موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
من شرفة منزل أحد الأصدقاء، حاولت ميليا الشيخ بصعوبة أن تجد بيتها بين أنقاض قريتها المهجورة، بعدما تحولت مداخلها إلى مناطق محاطة بالأسلاك الشائكة.
قريتها دبّين هي واحدة من عدة بلدات ذات غالبية شيعية في جنوب لبنان دمرتها القوات الإسرائيلية خلال مواجهاتها مع حزب الله الشيعي المدعوم من إيران. وقد سيطرت إسرائيل على مناطق واسعة، فيما استمرت المواجهات رغم اتفاقات وقف إطلاق النار المعلنة. أما الهدنة الأخيرة، وهي جزء من اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، فقد صمدت إلى حد كبير.
ميليا الشيخ، وهي من بين المسيحيين القلائل من بلدة دبّين، وجدت ملجأً في قرية أخرى، لكنها تزور بانتظام بلدة جديدة مرجعيون، ذات الغالبية المسيحية والقريبة من بلدتها، لتحتسي القهوة مع صديقة لها من الكنيسة. قبل الحرب، كان هذا الطقس مصدر راحة وطمأنينة، أما اليوم فأصبح يجري على خلفية من الخسارة والخوف.
وقالت: «لا أعرف شيئًا عن منزلي. لا يوجد ما هو أكثر إيلامًا من ألا أستطيع الوصول إلى بيتك».
وتُعد جديدة مرجعيون واحدة من سلسلة بلدات وقرى الواقعة على الحدود غير الواضحة للمنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب لبنان. فقد دفعت القوات العسكرية سكانها، ومعظمهم من الشيعة، إلى المغادرة، بدعوى أنهم يؤوون أو يدعمون حزب الله، فيما دُمرت العديد من البلدات.
وسُمح لسكان المناطق المسيحية والسنية والدرزية المجاورة بالبقاء، لكن النزاع غيّر حياتهم بشكل جذري. فقد تعرضت منازلهم للقصف، وعزلتهم إغلاقات الطرق عن باقي مناطق لبنان، فيما أثارت المداهمات الليلية للقوات الإسرائيلية الخوف بين السكان. كما أن التحذيرات الإسرائيلية من استقبال مقاتلي حزب الله أدت عمليًا إلى منعهم من استقبال النازحين الشيعة، ما تسبب بزيادة الانقسامات بين جيران عاشوا لعقود معًا، وأجّج التوترات السياسية والطائفية.
بدأ التصعيد الأخير عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل بعد أيام من بدء إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران في 28 شباط. وردّت إسرائيل بغزو لبنان وتوسيع نطاق سيطرتها في بعض المناطق حتى عمق 7 أميال.
ومع تقدم القوات، حذرت إسرائيل السكان من مغادرة مناطق واسعة في جنوب لبنان، وفي نيسان نشرت قائمة تضم 53 بلدة وقرية، معظمها شيعية، يُمنع سكانها من العودة إليها. وأضافت يوم الخميس ثماني قرى أخرى ذات غالبية شيعية.
وتقول إسرائيل إن قواتها ستبقى في جنوب لبنان لأسباب دفاعية، مؤكدة أن حزب الله كان متغلغلًا بشكل كبير، ونشرت مقاطع فيديو قالت إنها تظهر أنفاقًا وبنى عسكرية داخل مناطق سكنية. أما إيران فتول إن أي وقف أوسع لإطلاق النار يجب أن يشمل لبنان، وإن على إسرائيل الانسحاب، فيما يؤكد حزب الله أنه سيقاوم الاحتلال. كما طالبت الحكومة اللبنانية إسرائيل بالانسحاب.
تقع القرى والبلدات المختلطة على أطراف المنطقة الأمنية، بين التلال والوديان وبساتين الزيتون، على مرأى من جيرانها الذين دُمرت بلداتهم. ومع ذلك، يؤكد السكان تمسكهم بالبقاء. فمن بلدة القليعة المسيحية يمكن رؤية بلدة الخيام الشيعية، التي تحوّلت اليوم إلى مساحة بيضاء فارغة من المباني المدمرة وتخضع لسيطرة إسرائيل.
ويُمنع سكان القليعة عمليًا من الوصول إلى بساتين الزيتون في الوادي الفاصل بين البلدتين. وقال رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر: «موسم آخر ضاع الآن». وكان كاهن في القليعة قد قُتل بقصف أثناء تفقده موقع ضربة سابقة، كما قُتل أب وطفلاه في غارة بطائرة مسيرة أثناء توجههم إلى القليعة. وتقول إسرائيل إنها تستهدف فقط المسلحين.
وفي جديدة مرجعيون، تعرّض منزل للقصف للاشتباه باستخدامه من قبل مقاتلين. كما أصابت صواريخ يُعتقد أنها أطلقت من حزب الله قبة كنيسة، فيما تضررت في مناطق أخرى ألواح الطاقة الشمسية ومحطات الكهرباء والمياه.
غادرت ميليا الشيخ دبّين مع جيرانها في بداية آذار بعد تحذير إسرائيلي للسكان بالمغادرة. وفي نهاية أيار، وبعد أسابيع من القتال، داهمت القوات الإسرائيلية دبّين قبل أن تنسحب في بداية حزيران. وخلال اشتداد المعارك، احتمت صديقتها لوليتا كوستانتين وزوجها داخل منزلهما في جديدة مرجعيون، واضطرا في إحدى المراحل إلى البقاء لدى الجيران. وتنتشر تشققات في جدران منزلها بسبب الانفجارات، فيما تحطمت النوافذ وتضررت الأبواب.
وهي تحتفظ بشظايا القصف كتذكار لما عاشته. وقالت: «لم نكن نعرف من أين يأتي الخطر».
تعرّض شيعة كانوا يبحثون عن مأوى بسبب القتال للرفض من بعض المناطق التي تخشى القصف الإسرائيلي أو الإخلاء، ما أعاد إلى الواجهة توترات كانت خامدة منذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).
وقال رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر إن أحد سكان البلدة استضاف صديقًا من قرية شيعية في بستانه، لكن منزله تعرض للقصف. وأضاف أن بعض السكان طلبوا من النازحين الشيعة مغادرة المنطقة. وقال: «قلنا لهم: لا نريد مشاكل لكم ولا لنا».
كما حذرت إسرائيل بلدية جديدة مرجعيون من استقبال النازحين من القرى المجاورة، بحجة أن ذلك قد يعرّض البلدة للخطر أو يؤدي إلى إخلائها، وفق ما أعلنت البلدية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقال كاهن الرعية: «اضطررنا إلى الطلب من بعض الأشخاص مغادرة البلدة. تسبب ذلك بالكثير من الخلافات والتوتر». وأضاف: «نحن نعتمد على الإيمان لكي نبقى متحدين».
وقال الجيش الإسرائيلي إنه حذر السكان في مناطق من جنوب لبنان من السماح لحزب الله باستخدام قراهم، معتبرًا أن الحزب يعمل داخل مناطق مدنية ويعرّض السكان للخطر.
وخلال الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، كانت المنطقة معقلًا لـ«جيش لبنان الجنوبي»، وهو فصيل عسكري غالبيته مسيحية كان يعمل بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي. وبعد انسحاب إسرائيل، فرّ بعض أفراده إلى إسرائيل، فيما خضع آخرون للمحاكمة في لبنان، حيث اعتُبروا على نطاق واسع متعاونين معها.
ويخشى بعض السكان أن يُنظر إليهم بالطريقة نفسها بسبب بقائهم في منازلهم. وقليلون فقط مستعدون للحديث علنًا عن هذه التوترات، خوفًا من ردود فعل إسرائيلية أو من حزب الله. وفي كنيسة، صرخ أحد الرجال بغضب قائلًا إن الجميع أصبح يشك بالآخر، حتى بين المسيحيين أنفسهم. وحمّل حزب الله مسؤولية جر لبنان إلى الحرب، معتبرًا أنه ارتكب خطأ كبيرًا.
في إحدى ليالي آذار، حاصرت القوات الإسرائيلية مبنى في بلدة حلتا ذات الغالبية السنية. واقتحمت المكان واعتقلت شادي عبد العال، الذي كان يصرخ «قلبي» أثناء تعرضه للضرب واقتياده إلى سيارة، بحسب والدته عائشة القادري التي تعيش في المبنى نفسه.
وخلال الفوضى، ركض قريب له يبلغ 15 عامًا، محمد عبد العال، في الظلام مرتديًا ملابس النوم باتجاه المنزل، فأطلق الجنود الإسرائيليون النار عليه وقتلوه، بحسب جده حاتم. كما أصيب أحد الجيران الذي كان على شرفته.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه اعتقل قائد مجموعة مسلحة محلية، وإن قواته أطلقت النار على شخصين اقتربا بطريقة وصفها بأنها «مشبوهة».
وفي حادثة أخرى، اعتقلت القوات الإسرائيلية ثلاثة مزارعين من حلتا خلال مداهمة لقرية قريبة. وهم من بين ما لا يقل عن ثمانية أشخاص اعتقلتهم القوات الإسرائيلية منذ آذار، بحسب وسائل إعلام لبنانية. وتقول إسرائيل إنهم مشتبه بتورطهم في أنشطة مسلحة ومخططات ضد قواتها.
وقال عيسى عبد العال، أحد وجهاء المجتمع المحلي: «ما زلنا لا نعرف لماذا اختطفوهم. ربما يريدون زرع الخوف في البلدة وإيصال رسالة مفادها أنهم يرون الجميع». وأضاف: «لقد أصبح الوضع هنا مثل الضفة الغربية»، في إشارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أما عائشة القادري، التي لم تسمع شيئًا عن ابنها منذ اقتياده، فقالت: «كل ما أريده هو أن أعرف مصيره».