موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٧ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
كاهن غزة بعد ثلاث سنوات من الحرب: يجب أن نصرخ كفى ونتحدث عن السلام والعدالة

أبونا :

 

بعد ثلاث سنوات من الحرب، دعا الأب جبرائيل رومانيلي، كاهن رعية العائلة المقدسة، الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في قطاع غزة، إلى وقف الحرب بصورة فعلية، وفتح المجال أمام دخول المساعدات الإنسانية، مؤكدًا أن السلام لا يمكن اختزاله في توقف القصف، وأن سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.3 مليون نسمة "يجب أن يُعاملوا كبشر".

 

وقال الأب رومانيلي، في حديث لوكالة سير الإيطالية: "بعد ثلاث سنوات من الحرب، و74 ألف قتيل، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، من الضروري جدًا أن نتحدث عن السلام. ومن الضروري جدًا أن نتحدث عن العدالة. ومن الضروري جدًا أن نصرخ: كفى!".

 

 

يجب أن تتوقف الحرب فعليًا

 

وشدد كاهن غزة على مسؤولية أصحاب القرار السياسي عن اتخاذ خطوات ملموسة، وفي مقدمتها السماح بدخول المساعدات الإنسانية، "وليس فقط بعض المساعدات العرضية، أو القليل من الطعام والماء وبعض الأدوية". وقال: "يجب أن تتوقف الحرب فعليًا"، مضيفًا أن السلام لا يعني فقط غياب القصف، بل يتطلب بداية مرحلة جديدة يستطيع فيها السكان استعادة حياتهم وكرامتهم.

 

ورغم حجم المأساة، رفض الأب رومانيلي الاستسلام لليأس، وقال: "الأمر صعب، نعم. لكنه ليس مستحيلًا. الحقيقة تنتصر دائمًا في النهاية، والعدالة تجد طريقها دائمًا". وأضاف: "علينا أن نواصل القيام بأعمال ملموسة، وأن نقنع العالم بأن كل هذا لا يخدم خير إسرائيل ولا فلسطين".

 

 

نحن نتحدث عن أشخاص

 

وحذّر الأب رومانيلي من أن تؤدي السياسة والتحليلات الجيوسياسية إلى تغييب الإنسان، وقال: "عندما نتحدث عن الدول والشعوب، نخاطر بنسيان الأمر الأساسي: نحن نتحدث عن أشخاص. عن ملايين الأشخاص الذين ينتظرون بداية مرحلة جديدة".

 

وأشار في هذا السياق إلى ميساء خضر إبراهيم وماري حافظ ميشيل نجار، وهما مسيحيتان استشهدتا في غارة ليلة 2 تشرين الأول، عندما أصابت ثلاثة صواريخ المبنى الذي كانتا تقيمان فيه، ما أدى، بحسب الشهادات الواردة من المكان، إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة آخرين.

 

وقال الكاهن الأرجنتيني المنتمي رهبانية الكلمة المتجسد إن ما حدث يؤكد واقعًا يردده سكان القطاع منذ مدة: "في غزة لا يوجد مكان آمن واحد. لست آمنًا في المنزل، ولست آمنًا في الشارع، ولست آمنًا في أي مكان. ولست آمنًا حتى في الكنائس".

 

 

62 مسيحيًا فقدوا حياتهم

 

وبحسب الأب رومانيلي، فقد 62 مسيحيًا من الكاثوليك والأرثوذكس حياتهم منذ بداية الحرب، موضحًا أن 25 منهم استشهدوا جراء القصف أو نيران القناصة، فيما كان كثيرون قد لجأوا إلى الأماكن التي اعتقدوا أنها أكثر أمانًا. وقال: "هذه هي الحقيقة التي يعيشها جميع سكان القطاع. الناس منهكون. يطلبون السلام. يطلبون أن تنتهي هذه الحرب فعلًا".

 

ورغم كل ذلك، أشار كاهن غزة إلى قدرة السكان على الحفاظ على إيمانهم، وقال: "الناس هنا مؤمنون. وهم يعرفون أن الرب لا يصنع الحرب؛ البشر هم الذين يصنعونها. وإذا كانت هناك أزمة، فهي بالأحرى أزمة ثقة بالإنسانية".

 

وأضاف أن كثيرين يشعرون بأن العالم تخلى عنهم، ويقولون: "لم يعد لدينا أحد نطلب منه المساعدة. لم يعد لدينا أحد نطلب منه أن يرحمنا، وأن يفتح الحدود، وأن يحوّل القلوب الحجرية إلى قلوب من لحم، وأن يسمح بدخول كل ما هو ضروري بصورة مطلقة".

 

 

سلبية العالم تقتل الرجاء

 

ورأى الأب رومانيلي أن إحدى أشد جراح غزة ليست الدمار المادي وحده، بل شعور أكثر من مليوني إنسان بأنهم ينتظرون كل شيء فيما يرون "سلبية العالم". وقال: "من أكثر الأمور التي تقتل الرجاء وحياة الناس في غزة هذه السلبية، وهذا الجمود والتراخي واللامبالاة، بأسوأ معاني الكلمة: ألّا نفعل ما ينبغي فعله".

 

وأشار كذلك إلى استمرار أزمة المياه، فيما يزيد حلول موسم الأمطار من معاناة العائلات التي تعيش في الخيام وبين الأنقاض. وقال: "الأمطار بدأت بالفعل. وهنا المطر يعني البرد والشتاء والحرمان"، موضحًا أن ما يكون عادة علامة بركة يتحول إلى عبء إضافي على أشخاص يعيش كثير منهم من دون أبسط مقومات الحياة.

 

 

المدرسة.. مساحة للحياة والعيش معًا

 

وفي مقابل مشهد الحرب، تحدث الأب رومانيلي عن مدرسة البطريركية اللاتينية التابعة للرعية باعتبارها إحدى علامات الصمود والرجاء، مؤكدًا أنها، إلى جانب روضة الأطفال، تواصل عملها وتتوسع رغم الصعوبات الكبيرة.

 

وأوضح أن المدرسة حصلت على الاعتراف الرسمي والتراخيص اللازمة، وتقدم المنهاج الدراسي كاملًا، مضيفًا: "الأهم أنها تخلق أجواء جميلة جدًا بين العائلات. غالبية الطلاب مسلمون، وهذا يسهم في بناء بيئة من العيش معًا والتعاون".

 

وأشار إلى أن التعليم لا يهدف فقط إلى تعويض سنوات الدراسة التي أضاعتها الحرب، بل إلى المساعدة في مداواة جراح الأطفال والشباب، وقال: "نأمل أن نستطيع مساعدة الكثير من الأطفال والشباب على إعادة بناء ليس تعليمهم فقط، بل شخصياتهم وحياتهم أيضًا. فكثيرون منهم يحملون آثار الصدمة". لكن المدرسة نفسها ليست بمنأى عن الخطر؛ إذ أُصيب أحد طلابها مؤخرًا بانفجار داخل منزله وخضع لعملية جراحية، كما سقطت خلال الأيام الماضية شظية في الملعب الرياضي للمدرسة.

 

 

نخلتان جريحتان لا تزالان تثمران

 

وفي ختام شهادته، توقف الأب رومانيلي أمام صورة يراها تختصر رجاء غزة: نخلتان أمام كنيسة العائلة المقدسة أصيبتا بأضرار جراء الانفجار الذي أودى، في تموز 2025، بحياة ثلاثة أشخاص وأصاب 12 آخرين. وقال إن كثيرين اقترحوا عليه إزالة النخلتين بعد تضررهما، لكنه أجابهم: "دعوهما. إنهما أيضًا وسيلة لنتذكر ما حدث".

 

وعلى الرغم من آثار الانفجار، بقيت النخلتان واقفتين وعادتا إلى الإثمار. وقال الأب رومانيلي: "النخلة أزهرت من جديد، واليوم تمرها ناضج. كل واحد منا يمر بتجارب كثيرة في الحياة، لكن عليه أن يحاول أن يبقى ثابتًا وأمينًا وهادئًا، مثل نخلة تُفرح الصحراء".

 

وأضاف: "هاتان النخلتان بقيتا واقفتين وأثمرتا. وما زالتا تثمران. وهذا سبب للفرح". وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تبقى النخلتان بالنسبة إلى كاهن غزة صورة ملموسة للرجاء: جريحتان، لكنهما حيّتان؛ انحنتا، لكنهما لم تنكسرا.