موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قبل إصدار النصوص الخاصة بأسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين لعام 2027، أُعلنت المواد التحضيرية التي أعدّتها الكنائس في أيرلندا، والتي تتمحور حول الآية الإنجيلية: «لا تخف أيها القطيع الصغير، فقد حسن لدى أبيكم أن يُنعم عليكم بالملكوت» (لوقا 12: 32). وهي آية تفتح آفاقًا من الرجاء والثقة، حتى في أكثر الظروف صعوبة.
وقد اختيرت صورة «القطيع الصغير» لأن المسيحيين في مناطق كثيرة من العالم يشكلون أقلية، بل وأقلية مضطهدة أحيانًا. كما أن المسيحية في أيرلندا نفسها، بسبب تنامي ظاهرة العلمنة، أصبحت تحتل موقعًا هامشيًا في المجتمع. لكن معدّي الدليل يؤكدون أن هذا الواقع لا ينبغي أن يكون سببًا للإحباط، بل فرصة للتنقية الروحية وللالتزام بسخاء أكبر، مع التشديد على أهمية الشهادة ذات الطابع المسكوني، ووضع خدمة الفقراء والمهمشين في صدارة الأولويات.
وجاء في المقدمة اللاهوتية والرعوية للدليل:
«إننا نعترف بضعفنا وحدودنا وهشاشتنا، وندرك أننا نعتمد اعتمادًا كاملًا على الله، فنختبر بذلك نعمة قادرة على تغيير حياتنا. وعلى الصعيد العملي، تسهم وحدة المسيحيين أيضًا في تعزيز مسيرة الشفاء للمجتمع بأسره. فعندما تتعاون الكنائس في خدمة المهمشين، فإنها تشهد لقيم الملكوت التي أعلنها يسوع. وهكذا يصبح الرجاء الذي تحمله آية لوقا 12: 32 ملموسًا، إذ إن "القطيع الصغير"، وإن لم يعد يتمتع بالمكانة الثقافية المهيمنة، يغدو علامة على الملكوت؛ ملكوت يقوم لا على السلطة، بل على المحبة والرحمة والخدمة».
ويقترح معدّو الدليل أنه، خلال الاحتفال الليتورجي المسكوني، وضع صليب القديس كولومبانوس علامةً للخلاص والرجاء. فهذا الصليب، المستوحى من صورة الشمس المشرقة، ويُعدّ من أبرز رموز التقليد الأيرلندي، يتميز بدائرة في وسطه ترمز إلى المسيح القائم من بين الأموات، نور العالم.
وفي مبادرة تهدف إلى إشراك الأطفال واليافعين، يوصي الدليل بأن «تُوزَّع قبل الاحتفال بفترة نسخ من صليب القديس كولومبانوس على الأطفال والفتية لتلوينها أو رسمها. وبعد العظة، تُحمل هذه الرسومات في موكب بين المؤمنين، ثم تُجمع معًا لتشكّل صليبًا كبيرًا يُوضع في مكان مرتفع بحيث يراه الجميع، قبل أن تُتلى فقرة من كتابات القديس باتريك».
كما أُعدّ للأسبوع الثماني سلسلة من التأملات الروحية العميقة التي تتناول عددًا من المزامير. وتهدف الصلوات المختارة أيضًا إلى تعريف المؤمنين بكتابات عدد من كبار قديسي أيرلندا، وهم: القديس باتريك، والقديس برندان الملاح، والقديس كولومبانوس، والقديس دالان فورغيل. وقد عاش هؤلاء جميعًا في بدايات العصور الوسطى، ويُعدّون من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تشكيل الروحانية والثقافة والتاريخ في الجزيرة. فالقديس باتريك كان المبشر الأكبر لأيرلندا، بينما يمثل الآخرون أبرز وجوه التقليد الرهباني الأيرلندي الذي ترك أثرًا عميقًا في الحياة الكنسية والثقافية.
وقد أُعدّت هذه المواد من قبل فريق يضم ممثلين عن مختلف التقاليد المسيحية في أيرلندا، بإشراف مجلس كنائس أيرلندا ومجلس الأساقفة الأيرلندي. وتعاون هذا الفريق المسكوني المحلي مع اللجنة الدولية التي شكّلها بصورة مشتركة دائرة تعزيز وحدة المسيحيين في الفاتيكان ولجنة الإيمان والنظام التابعة لمجلس الكنائس العالمي. أما المراجعة النهائية للنصوص، فقد جرت في كلية القديس باتريك بمدينة ماينوث، خلال الفترة الممتدة من 31 آب إلى 5 أيلول 2025.
وليست هذه المرة الأولى التي تُكلَّف فيها أيرلندا بإعداد نصوص أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين، إذ سبق أن قامت بذلك أيضًا في أعوام 1983 و1994 و2006. وفي سياق أيرلندا، التي عانت لعقود طويلة من أعمال العنف الطائفي، شكّلت المسكونية علامة رجاء ثابتة، وأظهرت قدرةً على تحويل المآسي والآلام والخسائر إلى توقٍ صادق والتزام عملي من أجل السلام والوحدة.
وتختتم إحدى صلوات الدليل بهذه الكلمات المؤثرة:
«امنحني الإيمان الذي أحتاج إليه لأترك العادات القديمة، وأسير معك في طرق جديدة. أيها المسيح، يا من يفوق كل أسرار الحياة، أثق بك لأنك أقوى من كل عاصفة تهزّني. سأثق بك حتى في الظلمة، وأعلم أن زماني، حتى الآن، هو بين يديك. اجعل روحي متناغمة مع موسيقى السماء، ولتكن طاعتي ذات قيمة في عينيك».