موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٢٠ فبراير / شباط ٢٠٢٦
تأمل الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الأول من الصوم، سنة أ، 2026
مت 4، 1-11

بطريرك القدس للاتين :

 

إنَّ سرد الخطيئة الأصلية التي ارتكبها آدم وحواء، والتي نقرأها في الإصحاح الثالث من سفر التكوين، تُبيِّن لنا أنَّ الشرَّ يحدث في قلب الإنسان عندما ينسى الكلمة التي خاطبه الله بها، ويصغي بدلًا منها إلى أصواتٍ أخرى تتسلّل خفيةً وتشوّش الحقيقة التي أُعلنت له.

 

يتبع قراءة إنجيل اليوم (مت 4، 1-11) ذات النمط: عند نهر الأردن، تلّقى يسوع كلمة من الآب، كشفت له هويته كإبن محبوب.

 

لكن بعد المعمودية، يواجه يسوع التجربة في الصحراء، حيث تتركز بالتحديد على مواجهة صوتٍ مختلف عن صوت الآب، صوتٍ يقترح عليه طريقًا آخر غير ذاك.

 

لا يطلب منه أن يفعل أمورًا مختلفة فحسب، بل أن يكون غير ذاته، نافيًا هويته: فالمسيح هو الابن الحبيب الذي يستطيع في كل شيئ أن يثق بالآب ويعيش مستنداً على كلمته، من دون أن يضطر إلى تحقيق أو إثبات أي شيء.

 

وهنا يمتحنه المجرِّب في صميم بنوّته: «إن كنتَ ابنَ الله...» (متى 4: 3، 6)، أي في شكلية هذه البنوة... فلم يقل له: إن كنت قويًّا، أو غنيًّا، أو مقتدرًا... بل قال: إن كنتَ ابنًا.

 

التجربة الأولى تشير بأنّه إن كان ابن الله، فهو قادر على كل شيء: "إن كنتَ ابنَ الله، فمُر أن تصيرَ هذه الحجارة أرغفة" (متى 4: 3): إنّها تجربة تقود الى الاكتفاء ذاتيًا، حتى لا يحتاج الإنسان إلى أحد، ولا يضطرُ إلى طلب شيء أو تقدمة الشكر لآخر، إنّها صورة ابنٍ لا يشعر بحاجة حقيقيّة إلى الآب.

 

والتجربة الثانية تشير بأنّه إن أراد أن يتأكّد من أنّه ابن الله، فعليه أن يختبر الآب: إن كنتَ ابنَ الله، فألق بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأنّه مكتوب: يُوصي ملائكته فعلى أيديهم يحملونك لئلا تصدم بحجرٍ رجلك" (متى 4: 6). إنّها تجربة تقوده الى عدم الثقة بأحد، كابنٍ لا يستطيع أن يسلّم ثقتة للآب.

 

أمّا التجربة الثالثة، فتُوحي بأنّه، حتّى وإن كان يسوع ابن الله، فهو في الواقع لا يملك شيئًا ولا يستطيع أن يفعل شيئ، فالآب لا يُشاركه غناه، ولا يمنحه ما يحتاج إليه، بل عليه أن يُساوم الشرّ لكي يحيا بحياةً كاملة: "أُعطيك هذا كُلّه إن جثوت لي ساجدًا" (متى 4: 8) وكأنّ أن تكون إبناً للآب لا تكفي ليكون الإنسان سعيدًا.

 

في الواقع، تمس هذه التجارب الثلاث مخاوف عميقة لدى الإنسان.

 

الأولى تكشف خوف بدائيّ جداً وهو خوف العوز، ذلك الشعور بأنّه إن لم نُؤمّن بأنفسنا ما نحتاج إليه، فلن يقوم أحد بذلك. إنّه الخوف من ألّا يكون لنا سند، وعدم الشعور بمحبة كاملة، تجعلنا قادرين وملزمين على الاعتماد على الأخر.

 

والثانية تكشف خوفًا عميقًا من أنَّ الله لا يريد حقًّا الخير لنا، وأنّه ليس فعلًا "الله معنا"، ومن هنا تنبع الحاجة إلى أن نختبره باستمرار، وكأنّه مُطالَبٌ بأن يُثبت لنا أنّه جدير بالثقة.

 

الثالثة تعبّر عن خشيتنا من أن نكون بلا قيمة أو أهميّة: فالخطيئة توحي بأنّه إن لم يكن الإنسان كامل القدرة ويملك الكثير، فهو لا يساوي شيئًا.

 

أمّا يسوع، فلا يعيش في خوف أو قلق، لأنه يحيا من علاقته بالآب، هذه هي غناه الحقيقي، إنّه يرد على صوت التجربة بكلمة الكتاب المقدّس كل مرة، لا كسلاحٍ يُقاتل به، بل كبوصلةٍ عميقة للقلب، لأنّ الإبن يعرف صوت الآب، ويعلم أنّه صوته لا يثير الخوف ولا يفرض شيئًا.

 

إنّ الصوم الأربعيني يقودنا إلى البرّيّة، لكي نتدرّب على تميز صوت الآب وسط الأصوات الكثيرة التي تحيط بنا، ولكن كيف نفعل ذلك؟ ما هو المعيار الذي نستقيه من إنجيل اليوم؟

 

تُعلّمنا رواية تجربة يسوع في الصحراء، أنّ صوت الآب لا يُبعدنا أبدًا عمّا نحن عليه، ولا يطلب منّا أن نصير أشخاصًا آخرين، ولا يريد شيئًا سوى أن نصبح ما نحن عليه حقًا: أبناءً محبوبين، قادرين على الثقة، وقادرين على الطلب.

 

لكي ننتصر على التجربة، لا يُطلب منا أن نغلب الشرّ بقوتنا. يكفي أن نميل إلى سماع كلمة الآب، الذي ينادينا بأسمائنا، ويبيّن لنا من نكون حقًّا وما الذي يبتغيه قلبنا.