موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر السبت، ٧ مارس / آذار ٢٠٢٦
تأمل الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثالث من الصوم، سنة أ، 2026

بطريرك القدس للاتين :

 

نتعمق اليوم في المقطع الإنجيلي الذي يروي لقاءَ يسوع بامرأةٍ من السامرة (يو 4: 5-42) عبر تفصيلٍ صغير يورده النصّ في الآية السادسة، إذ يخبرنا أنّ يسوع كان مُتعَبًا من السفر. هذا الفعل "مُتعَب"، يعود في ختام النص عندما يحدّث يسوع تلاميذه قائلاً إنّه يرسلهم ليحصدوا ما لم يتعبوا هم في زرعه؛ فغيرهم قد تعب، وهم الآن يجنون ثمار ذلك التعب (يو 4: 38).

 

إن التعب الذي يشير إليه يسوع مرتبط بالعمل التّبشيري، وهو مصطلح يَرِد كثيرًا في كتابات بولس الرسول، حيث يصف خدمته بأنّها تعبٌ يبذل فيه نفسه بلا تحفّظ (1 قور 15: 10؛ قول 1: 29).

 

بهذا الضوء يتّضح لنا نوع التعب الذي يشير إليه الإنجيلي يوحنا عندما يصف يسوع بأنّه متعب، فيسوع لم يكن متعبًا فقط بسبب رحلته من اليهوديّة إلى الجليل، بل لإنّه يسير في مسيرة أخرى بدأت في حضن الآب وقادته أن يسكن بيننا (يو 1: 14)، إنّها مسيرة طويلة وشاقّة، لأنه جاء يبحث عن بشريّة  ضلّت الطريق وابتعدت عنه.

 

نرى اليوم صورة هذه البشريّة الضالّة في المرأة السامريّة، إذ هي أيضًا في مسيرة، تذهب كلّ يوم إلى البئر لتستقي ماءً، لكنّ هذه الرحلة لا تمنحها ماءً تروي عطشها بشكل نهائي، إنّه فعل يتكرّر بلا جدوى، مسيرة ترهقها وتتمنّى أن تتحرّر منها، لذلك تقول ليسوع: "يا ربّ، أَعطِني هذا الماء، لِكَي لا أَعطَشَ فأَعودَ إِلى الاستِقاءِ مِن هُنا" (يو 4: 15)، يبدو سعيها لا نهاية له، وأفعالها لا تروي أبداً توقها.

 

غير أن عطشها يكشف في العمق حقيقة حياتها، فبعد طلبها مباشرةً، ومن دون ترابطٍ منطقيّ ظاهر، ينتقل يسوع إلى موضوعٍ شخصيّ يمسّ حياتها العاطفيّة وأزواجها الخمسة (يو 4: 16-17). وهنا يتبيّن أنّ حياتها العاطفيّة تشبه مسيرتها اليوميّة إلى البئر: عالقة في دوامة لا تهبها الحياة، فهي في بحثٌ مستمر عن الحب، من دون أن تبلغ إليه حقًّا، حتى انتهى بها الأمر إلى العيش مع رجلٍ ليس زوجها، بعد أن أنهكها البحث فاستسلمت.

 

هذه هي الوجهة التي تبلغها البشريّة المجروحة بالشر: الى نقطة الاستسلام، مقتنعة بأنّها لن تجد الحب الذي تتوق إليه، عالقة في محاولات لا تلبّي ما تطلبه نفسها.

 

وهنا تحديدًا يمرّ يسوع، الابن الحبيب، في مسيرته (”وَصَلَ يَسوعُ إِلى مدينةٍ في السَّامِرَةِ“ - يو 4: 4).

 

وعندما يصل يسوع إلى تلك النقطة، حيث يلتقي أخيرًا بمخلوقته الضالّة، لا يوبّخها ولا يدينها. لا يذكّرها بأنّها امرأة سامريّة ذات حياة عاطفيّة مضطربة، ولا يكتفي بأن يقدّم لها تعليمًا جديدًا. وحتى حين تحوّل الحديث إلى مسألة عقائديّة، لا ينشغل بتصحيح أفكارها الدينيّة أو بإقناعها بالحقيقة.

 

أولاً، يقول لها الحقيقة عنها (يو 4: 17-18)، لكنّه يقولها بمحبّة ورحمة، لذلك لا تجرحها الحقيقة، بل تحرّرها، لا يجعلها تشعر بالعار، بل يكشف لها عن حقيقة نفسها، عن العطش الذي يسكنها ويحرك بحثها الطويل عن ينبوع الحياة، الذي لم تلتقي به، حتى الآن.

 

ومن هنا ينبع سؤالها الجوهري: أين نعبد الله؟ على جبل جرزيم أم في أورشليم؟ (يو 4: 19-20). أي: أين هو الينبوع الحقيقي؟ أين يمكن أن أجد الماء الحيّ؟ (قاَلتِ المَرأَة: «يا ربّ، أَرى أَنَّكَ نَبِيّ. تَعَبَّدَ آباؤُنا في هذا الجَبَل، وأَنتُم تَقولونَ إِنَّ المَكانَ الَّذي فيه يَجِبُ التَّعَبُّد هو في أُورَشَليم» - يوحنا 19:4-20).

 

الجواب ليس في مكان جغرافي، لا في أورشليم ولا على الجبل، بل في الشخص الذي يقف أمامها. في هذا الذي جاء ليبحث عنها، وتوقّف ليحاورها، ودخل في تاريخها المكسور دون خوف.

 

فالينبوع ليس مكانًا، بل علاقة تحرّر. لذلك تستطيع المرأة أن تترك جرّتها –رمز تعبها اليومي– وتنطلق إلى المدينة لتشهد بأنّها التقت بكلمةٍ جديدة غيّرت حياتها، تروي كينبوع عطش الآخرين: "هَلُمُّوا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟" (يو 4: 28-29).