موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«أنتم مدعوون لحماية الحقيقة بصرامة ولكن من دون جمود، ولممارسة المحبة بلا تقصير». وجّه البابا لاون الرابع عشر هذه الدعوة إلى أعضاء محكمة روتا الرومانية بالكرسي الرسولي يوم الاثنين 26 كانون الثاني 2026، بمناسبة افتتاح السنة القضائية.
وتعمل محكمة روتا الرومانية عادةً كمحكمة استئناف عليا لدى الكرسي الرسولي، بهدف حماية الحقوق داخل الكنيسة. كما تُعزّز وحدة الفقه القانوني، وتقدّم، من خلال قراراتها، المساعدة للمحاكم الأدنى درجة. وتضم المحكمة أيضًا المكتب المختص بالنظر في عدم إتمام الزواج ووجود سبب شرعي لمنح الإعفاءات. كما يُناط بهذا المكتب النظر في حالات بطلان الرسامات، وفقًا لأحكام القانون الكنسي العام والخاص، بما يتناسب مع كل حالة على حدة. وتتكوّن المحكمة من هيئة قضائية تضم عددًا من القضاة ذوي الخبرة والعلم والاختصاص، يتم اختيارهم من قبل البابا من مختلف أنحاء العالم.
بدأ البابا شكره للقضاة على عملهم، واصفًا إياه بأنه «خدمة ثمينة للوظيفة القضائية العالمية التي تتولاها سلطة البابا، والتي دعاكم الرب للمشاركة فيها»، مشيرًا إلى أن الآية «Veritatem facientes in caritate»"مجسدين الحق بالمحبة" (أفسس 4، 15) ينطبق على مهمتهم اليومية في إقامة العدل.
وتناول البابا موضوعًا أساسيًا لطالما كان محورًا في الخطابات الموجهة إلى محكمة روتا الرومانية منذ البابا بيوس الثاني عشر وحتى البابا فرنسيس، والمتعلق بـعلاقة نشاطهم بالحقيقة المتأصلة في للعدالة. وقال: «في هذه المناسبة، أود أن أقترح عليكم بعض التأملات حول العلاقة الوثيقة القائمة بين حقيقة العدالة وفضيلة المحبة. فهما ليسا مبدأين متعارضين، ولا قيمتين يجب موازنتها وفق معايير عملية بحتة، بل هما بعدان مرتبطان جوهريًا، يجدان تناغمهما الأعمق في سرّ الله ذاته، الذي هو المحبة والحق».
وأضاف أن «هذا الارتباط يستلزم تفسيرًا نقديًا مستمرًا ودقيقًا، إذ غالبًا ما ينشأ في ممارسة النشاط القضائي توتر جدلي بين متطلبات الحقيقة الموضوعية ومقتضيات المحبة».
قال: «يُلاحظ أحيانًا خطر أن يؤدي التماهي المفرط في تقلبات المؤمنين إلى نسبية خطيرة للحقيقة». وأضاف: «في الواقع، إن الشفقة التي يُساء فهمها، وإن كانت مدفوعة ظاهريًا بغيرة راعوية، تخاطر بطمس البعد الضروري لإثبات الحقيقة الخاص بالوظيفة القضائية». تابع: «يمكن أن يحدث هذا، ليس فقط في دعاوى بطلان الزواج -حيث قد يؤدي إلى قرارات ذات صبغة راعوية تفتقر إلى أساس موضوعي صلب- بل أيضًا في أي نوع من الإجراءات، مما يضعف صرامتها وإنصافها».
ومن ناحية أخرى، حذّر الأب الأقدس من أنّه «قد يحدث أحيانًا تأكيد بارد ومنفصل للحقيقة لا يأخذ في عين الاعتبار كل ما تطلبه محبة الأشخاص، مع إغفال تلك الاهتمامات التي يمليها الاحترام والرحمة، والتي يجب أن تكون حاضرة في جميع مراحل المحاكمة».
وفي الحديث عن العلاقة بين الحقيقة والمحبة، أكّد البابا أن القديس بولس قدّم «توجيهًا واضحًا» عندما حضّ في رسالته إلى أهل أفسس بالقول: «إذا عملنا للحق بالمحبة نمونا وتقدمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الذي هو الرأس، نحو المسيح».
وكرر البابا: «إنّ "عاملين للحق بالمحبة" لا يتعلّق الأمر فقط بالتكيّف مع حقيقة نظرية، بل بـ"صنع الحقيقة"، أي الحقيقة التي يجب أن تنير كل عمل. ويجب أن يتم ذلك "في المحبة"، التي هي المحرّك العظيم الذي يؤدي إلى إحقاق العدالة الحقيقية».
ولفت البابا إلى أنّ «المحاكمة ليست في حد ذاتها توترًا بين مصالح متضاربة، كما يُساء فهمها أحيانًا، بل هي الأداة التي لا غنى عنها لتمييز الحقيقة والعدالة في الحالة المعروضة». وتناول قداسته طبيعة الجدل في العملية القضائية، موضحًا العناصر الدقيقة اللازمة لتقييم هذه الحالات الحساسة والتحقق بشكل صحيح من الحقّ. وأشار إلى أن «عدم مراعاة هذه المبادئ الأساسية للعدالة -وتشجيع التفاوت غير المبرّر في معالجة حالات مماثلة- يعد إصابة جسيمة للملف القانوني للشركة الكنسية».
كما تطرّق البابا إلى المحاكمة الأقصر لبطلان الزواج أمام الأسقف الأبرشي، موضحًا: «يجب الحكم على طبيعة سبب البطلان الذي يبدو ظاهريًا بدقة بالغة، بدون نسيان أن المحاكمة نفسها المنفذة كما ينبغي هي التي يجب أن تؤكد وجود البطلان أو تحدد ضرورة اللجوء إلى المحاكمة العادية».
وبناءً على ذلك، شدّد الأب الأقدس على أن «من الأساسي الاستمرار في دراسة وتطبيق القانون الكنسي للزواج بجدية علمية وأمانة للتعليم الكنسي». وختم البابا لاون الرابع عشر كلمته رافعًا الدعاء «أن تتجلى الحكمة القانونية المسيحية الحقيقية»، مؤكلاً عملهم لشفاعة السيدة مريم العذراء «"مرآة العدل"، النموذج الكامل للحقيقة في المحبة».