موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ٣٠ مارس / آذار ٢٠٢٦
كنيسة القيامة: حيث يلتقي سرّ الموت والقيامة بجذور الإيمان المسيحي

أبونا :

 

ليست كنيسة كسائر الكنائس، بل أحد أقدس المواقع لدى المسيحيين على اختلاف كنائسهم. إنّها المكان الذي، بحسب التقليد، شهد الأحداث التي انبثقت منها قصة الكنيسة - كل الكنائس: موت يسوع وقيامته. إنّها كنيسة القيامة، القائمة في قلب البلدة القديمة من القدس، حيث يتجاور الجلجلة والقبر الفارغ، وهما قطبا سرّ الموت والقيامة، ذلك السرّ الذي تحتفل به الكنيسة كل عام خلال أسبوع الآلام، أهم الأزمنة الليتورجية في حياتها.

 

تشكّل كنيسة القيامة نقطة التقاء بين التاريخ والإيمان، وتجذب منذ قرون حجاجًا من مختلف أنحاء العالم، إذ ترى الكنيسة في حجارتها جذور رسالتها الأولى. ومن هنا، فإنّ المنع الذي فُرض على الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، وحارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو يلبو الفرنسيسيكاني، يحمل دلالات عميقة لا على الصعيد الديني فحسب، بل أيضًا على مستوى العلاقات بين الديانات الكبرى التي تتخذ من المدينة المقدسة مرجعًا روحيًا لها.

 

كنز من الإيمان والتاريخ للعالم

 

تُشير الشهادات القديمة إلى أنّ هذه المنطقة تضمّ تلّ الجلجلة، حيث صُلب المسيح، والقبر الذي اشتراه يوسف الرامي ووُضع فيه جسد يسوع على عجل عشية السبت. ومنذ القرن الرابع، حين قرّر الإمبراطور قسطنطين بناء بازيليك لحفظ هذه الأماكن المقدسة، أصبحت الكنيسة مقصدًا دائمًا للحجاج، رغم ما مرّت به من دمار وإعادة بناء وتجديدات عميقة.

 

ويكشف شكلها الحالي عن طبقات متراكمة من الأساليب المعمارية والتدخلات التاريخية، تروي ليس فقط صمود المكان، بل أيضًا استمرارية إيمان المسيحيين عبر العصور.

 

 

تنوع في الصلاة ووحدة في الإيمان

 

تضفي الحشود اليومية من المؤمنين القادمين من مختلف القارات إيقاعًا ليتورجيًا حيًا داخل الكنيسة. فهنا، تتلاقى تقاليد الصلاة المتعددة في إطار يتطلب احترامًا متبادلًا دقيقًا. الكاثوليك، والروم الأرثوذكس، والأرمن، وسواهم من الكنائس الشرقية، يحتفلون في المكان نفسه، لكل منهم طقوسه ومساحاته، لكنهم يجتمعون معًا في تكريم القبر الفارغ.

 

ورغم التعقيد الذي يفرضه هذا التعدد، تبقى حياة المزار شاهدًا حيًا على إمكانية الحوار، قائمًا على التقوى المشتركة والارتكاز إلى سرّ الفصح.

 

 

توازن دقيق: نظام «الوضع القائم»

 

يُسهم ما يُعرف بـ«الوضع القائم»  (Status Quo)في تثبيت هذا التوازن، وهو اتفاق يعود إلى القرن الثامن عشر وينظّم بدقة إدارة الكنيسة. فلا يمكن إدخال أي تغيير، مهما كان بسيطًا، من دون موافقة جميع الجماعات المعنية.

 

ويتقاسم رهبان حراسة الأراضي المقدسة، الحاضرون منذ ثمانية قرون باسم الكنيسة الكاثوليكية، مسؤولية الكنيسة مع بطريركية الروم الأرثوذكس والكنيسة الأرمنية الرسولية، إلى جانب جماعات أخرى لها حقوق محددة. ورغم صرامته، ضمن هذا النظام استمرارية العبادة وحماية المكان عبر الزمن، وبقي أداة أساسية للحفاظ على السلام في موقع حساس دينيًا وسياسيًا.

 

 

مسيرة الحجاج وعلامة الرجاء

 

يمرّ الحجاج داخل الكنيسة بمحطات من درب الآلام، من موضع الصلب إلى مكان إنزال الجسد، وصولًا إلى القبر المقدس. وهناك، تتكثف الصلاة في لحظة بحث عن لقاء مباشر مع ذكرى الآلام، في تعبير بسيط وعريق يخاطب قلب كل من يأتي إلى هذا المكان.

 

ورغم التحديات التي تحيط به، تبقى كنيسة القيامة علامة وحدة للمسيحيين وينبوع رجاء يتخطى الأزمنة. وفي عالمٍ يبدو فيه النزاع المسلح وسيلة لحل الأزمات، يكتسب الحفاظ على هذا المكان ورعايته قيمة نبوية ذات بعد إنساني شامل.