موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في قداس تجديد مواعيد الكهنوت، شدّد المطران إياد الطوال، النائب البطريركي للاتين في الأردن، أن أعظم تحدٍ يواجه الكهنة اليوم ليس في كثافة الخدمة أو صعوبتها، بل في «تآكل الهوية الكهنوتية» عندما تتحوّل الرسالة إلى مجرد وظيفة أو نشاط إداري. وأكد أن الكاهن لا يكون على حقيقته في الإدارة أو التنظيم أو القيادة، بل حين يضع نفسه على المذبح متحدًا ببذل المسيح لذاته.
وقال: «لا يحتاج العالم إلى كهنة ذوي كفاءات قيادية فريدة، ولا إلى كهنة يقلدون المدراء أو المؤثرين أو الناشطين أو الزعماء أو رجال الأعمال، بل إلى كهنة يعرفون أصلهم ومن يُمثلون، ويعلمون أن اختصاصهم الأول هو معرفة المسيح وعشيه».
في هذا اليوم المقدس، نجتمع فرحين حول سر الكهنوت المقدس: دعوتنا، ورسالتنا، وحياتنا في هذا الكهنوت. وقبل أن نتحدث عما نقوم به ككهنة، أدعوكم إلى تذكر من نحن، وما هي هويتنا كما هي في الكتاب المقدس.
لقد رُسم الكثير منا في فرح، وتدربنا على العمل الرعوي، ودرسنا وقضينا السنين الطويلة، وانطلقنا بحماسة إلى الخدمة. ومع ذلك، إذا كنا صادقين، فإن أعظم تحد نواجهه اليوم ككهنة في زماننا ليس قلة العمل، ولا حتى معارضة العالم، بل هو شيء أكثر هدوء وخطورة: تآكل الهوية الكهنوتية.
فعندما يُختزل الكهنوت إلى مجرد وظيفة، أو إدارة، أو نشاط دائم، أو دور وهوية اجتماعية، تبدأ الروح بالذبول. والحل ليس في إيجاد الاستراتيجيات أو إعادة الهيكلة، بل في العودة إلى الجذور، بالعودة إلى الكتاب المقدس، وتذكر من أين بدأ الكهنوت، ولماذا لم يتخل الله عنه أبدًا.
أولاً: الكهنوت كان فكرة الله الأولى
لم يبدأ الكهنوت بالهيكل، ولا حتى بموسى، بل بدأ في الجنة. يخبرنا سفر التكوين أن آدم وُضع في جنة عدن «ليعملها ويحفظها». هذان الفعلان، الخدمة والحراسة، هما نفس الكلمات التي استخدمت لاحقًا لوصف خدمة الكهنة اللاويين في الهيكل.
لم تكن جنة عدن مجرد حديقة، بل كانت أول هيكل لله، ولم يكن آدم مجرد عامل، بل أول كاهن. إذا، السقوط ليس مجرد فشل أخلاقي، بل هو انهيار للعبادة الكهنوتية. تفقد البشرية الوصول إلى حضرة الله لأن الكاهن قصر في حراسة الهيكل.
أيها الإخوة، كل كاهن يعرف في قرارة نفسه شعور أن تصبح العبادة روتينًا، وأن تضعف اليقظة، وأن تبدو القداسة بعيدة. هذا الصراع قديم قدم جنة عدن.
ثانيًا: لم يتخل الله عن الكهنوت
مع أن آدم سقط، لم يتخل الله عن خطته. في جميع أنحاء العهد القديم، يعيد الله بصبر دعوة الكهنوت. يبني الآباء المذابح، ويقدمون الذبائح، ويباركون عائلاتهم. يتناول إبراهيم القربان من ملكي صادق، الكاهن الملك الغامض، الذي يقدم الخبز والخمر. ويتأسس الكهنوت اللاوي ليس كاختراع، بل كمدرسة للعبادة، تعلم بني إسرائيل كيف يقتربون إلى الله القدوس.
كان هذا الكهنوت حقيقيًا، مقدسًا، وهبةً من الله. ومع ذلك، كان ناقصًا. لم تستطع ذبائحه أن تعيد ما فقد في الجنة، بل كانت تشير إلى الأمام، إلى المستقبل، إلى كاهن لا يقدم الذبيحة فقط، بل يصبح هو نفسه الذبيحة.
أيها الإخوة، الكهنوت ليس شيئًا نخلقه، بل هو واقع نرثه، ونحمل مسؤوليته بأمانة الحاضر، وبأمانة التسلسل الرسولي لمن يأتي بعدنا.
ثالثًا: لم يُلغ يسوع الكهنوت، بل أكمله
عندما جاء يسوع، لم يُلغ الكهنوت، بل أكمله. في العشاء الأخير، لم يكتف بمشاركة وجبة وداع، بل أخذ الخبز والخمر، قربان ملكي صادق، ونطق بكلمات التضحية: "هذا هو جسدي… هذا هو دمي" ثم قال: "اصنعوا هذا".... على جبل الجلجثة، كان الكاهن والذبيحة واحدًا. وفي القيامة، يقبل الآب الذبيحة. وبإرسال الرسل، يعهد المسيح إليهم سلطته الكهنوتية: غفران الخطايا، والإفخارستيا، ورعاية النفوس.
رسالة العبرانيين لا تدع مجالاً للشك: يسوع هو رئيس الكهنة، لا على رتبة هارون، بل على رتبة ملكي صادق، أبدي، سماوي، ونهائي.
أيها الإخوة، لم نرسم لنحل محل المسيح، بل رسمنا لنكون شركاء سريين في كهنوته.
رابعًا: الكهنوت ليس وظيفة، بل هوية سرية
توقع العالم اليهودي القديم، بما في ذلك مخطوطات البحر الميت، أنه عندما يأتي المسيح سيعيد كهنوتًا مقدسًا، مكرسًا، قائمًا على التضحية. فالمسيحية لم تبتدع هذا الرجاء، بل حققته.
في القيامة، قبل الآب ذبيحة الصليب. ولا يوجد تنافس بين الكهنوت الخدمي والكهنوت الملكي للمؤمنين، بل الأول في خدمة الثاني. فبدون الكهنة المرتسمين، يختفي سر القربان المقدس، وبدون القربان المقدس، تذبل الكنيسة.
أيها الإخوة، لا يكون الكاهن على حقيقته حين يدير مكتبًا أو مؤسسة، أو يتزعم، أو ينظم، أو يقوم بأي نشاط، بل حين يضع نفسه على المذبح، متحدًا ببذل المسيح لذاته. ونعيش هذه الهوية أو الحقيقة في البطريركية اللاتينية لخدمة شعبنا في تعدد البلدان، وليس مع انتماء عالٍ وعميق وواعٍ لخصوصية أبرشيتنا فحسب، بل تطبيقًا مدركًا للمصلحة العامة والأولويات الواضحة.
الخلاصة: لنتذكر من نحن
أيها الإخوة، لا يحتاج العالم إلى كهنة ذوي كفاءات قيادية فريدة، ولا إلى كهنة يقلدون المدراء، أو المؤثرين، أو الناشطين، أو الزعماء، أو رجال الأعمال. بل يحتاج إلى كهنة يعرفون أصلهم، ومن يمثلون، ويعلمون أن اختصاصهم الأول هو معرفة المسيح وعشه.
مُسحت أيدينا لا لأداء مهام، بل للتضحية.
ودُربت أصواتنا لا للضجيج والكلام بدون عمق وفعل، بل للغفران والتبشير.
وكرست حياتنا لا للراحة، بل للعبادة.
فلنصل اليوم لا من أجل الإخلاص فقط، بل من أجل فرح الكهنوت أيضًا، فرح معرفة أن ما بدأ في الجنة قد أعيد في المسيح، وهو اليوم يمر عبر أيدينا، وكلماتنا، وحياتنا.