موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٧ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
إنسانية الآخر: محاضرة للكاردينال بيتسابالا في جامعة سانت آنا للدراسات العليا في بيزا

إميليانو أوسيبي :

 

في القاعة الكبرى لجامعة سانت آنا للدراسات العليا في بيزا، مُنح الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، درجة الدكتوراه الفخرية في "حقوق الإنسان والسياسة العالمية والدراسات الدولية"، في تكريم أكاديمي رفيع تقديرًا لالتزامه الدؤوب بالدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان والسلام، في منطقة تمزقها النزاعات.

 

وفور تسلّمه الشهادة من رئيس الجامعة، ألقى الكاردينال محاضرة حملت عنوانًا لافتًا: "إنسانية الآخر: الكرامة والحقوق في زمن الحرب". وفي مستهل كلمته في المدينة الإيطالية، حرص بيتسابالا على التأكيد أن الواقع المأساوي الذي تعيشه المنطقة منذ تشرين الأول 2023 غيّر جذريًا الحياة اليومية، وكذلك الطريقة التي يمارس بها خدمته الرعوية في الشرق الأوسط،

 

وقال بطريرك القدس للاتين: "لقد تغيّرت كثيرًا طريقة كوني أسقفًا قبل تشرين الأول 2023 وبعده، واضطررت إلى إعادة التفكير في كل شيء. وقبل أن أتناول موضوع إنسانية الآخر، أشعر بالحاجة إلى أن أقول شيئًا عن الواقع الذي آتي منه".

 

وأوضح أن العنف الأعمى أصاب الأرض والناس، وأجبر الجماعات الكنسية على إعادة ترتيب أولوياتها في تقديم المساعدة المادية والروحية، وقال: "تحولت كنائسنا إلى ملاجئ. وهناك رعية اضطرت إلى أن تتولى توزيع الوجبات، والبحث عن الأدوية، وتنظيم مساحة للأطفال. الصلاة، والعناية بمريض، والبحث عن شيء نأكله، أصبحت كلها جزءًا من اليوم نفسه".

 

وفي بيئات حضرية معقدة وشديدة الاستقطاب، مثل القدس، حذّر بطريرك القدس للاتين من أن العيش المشترك قد يتحول إلى مجرد وجود متجاور في المكان، من دون إصغاء حقيقي ومتبادل، في وقت تمتد فيه الانقسامات حتى إلى داخل الجماعات الكنسية.

 

وقال: "يمكن للمرء أن يعرف الكثير عن ديانة الآخر، من دون أن يكون قد أصغى يومًا إلى الطريقة التي يعيش بها الآخر إيمانه. ويمكن أن نناقش طويلًا مستقبل مدينة ما... الآخر حاضر في فضائنا، لكنه يظل غائبًا عن حياتنا".

 

وأشار إلى أن هذا الانقسام يضع الضمائر أمام مسؤولياتها، ويفرض التفكير بجدية في المؤسسات والعدالة والقيمة التي لا يمكن المساومة عليها للكرامة الإنسانية، متسائلًا: "عندما نتصور مستقبلنا، أي مكان نخصصه لحضور الآخر؟ هل نعترف بأن حقه في الحياة والمشاركة يُلزمنا، وأنه يجب أن يجد صيغة عامة ودائمة مع مرور الزمن؟".

 

الأمن القائم على القوة

 

وفي تناوله للديناميكيات البنيوية للنزاعات العالمية، قدّم الكاردينال أمام الحضور الأكاديمي قراءة نقدية لوهم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها باعتبارها الضامن للاستقرار. وقال: "الأمن القائم على القوة وحدها يبقى رهينة للقوة. أفهم لماذا قد يبدو هذا المنطق مقنعًا، ولا سيما عندما يسود الخوف؛ فهو يعد بحل سريع ومرئي على الفور، في حين أن المواجهة والحوار يتطلبان وقتًا، ويفتحان المجال أمام عدم اليقين، بل قد يُنظر إليهما أحيانًا على أنهما نوع من الإذلال".

 

وفي مواجهة منطق الغلبة، شدّد الكاردينال على أن حقوق الإنسان العالمية لا يمكن إخضاعها للمصلحة أو للانتماء والهويات، وقال: "يُختبر احترام الكرامة تحديدًا عندما تكون له كلفة، وعندما يُلزمنا بالتخلي عن منفعة أو بتصحيح قرار. فإذا كانت الكرامة تسري فقط على القريبين منا، وعلى من يشاركوننا رؤيتنا أو إيماننا أو ثقافتنا، فإنها تبقى وعدًا غير مكتمل".

 

 

مسؤولية الكلمات

 

وشكّلت مسؤولية اللغة محورًا أساسيًا آخر في المحاضرة، إذ أشار البطريرك إلى أن الكلمات المستخدمة في النقاش العام والحياة اليومية قد تسهم في تغذية الاستقطاب، بل وفي تجريد الخصم من إنسانيته. وقال: "اللغة العنيفة تشارك في النزاع؛ فهي تهيئ المواقف، وتجعل بعض السلوكيات مقبولة، وتُعوّدنا على التفكير بأن بعض الأرواح تستحق اهتمامًا أقل".

 

ولعكس هذا المسار، شدّد بطريرك القدس للاتين على ضرورة استعادة لغة قادرة على إدانة الظلم من دون تعميم الذنب على شعوب بأكملها، وعلى التمييز بين المسؤوليات، وإعادة المصداقية إلى كلمات أساسية مثل العدالة والسلام.

 

دور الجامعات في زمن الاستقطاب

 

وفي ختام محاضرته في بيزا، وجّه الكاردينال بيتسابالا رسالة إلى المجتمع الأكاديمي، مؤكدًا الدور المحوري للجامعات في حماية التفكير النقدي وتكوين الأجيال الجديدة. وقال: "تقع على عاتق الجامعات أيضًا مهمة خاصة تتمثل في الدفاع عن مساحات التفكير الحر والصارم".

 

وأضاف: "في أزمنة يطبعها الاستقطاب، هي مدعوة إلى حماية إمكانية النقاش، حتى وإن كان حادًا، ولكن من دون شيطنة الآخر، وإلى التحقق من الأمور من دون أحكام مسبقة، وإلى تغيير الرأي عندما تتطلب الحقائق ذلك".