موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
حوار أديان
نشر الأربعاء، ٢٤ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
الكاردينال بارولين يدعو من المغرب إلى الانتقال من مفهوم التسامح إلى الأخوّة الحقيقية

أبونا :

 

الإيمان والضمير المدني هما وجهان لعملة واحدة، وليسا، كما يحاول النقاش العام أحيانًا تصويرهما، في حالة تعارض. فالانتقال من مجرد «التسامح» مع «الجار القانوني» الذي نتقاسم معه فقط «فضاءً من الحقوق»، إلى القبول الحقيقي بـ«أخ أو أخت في الإنسانية»، يحتاج إلى إنسانية متجذّرة في البعد الروحي؛ وإلا فإنها قد «تجفّ وتتحول إلى رؤية نفعية بحتة».

 

هذا هو جوهر الكلمة التي ألقاها اليوم، 23 حزيران، الكاردينال بييترو بارولين في مقر أكاديمية المملكة المغربية بالعاصمة الرباط، بعنوان: «المؤمنون والمواطنون: بناء الأخوّة الإنسانية معًا بعد خمسين عامًا من العلاقات الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي والمغرب».

 

وجاءت المناسبة خلال الجلسة الاحتفالية لقبول وتنصيب الكاردينال عضوًا فخريًا جديدًا في المؤسسة متعددة الاختصاصات التي تأسست عام 1977 على يد الملك الحسن الثاني.

 

 

مرور 50 عامًا على العلاقات

 

نقل الكاردينال بارولين تحيات وبركات البابا لاون الرابع عشر، مشيرًا إلى أن هذا العام يمثّل «اليوبيل الذهبي» للعلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والكرسي الرسولي، التي أُقيمت عام 1976 وتميّزت خلال خمسة عقود بـ«الاحترام المتبادل» و«التقارب العميق في وجهات النظر». وأوضح أن خمسين عامًا، رغم أهميتها، تبقى «لحظة قصيرة» أمام تاريخ مؤسسات عمرها آلاف السنين.

 

وأشار إلى أن من نقاط الالتقاء الأساسية بين الجانبين النظرة إلى الدين باعتباره «حصنًا ضد التطرف» وليس «ذريعة للانقسام». وقد ظهر هذا المسار في محطات عديدة من العلاقات بين الطرفين، بدءًا من زيارة الملك الحسن الثاني إلى الفاتيكان عام 1980، ثم زيارة القديس يوحنا بولس الثاني إلى المغرب عام 1985، وهي أول زيارة لحبر أعظم يلتقي فيها بالشباب المسلم بمبادرة من رئيس دولة، وصولًا إلى زيارة البابا فرنسيس الرسولية إلى المغرب عام 2019.

 

 

الرحمة الفعّالة من جانب الدول

 

أكد الكاردينال أن هذه اللقاءات تبقى محرّكًا لالتزام مشترك من أجل السلام والعدالة وصون كرامة الإنسان، وهي المبادئ التي ذكّر بها وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، التي وقّعها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب في أبوظبي في 4 شباط 2019.

 

وتؤكد الوثيقة أن الخالق منح جميع البشر كرامة متساوية، ودعاهم إلى العيش معًا كإخوة. وأضاف بارولين أن هذه «الحقيقة الخالدة» تتطلب من الدول «رحمة فعّالة، واحترامًا متبادلًا، وتضامنًا متجددًا» أمام الأزمات التي تواجه عالمنا.

 

 

أخوّة متجذّرة في الروحانية

 

وأوضح الكاردينال أن هذا الالتزام يستمد قوته وشرعيته من البعد الروحي، لأن الإيمان يصبح أساسًا لبناء الأخوّة الإنسانية وصياغة عالم أكثر عدلًا عندما يتجسّد في «خدمة الجماعة» والاعتراف بالكرامة المتأصلة لكل إنسان.

 

وبالتالي، فإن المؤمن مدعو إلى أن يكون في الخط الأول لبناء السلام، كما أكد البابا فرنسيس والملك محمد السادس عام 2019، عندما شدد الأخير على أن «الروحانية ليست غاية بحد ذاتها»، وأن «إيماننا يتحول إلى أعمال ملموسة».

 

وأشار إلى أن البابا لاون أكد خلال يوبيل الحكام في 21 حزيران الماضي أن «الإيمان بالله، بما يحمله من قيم إيجابية، هو في حياة الأفراد والجماعات مصدر هائل للخير والحقيق». وأضاف: «إن الأخوّة، إذا حُرمت من جذورها الروحية، تخاطر بأن تجف لصالح رؤية نفعية بحتة».

 

 

توحيد الإيمان والمواطنة

 

ولتحقيق أخوّة حقيقية، شدد بارولين على أن الإيمان والمواطنة لا يمكن فصلهما. واستعاد كلمات البابا فرنسيس في الرباط، مؤكدًا ضرورة الانتقال من مجرد «التسامح» الذي يحتمل الآخر، إلى «الأخوّة» التي تستقبله.

 

وقال إن الكرسي الرسولي يؤكد دائمًا أن «اسم الله لا يمكن أبدًا أن يُستخدم لتبرير الكراهية». وأشار إلى أن المغرب جسّد هذا المبدأ من خلال إعلان مراكش عام 2016، الذي أعاد التأكيد على حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، ضمن رؤية تقوم على المواطنة والكرامة الإنسانية والاندماج.

 

 

قيمة الحوار بين الأديان

 

أكد بارولين أن بناء هذا الأفق يمر عبر الحوار بين الأديان، مشيرًا إلى الدور الذي يلعبه المغرب في هذا المجال. واستشهد بكلمات الملك محمد السادس حول «أخوّة أبناء إبراهيم»، باعتبارها ركيزة أساسية للتنوع الغني في الحضارة المغربية. وأوضح أن هذا التناغم يظهر في وجود المساجد والكنائس والمعابد اليهودية جنبًا إلى جنب في مدن المملكة.

 

وأضاف أن هذه «الدبلوماسية القائمة على الثقافة واللقاء» تمثل بالنسبة للكرسي الرسولي محورًا أساسيًا لتهدئة العلاقات الدولية. وأكد: «إيماننا يعلمنا أن كرامة الإنسان ليست منحة تمنحها الدول، بل عطية مقدسة من الله، الذي خلق الإنسان على صورته».

 

 

الهجرة والبيئة والتكنولوجيا: تحديات العصر

 

وأشار الكاردينال إلى أن مطلب الكرامة الإنسانية يواجه اليوم تحديات كثيرة، من بينها «القضية الملحّة للهجرة». وأوضح أن المغرب يؤدي دورًا مهمًا من خلال ميثاق مراكش للهجرة، الذي يبقى «خارطة طريق مشتركة» لضمان أن يتم استقبال المهاجر وحمايته وتعزيز قدراته ودمجه باعتباره أخًا، تجسيدًا للأخوّة العالمية التي ترفض الإقصاء.

 

كما تحدث عن حماية البيت المشترك، مشيرًا إلى أن توجهات رسالة البابا فرنسيس «كن مسبحًا» تنسجم مع جهود المغرب في مجال الطاقات المتجددة، من أجل تعزيز بيئة متكاملة تجمع احترام الطبيعة بالعدالة الاجتماعية.

 

وتطرق كذلك إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة، مؤكدًا أن البوصلة هي رسالة البابا لاون الرابع عشر «الإنسانية الرائعة» التي تؤكد أن كرامة الإنسان ذات طابع جوهري، فهي لا تعتمد على قدراته أو ثروته أو إنجازاته، بل هي «عطية أولى تسبق وتتجاوز كل إبداع بشري».

 

ولمواجهة انحرافات الحداثة، شدد أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان على أهمية تربية الشباب، واصفًا إياها بأنها «حجر الزاوية الأخير» القادر على حماية الأبناء من أوهام العدمية ومن الانحرافات المتطرفة، وجعلهم بناة العالم غدًا.

 

 

شهادة حيّة للأخوّة

 

في ختام كلمته، أكد الكاردينال بارولين أن اجتماع بُعدي الضمير المدني والروح الإيمانية يجعلهما «صانعين لتغيير اجتماعي عميق». وأضاف أن الرغبة في عالم أكثر عدلًا لا تكفي، بل تحتاج إلى التزام صبور وملموس ومنسّق.

 

وقال: «السلام الحقيقي لا يمكن أن يخضع لبراغماتية الاتفاقات المؤقتة؛ بل يُبنى بصبر ومثابرة من خلال ثقافة حقيقية للحوار». وختم بالتأكيد أن المغرب والكرسي الرسولي مدعوان إلى مواصلة «رسم طرق المستقبل معًا»، وتقديم شهادة حيّة ومشرقة وثابتة أمام أمم العالم عن الأخوّة الإنسانية.