موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
رافي غطاس هو مسيحي فلسطيني من أبناء القدس، ناشط في المجالين الاجتماعي والإعلامي، ويقيم حاليًا في إيطاليا. شغل سابقًا منصب الأمين العام للشبيبة المسيحية في فلسطين، كما تولّى مهام منسق الشبيبة في الشرق الأوسط. وعمل صحفيًا ومراسلًا ميدانيًا، حيث كرّس اهتمامه بشكل خاص للقضايا المتعلقة بالمسيحيين الفلسطينيين والنزاعات الدائرة في الأرض المقدسة.
وفيما يلي نص المقابلة التي أجراها معه Emiliano Eusepi:
رافي، كيف يواجه الشباب الفلسطيني التحديات اليومية في ظل واقعٍ مثقل بالصراعات والتوترات في منطقة الشرق الأوسط؟
لا يوجد شاب فلسطيني لم يتأثر بشكل مباشر بالأحداث الجارية. وليس ذلك منذ عام 2023 فحسب، بل نتيجة أكثر من سبعين عامًا من الأزمة الإقليمية التي تركت أثرًا عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية. واليوم، تغلغلت هذه الظروف السياسية والاجتماعية الصعبة في كل جانب من جوانب حياة الفلسطينيين: أين يعملون، وأين يدرسون، وأين يعيشون، ومن يتزوجون، وكم عدد الأطفال الذين سينجبون، ومع من يقيمون صداقاتهم، وإلى أين يذهبون، وكيف يمضون أوقات فراغهم، وكيف يعودون إلى منازلهم، وأين يصلّون. إنها أسئلة يواجهها كل شاب في الأرض المقدسة يوميًا، وغالبًا من دون أن يدرك ذلك.
أما الإجابات فهي أكثر تعقيدًا بكثير مما قد يتصوره المرء، لأن كل قرار يتأثر بواقع سياسي وعسكري متغيّر باستمرار. ومع ذلك، فقد تعلّم الشباب الفلسطيني التكيّف مع هذه الظروف، لا حبًا بها، بل حبًا بالحياة نفسها. ومن هذا الواقع تنشأ حالة خاصة من الصمود، تقوم على السعي الدائم إلى إيجاد أي فرصة للبقاء، وعلى الإرادة في مواصلة الحياة رغم كل التحديات.
كيف ينسجم الإيمان في تعقيدات هذا الواقع اليومي؟
لعلّ الإيمان يمثّل السلاح الأهم في يد الشعب الفلسطيني عمومًا، وفي يد المسيحيين الفلسطينيين على وجه الخصوص. فمسيحيو الأرض المقدسة يدركون أن هذه الأرض كانت شاهدة على آلام المسيح. هنا امتزج دمه بحجارة مدينة القدس، وهنا سار يسوع في طريق الآلام حاملًا الصليب، وهنا بكى على هذه المدينة وعلى شعبها. غير أن القصة لم تنتهِ بالصلب، بل إن القيامة أعلنت انتصاره النهائي على الموت. فالمسيحي الفلسطيني يؤمن بأنه يسير اليوم مع يسوع في درب المعاناة، لكنه يعلم أيضًا أن هذا الدرب يقود إلى القيامة.
ويشعر المسيحيون الفلسطينيون أنهم يحملون اليوم صليب الألم، لكنهم يؤمنون، مع المسيح، بأن فجر القيامة والحرية والخلاص سيأتي عاجلًا أم آجلًا. ويغدو هذا الإيمان مصدرًا للقوة الروحية والرجاء، يمنحهم القدرة على مواجهة واقعهم اليومي من دون أن يفقدوا ثقتهم بالمستقبل.
ما أبرز التحديات التي يواجهها الشباب الفلسطيني اليوم، وكيف يسعون إلى الحفاظ على هويتهم الثقافية والاجتماعية؟
التحديات التي يواجهها الفلسطينيون اليوم لا تُحصى. فقد بلغ حجم الضغوط حدًّا يجعل حتى مجرد نقرة «إعجاب» على مواقع التواصل الاجتماعي –مثل الإعجاب بصورة لطفل نازح في غزة– قد تترتب عليها عواقب خطيرة جدًا.
وفي كثير من الحالات، تعتقل الشرطة الإسرائيلية فلسطينيين من دون توجيه تهم رسمية إليهم، مستندةً إلى ما يُعرف بـ«قانون الطوارئ». كما تقوم البلدية الإسرائيلية بإغلاق مراكز فلسطينية ترفيهية وثقافية بحجة التحريض، في حين تسمح السلطات للمستوطنين الإسرائيليين بتنظيم أنشطة استفزازية على مرأى من الشرطة.
ويُضاف إلى ذلك هدم آلاف المنازل الفلسطينية، ومصادرة الأراضي والممتلكات، وفرض ضرائب باهظة. ونتيجة لهذه الأوضاع، أُجبر آلاف الفلسطينيين على الهجرة أو قرروا مغادرة البلاد. ومن بينهم العديد من العائلات المسيحية التي اختارت الهجرة من دون عودة بسبب الحرب، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، والتحديات الأمنية.
وقد أدى ذلك إلى تراجع حاد في أعداد المسيحيين في الأرض المقدسة، الذين باتوا اليوم يشكلون أقل من 0.5% من إجمالي السكان. ويُعدّ هذا الواقع مصدر قلق بالغ، إذ يُخشى للمرة الأولى في التاريخ، منذ نشأة المسيحية، أن يكون جيل من الشباب المسيحي هو الجيل الأخير.
ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون الدفاع بقوة عن تقاليدهم وتاريخهم وقناعاتهم. كما يسعون، قبل كل شيء، إلى نقل هذه القيم إلى أبنائهم والحفاظ عليها حيّة في حياتهم اليومية، وفي الوقت نفسه إيصال صوتهم وآلامهم ومعاناتهم إلى العالم.
ما المبادرات أو البرامج التي تتبناها بطريركية القدس لإشراك الشباب في بناء مستقبل قائم على السلام والعيش المشترك؟
تُنفّذ البطريركية اللاتينية في القدس العديد من المشاريع التي توفّر الدعم المادي والنفسي واللوجستي، إلى جانب مجموعة واسعة من الأنشطة الرعوية والكنسية. كما تُعدّ من أكبر الجهات المشغّلة في الأرض المقدسة، إذ يعمل في مؤسساتها آلاف الفلسطينيين، من مسيحيين ومسلمين، في المدارس والجامعات والمراكز الطبية والمستشفيات، فضلًا عن المؤسسات التي تقدّم المساعدات الاقتصادية والصحية والقانونية والنفسية. ويُضاف إلى ذلك ما تنفّذه الكنيسة الكاثوليكية من مشاريع لخدمة السكان المحليين، واستقبال الحجاج، ومساندة المحتاجين بغضّ النظر عن انتمائهم الديني.
أما على صعيد الشباب المسيحي، فتُعد البطريركية مرجعًا أساسيًا لمختلف الجماعات الشبابية المسيحية في الأرض المقدسة، بما في ذلك الحركة الكشفية وعدد من الحركات والهيئات الشبابية. ومن أبرز هذه المؤسسات الأمانة العامة للشبيبة المسيحية في فلسطين، المعروفة باسم «شبيبة موطن يسوع». تعمل هذه المؤسسة على تعزيز روابط المسيحيين بأرضهم والحدّ من الهجرة، من خلال تنظيم الأنشطة واللقاءات والمبادرات التي تسهم أيضًا في توفير فرص العمل وتعزيز الاندماج في المجتمع. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى التعريف بواقع الشباب المسيحي الفلسطيني على المستويين الإقليمي والدولي، ما جعلها إحدى أبرز المرجعيات الشبابية المسيحية في الأرض المقدسة.
كيف يمكن للأبرشيات والرعايا في إيطاليا أن تدعم الشباب الذين يعيشون في الأرض المقدسة؟
إن مسؤولية الحفاظ على الوجود المسيحي في الأرض المقدسة لا تقع على عاتق المسيحيين الفلسطينيين أو كنيسة القدس وحدهما، بل هي مسؤولية تخصّ الكنيسة جمعاء، ويجب أن يتقاسمها جميع المسيحيين في العالم. فإفراغ الأرض المقدسة من مسيحييها سيشكّل جرحًا عميقًا للكنيسة بأسرها. لذلك، فإن الجميع مدعوون إلى تقديم المساعدة كلٌّ بحسب إمكاناته. ويأتي ذلك أولًا من خلال الاتحاد في الصلاة من أجل إحقاق العدالة وإظهار الحقيقة، إذ لا يمكن أن يقوم سلام حقيقي من دونهما. وهذا ما يؤكده اليوم أيضًا الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، عندما يدعو العالم إلى التعامل مع القضية الفلسطينية بروح من العدالة.
وفي الوقت نفسه، نطلب من الأساقفة والأبرشيات في مختلف أنحاء العالم أن يواصلوا أداء دورهم كصوت للحق، من خلال تنظيم لقاءات ومؤتمرات يشارك فيها فلسطينيون لنقل معاناة الناس وسرد واقعهم. كما أن من المهم تشجيع الحج إلى الأرض المقدسة، ليس فقط لزيارة الكنائس والأماكن التاريخية، بل أيضًا للقاء الأشخاص الذين يعيشون فيها؛ أحفاد المسيحيين الأوائل الذين حملوا الإنجيل إلى روما وإلى سائر أنحاء العالم. فهؤلاء هم «الحجارة الحية» للأرض المقدسة.
وأخيرًا، من الضروري تعزيز اللقاءات وبرامج التبادل بين الشباب، وتشجيع الحوار وتبادل الخبرات، بما يتيح للشباب المسيحي في إيطاليا التعرّف بصورة أقرب إلى الأرض التي عاش فيها يسوع، وتجسّد فيها، وأتمّ فيها رسالته الخلاصية.