادسة عشرة من عمرهم.

 

والإنشقاق، وفقاً للقانون اللاتيني 751 يجب أن يتضمّن موضوعاً مباشراً للخضوع للحبر الروماني وللشركة الكنسيّة: "الخروج على طاعة الحبر الأعظم، أو الخروج على الشَّركة مع أعضاء الكنيسة الخاضعين له". ويرتكب جريمة الإنشقاق ليس فقط من يتهرب من الشَّركة مع الكنيسة الجامعة ولكن أيضاً من يرفض الشَّركة مع السُّلطة الكنسيّة على الصعيدين الوطني والمحلي. لذلك يعتبر منشقاً ويخضع لعقوبة من يتهرب من الشَّركة مع أسقفه، لأي سبب كان.

 

عالج الشَّرع اللاتيني الحالي مسألة الإنشقاق عن الكنيسة الكاثوليكيّة defectio ab Ecclesia بإستخدام ثلاث صفات: 1- الإنشقاق العام: الذي يشير إلى فعل حر، واع ومراد من المؤمن، يمكن معرفته أو كشفه في المحكمة الخارجيّة لعدد قليل من المؤمنين (ق.لاتيني 130). 2- الإنشقاق العلنيّ: إظهار أفكار تتعارض مع الإيمان الكاثوليكي بشكل علنيّ، كانضمّام المؤمن في بدعة أو تنظيم يمارس عقائد دينية أو أيديولوجية تتناقض مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكيّة. 3- الإنشقاق بفعل رسمي: هو إجراء قانونيّ يتممه المؤمن بوعي وبقصد صريح (ق.لاتيني 124 البند1)، والذي يتجلى ظاهريا (ق. لاتيني 130) أمام السُّلطة الكنسيّة المختصّة.

 

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى المبادئ التوجيهية الصادرة عن المجلس الحبري للنصوص التشريعية سنة 2006 والتي تُعدّ من أهم النصوص التفسيرية التي قدّمت فهماً رسمياً لمفهوم «العمل الرسمي للانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية»،  ويهدف النص إلى تحديد المعايير الدقيقة التي تجعل فعل الانفصال عن الكنيسة فعلاً قانونياً ذا آثار كنسية، وليس مجرّد موقف داخلي أو إجراء إداري:

 

1. لكي يكون التخلّي عن الكنيسة الكاثوليكيّة صحيحا من خلال " actus formalis defectionis ab Ecclesia catholica " يجب أن يتواجد: أ) قرار داخليّ لمغادرة الكنيسة الكاثوليكيّة؛ ب) تنفيذ وإظهار خارجي لهذا القرار؛ ج) قبول مثل هذا القرار من قبل السُّلطة الكنسيّة المختصّة.

 

2. مضمون فعل الإرادة يجب أن يكون الانفصال عن روابط الشَّركة-الإيمان والأسرار والحكم الراعويَّة - التي تسمح للمؤمنين بقبول حياة النعمة داخل الكنيسة. وهذا يعني أن مثل هذا الفعل الرسمي من إنشقاق ليس لديه فقط طابعا قانونيّاً إداريّاً (مغادرة الكنيسة بمعنى السجلات مع العواقب المدنية)، بل إنَّه يعكس الانفصال الحقيقيّ عن العناصر الأساسيّة لحياة الكنيسة: فإنه يفترض فعل هرطقة، بدعة أو إنشقاق.

 

3. فعل التخلّي القانونيّ الإداريّ عن الكنيسة، في حدّ ذاته، لا يستطيع تشكيل فعل رسمي من إنشقاق على نحو ما هم مقصود في الشَّرع اللاتيني، لأنه قد تبقى إرادة المثابرة في شركة الإيمان. من ناحية أخرى، الهرطقة الرسمية أو الماديّة، الإنشقاق والبدعة لا تشكل لوحدها فعلاً رسمياً من الإنشقاق، إذا لم يتحقّق بشكل ظاهري وإذا لم تكن ظاهرة  كما يجب أمام سلطة الكنسيّة.

 

4. يجب أن يكون، فعلاً قانونيّاً صحيحاً اتّمه شخص مؤهل قانونيّا ووفقاً للتشريع الكنسيّ الذي ينظّمه (ق. 124-126). هذا الفعل يجب أن يتم إصداره بشكل شخصيّ، واعي وحر.

 

5. يطلب أيضاً أن يتم التعبير عن هذا الفعل من قبل الشَّخص المعني كتابة، أمام السُّلطة المختصّة للكنيسة الكاثوليكيّة: الرئيس الكنسيّ أو كاهن رعيته، الذي لديه اختصاص للحكم في وجود أو لا في فعل إرادة محتوى الرقم 2.

 

ونتيجة لذلك، فقط تطابق العنصران - الوجه اللاهوتية للفعل الداخليّ وتجليه على نحو نهائيّ- يشكّل actus formalis defectionis ab Ecclesia catholica ، مع العقوبات الكنسيّة (ق. 1364، § 1 ). 6. في هذه الحالات، تهتم السُّلطة الكنسيّة نفسها المختصّة بكتابة ملاحظة في سجل المعموديَّة (ق. 535، § 2) واقعة " defectio ab Ecclesia catholica actu formali ". 7. مع ذلك، من الواضح أن الرباط الأسراري للانتماء إلى جسد المسيح الذي هو الكنيسة، باقي، لأنّ الطابع السرّيّ في المعموديَّة، هو رباط انطولوجي دائم ولا يلغى لاية سبب أو فعل من إنشقاق".

 

وبذلك، تُقدّم الوثيقة فهماً متكاملاً يجمع بين اللاهوت والقانون، ويُظهر أنّ الانفصال الرسمي عن الكنيسة ليس مجرّد إجراء إداري، بل هو فعل لاهوتي–قانوني يمسّ الشركة الكنسية في جوهرها، ويتطلّب إرادة واضحة، وإعلاناً رسمياً، وتعاملًا قانونياً دقيقاً، مع الحفاظ على الحقيقة اللاهوتية الأساسية: أنّ المعمودية تُنشئ رابطة لا تُمحى بين الإنسان والكنيسة، وأنّ هذه الرابطة تبقى قائمة حتى في حالات الانفصال الرسمي.