موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٩ مايو / أيار ٢٠٢٦
المطران إياد الطوال: السلام ليس شعارًا بل عملية طويلة وصبورة وأسلوب حياة

أبونا :

 

في زمنٍ يتّسم بالتوترات الجيوسياسية، والصراعات الممتدّة، والتحوّلات العميقة في الشرق الأوسط، يواصل الأردن يمثّل نقطة مرجعية للاستقرار والحوار والتعايش في المنطقة. وبينما يراقب المجتمع الدولي بقلق متزايد تطورات الأزمة الإسرائيلية–الفلسطينية، والانعكاسات الإنسانية للصراعات المجاورة، والتحديات المرتبطة بتدفّقات الهجرة، تجد المملكة الأردنية الهاشمية نفسها مجدّدًا في قلب ديناميكيات حاسمة لمستقبل المنطقة.

 

وفي هذا السياق المعقّد، يكتسب دور المجتمعات المسيحية والمؤسسات الكنسية قيمة خاصة، ليس فقط على المستوى الرعوي، بل كشهادة ملموسة على السلام والتعاون وتعزيز كرامة الإنسان. فالكنيسة الكاثوليكية في الأردن، المتجذّرة بعمق في النسيج الاجتماعي للبلاد، تواصل أداء رسالة مهمّة إلى جانب الشباب والعائلات واللاجئين والأشخاص الأكثر ضعفًا.

 

وللتعمّق في المرحلة التي يمرّ بها الأردن والشرق الأوسط بأكمله، ولإدراك المساهمة التي يمكن أن يقدّمها الحضور المسيحي اليوم في الأرض المقدسة، التقت صحيفة الـAvvenire الإيطالية بسيادة المطران إياد الطوال، الأسقف المساعد في بطريركية القدس للاتين والنائب البطريركي في عمّان.

 

 

◀ سيادة المطران، بين القدس وعمّان، تعملون في أحد أكثر السياقات حساسية في الشرق الأوسط: ما هي القيمة التي يأخذها دوركم اليوم على الصعيد الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى الدور الرعوي؟

 

إن الخدمة الأسقفية، خصوصًا في هذه المنطقة، لا تقتصر على الحياة الداخلية للكنيسة فقط، بل متشابكة حتمًا مع التاريخ والمجتمع وجراح عصرنا. أن تكون أسقفًا يعني أن ترافق شعبك، ولكن أيضًا أن تكون صوتًا للمسؤولية والحوار والضمير المدني.

 

في الأردن، الكنيسة ليست واقعًا على الهامش، بل هي جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، حاضرة منذ قرون في البناء الروحي والتربوي والاجتماعي للبلاد. وبالتالي، تصبح خدمتنا أيضًا شكلًا من أشكال الشهادة العامة، هادئة لكنها ملموسة، لصالح كرامة الإنسان والتعايش السلمي.

 

 

◀ ما مدى تأثير الصراع القائم على الحياة اليومية للمجتمعات المسيحية، وما هي أكثر الحالات الطارئة إلحاحًا اليوم؟

 

إن ثقل الصراع يُشعر به يوميًا، حتى عندما لا ينفجر عند أبوابنا أو لا يكون هناك خطر مباشر؛ فهو يظهر في الخوف، وفي عدم الاستقرار الاقتصادي، وفي صعوبة التخطيط للمستقبل. تعيش العديد من العائلات تعبًا عميقًا، يتفاقم بسبب وجود اللاجئين وبسبب الموارد المتناقصة باستمرار.

 

تبقى أكثر الطوارئ إلحاحًا هي فرص العمل، خصوصًا للشباب، ودعم العائلات، ومرافقة الأشخاص الأكثر هشاشة. تحاول الكنيسة الاستجابة عبر شبكة رعاياها ومدارسها، ومن خلال كاريتاس، وبفضل الخدمة الصامتة للمكرّسين والمكرّسات الذين يختارون البقاء إلى جانب الناس، حتى في أصعب الظروف.

 

 

◀ في مشهدٍ شرق أوسطيّ يتّسم بالتوترات وانعدام الثقة، هل يمكن للكنيسة أن تبقى طرفًا موثوقًا للحوار بين الأطراف؟

 

أعتقد ذلك، تحديدًا لأن الكنيسة لا تتحدث انطلاقًا من مصالح سياسية أو منطق سلطة. لغتنا هي لغة الحياة اليومية: التربية، والرعاية، والإصغاء، والقرب. فالحوار لا يولد في البيانات الرسمية، بل في العلاقات الإنسانية. مدارسنا، وأعمالنا الخيرية، والمبادرات بين الأديان هي أماكن حقيقية للقاء، حيث يتعلّم الناس أن يتعرّفوا إلى بعضهم كأشخاص أولًا، قبل أن يكونوا منتمين إلى جماعة دينية أو إثنية.

 

 

◀ كثيرًا ما يتم التحدّث عن السلام، لكن نادرًا ما تُتخذ خطوات عملية: ما هي الإجراءات الواقعية التي تراها ضرورية اليوم؟

 

السلام ليس شعارًا، بل هو عملية طويلة وصبورة وأسلوب حياة. تبدأ الخطوات العملية من التعليم، ومن خلق فرص عمل لائقة، ومن دعم العائلات والشباب. وبدون استقبال اللاجئين والتعاون الحقيقي بين الأديان، فإنّ استقرار المنطقة يعني أولًا جعل الحياة اليومية ممكنة وإنسانية.

 

 

◀ كثيرًا ما يُستشهد بالأردن كنموذج للتوازن في العالم العربي: ما مدى متانة هذا النموذج، وما هي المخاطر التي يُنذر بها؟

 

النموذج الأردني حقيقي ومتجذّر بعمق، لكنه لا ينبغي أن يُجمل أو يُمثّل بصورة مثالية. إنه توازن بُني بالصبر والحوار والرؤية، وبدعم من القيادة الهاشمية. لكنه يبقى معرّضًا لضغوط اقتصادية وجيوسياسية كبيرة. الخطر الأكبر هو أن تؤدي صعوبات الحياة اليومية إلى الإحباط. لذلك فإن استقرار الأردن لا يهم الأردنيين فقط، بل يهم المنطقة بأكملها والمجتمع الدولي.

 

 

◀ هجرة المسيحيين ما زالت تُفرغ الأرض المقدسة: هل هي ظاهرة حتمية؟

 

لا أعتبرها حتمية، لكنها مفهومة بالتأكيد. الناس يغادرون عندما لا يرون أي فرصة لحياة كريمة لأنفسهم ولأبنائهم. عكس هذا المسار يعني الاستثمار بجدية في التعليم والتوظيف والمشاركة الاجتماعية. نحن ككنيسة نتحدّث اليوم أكثر عن "جودة الحضور": فليس المهم هو العدد، بل القدرة على البقاء كخميرة في المجتمع وتقديم شهادة ذات مصداقية.

 

 

◀ ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب، ليس فقط في الكنيسة بل أيضًا في بناء المجتمع؟

 

الشباب هم مورد أساسي، وليسوا مشكلة يجب إدارتها. عندما يتم الاستماع إليهم ومرافقتهم، يظهرون قدرة كبيرة على المسؤولية والإبداع. أفكر في طلاب الجامعة الأمريكية في مادبا، وفي المراكز الشبابية، والمبادرات الرقمية، والعمل التطوعي: كلها تجارب تُشكّل جيلًا قادرًا على الجمع بين الإيمان والكفاءة والالتزام المدني.

 

 

◀ اليوم، كون الإنسان مسيحيًا في الأرض المقدسة هو أيضًا مسألة هوية وسياسة: كيف تتجسد هذه الحضور؟

 

أن نكون مسيحيين يعني أن نعيش مواطنة كاملة، لا وضع أقلية منغلقة على نفسها. هويتنا تنبع من لقاء الإنجيل مع حب هذه الأرض. لسنا معرّفين بالعدد، بل بجودة الشهادة. هذا يعني السير مع الجميع، وخدمة الخير العام، وأن نكون صانعي حوار وسلام في تفاصيل الحياة اليومية.

 

 

◀ ما مدى أهمية الاستمرار في دعم المجتمعات المحلية؟ وما الرسالة التي تود توجيهها لمن في إيطاليا ممن يظلون قريبين من الكنيسة الكاثوليكية في الأردن؟

 

من الضروري جدًا الاستمرار في دعمها. الأمر لا يتعلق بالمساعدات فقط، بل بتمكين الناس من البقاء والخدمة والأمل. إلى الكنيسة والمجتمع في إيطاليا أود أن أقول: لا تتعبوا من السير معنا. كل عمل تضامن، وكل بادرة اهتمام، هي بذرة سلام في منطقة تحتاج إليه بشدة اليوم.