موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في 14 شباط من هذا العام، زار الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، «قلعة رونديني للسلام»، وهو مكان رمزي مكرّس لتعزيز التعايش والحوار بين الشباب القادمين من بلدان تشهد صراعات. وقد شكّلت الزيارة لحظة للتأمل وتعزيز الروابط بين رونديني والأرض المقدسة، بهدف تقوية دور مجتمع الشباب باعتبارهم صانعي سلام ومصالحة.
خلال اللقاء، قال بيتسابالا: «اليوم ليس وقت المبادرات الجديدة، لكن سيأتي الوقت الذي سنحتاج فيه إليكم يا رونديني». كما شدّد على أن رونديني «ليست يوتوبيا، بل هي رغبة في جعل حلم كل إنسان مرئيًا، حلم العيش بسلام»، داعيًا الشباب الحاضرين إلى «زرع المصالحة في بلدانهم الأصلية» وإلى «وضع هذه التجربة موضع التطبيق».
وبعد مرور عدة أشهر على الزيارة، ناقشنا معناها مع فرانكو فاكاري، مؤسس رونديني.
تركّز رؤية فاكاري على التاريخ الطويل للعلاقة بين رونديني والبطريركية اللاتينية، والتي تمتد منذ 25 عامًا، وقد بدأت مع عمليات انتقاء الطلاب لـ«بيت العالم»(World House) . في تلك السنوات، كانت رونديني على علاقة أيضًا مع حراسة الأراضي المقدسة ومع الكاردينال بيتسابالا، الذي كان في البداية يشعر بالقلق من أن يكون عمل رونديني وسيلة لعدم عودة الأشخاص إلى الشرق الأوسط، خوفًا من هجرة المسيحيين، لكنه اعترف لاحقًا بأهمية المشروع وبقيمته كأداة للحوار.
ويؤكد فاكاري أن «الأرض المقدسة، وليس وحدها، هي مكان للانقسام، وأقصد هنا أشخاص ينتمون إلى شعبين. ما لم يتشارك هؤلاء الأشخاص الألم، وما لم تكن هناك لحظات ومنهجية يعترف فيها كل طرف بألم الآخر، لن يكون هناك طريق للسلام والخلاص».
وبالنسبة إلى فاكاري، فإن «العيش داخل الصراع -ولا أريد أن يكون هذا مجرد كلام منمق- يعني تحمّل ألم الآخر، لأنه من دون رؤية جراحه، سنستمر في السعي وراء مواقفنا الخاصة، وفي التشبث خلف مواقفنا التي رأيناها سابقًا، وفي تبرير إمكانية القضاء على الآخر».
أما الحل، فيكمن في «الاستماع إلى الآخر، إصغاءً حقيقيًا وعميقًا، حتى ملامسة الألم والمعاناة»، لأنه بهذه الطريقة فقط يمكننا تجنّب تغذية «الجدار غير المرئي للتواصل»، الذي قد يكون بقدر خطورة أي جدار مادي كما هو الحال في الأرض المقدسة.
ويقول فاكاري إن منهج رونديني «يحوّل نظرة "العدو" من خلال العيش المشترك اليومي، لأن العلاقات تُعتبر العنصر الأساسي في التحوّل الخلّاق للصراعات». وتخلق رونديني «مساحة ثالثة، وهي مساحة غير موجودة في الأرض المقدسة، ومساحة تعاني أزمة عالمية: "الطرف الثالث" أي القدرة على الإنصات المتبادل، وتبادل الحديث والإصغاء». تسمح هذه المساحة بتجاوز حاجز التواصل غير المرئي، وهدم الحواجز العاطفية والثقافية.
ويؤكد فاكاري أن المخيمات التي تتراوح مدتها بين سبعة وعشرة أيام تُثير المشاعر، لكنها غير كافية: «نحن نفكر في بناء علاقات، والعلاقات تحتاج إلى وقت، وفقط الوقت ينتج مشاعر جيدة بدلًا من المشاعر السيئة».
أما المهارات التي يكتسبها المشاركون في مسار رونديني فهي متعددة.
يقول فاكاري: «الأولى هي المهارات المتعلقة بالعلاقات والمشاعر، أي معرفة كيفية التعامل مع الصراعات والاختلافات، واحترام الآخر وبناء علاقات هادفة». علاوة على ذلك، هناك أيضًا تدريب مهني، إذ «يحصل الشباب على درجة ماجستير من المستوى الثاني في جامعات مختلفة في فلورنسا وسيينا وبيروجيا، وأحيانًا في روما».
كما أن العيش المشترك في رونديني يطوّر «كفاءة إنسانية في التعايش»، والتي تُترجم إلى مهارات المسؤولية والقيادة. وعند عودتهم إلى بلدانهم، يواصل العديد من الشباب تنفيذ مشاريع للسلام، ويتولون مسؤوليات سياسية أو مهنية، مساهمين في نشر ثقافة الحوار والمصالحة.
الخطوة الأولى التي يقوم بها شباب «بيت العالم» لبناء السلام هي نزع السلاح.
يقول فاكاري: «إذا لم تنزع سلاحك، فلن تستطيع مقابلة أحد. ستأتي فقط لتبعث الخوف». فنزع السلاح لا يعني فقط التخلي عن الأسلحة المادية، بل هو أيضًا عملية داخلية لتفكيك الأسلحة العاطفية والثقافية التي يحملها الإنسان. بهذه الطريقة فقط يمكن لقاء الآخر دون خوف وبانفتاح حقيقي.
ويقترح خطوة عملية: «كلنا نملك الكلمة بين أيدينا، ولذلك غالبًا ما نغذي ثرثرة تافهة وجاهلة. نحن لا نعرف ما الذي نتحدث عنه، ومع ذلك نستمر في الكلام، وهذه تجربة مريرة». إن تعزيز حوار أكثر عقلانية واحترامًا ووعيًا يمكن أن يكون وسيلة بسيطة لكنها فعّالة للمساهمة في ثقافة السلام، والحد من خطر تغذية الكراهية والصراع عبر الكلمات.
في الختام، تمثل زيارة الكاردينال بيتسابالا إلى رونديني بصيص أمل وثقة بقدرة الحوار والعلاقة الإنسانية على أن تكون أدوات لتحويل الصراعات. فرونديني، من خلال منهجها القائم على العلاقة والإصغاء والاحترام، تقدّم نموذجًا يثبت أن حتى أصغر المبادرات يمكن أن تكون منارات أمل في مناطق تعاني من انقسامات عميقة. ويبقى التحدي هو مواصلة حمل هذه الرؤية، وتنمية ثقافة السلام في كل جوانب الحياة اليومية، والابتعاد عن لغة الكراهية والانقسام.