موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
التحرّر من الإنهماك في أمورنا اليوميّة الدنيويّة ضرورة لا بدّ منها في زمن الصوم، وذلك بلجوئنا إلى الصحراء في ثنايا نفوسنا... كي نسبر أغوارها : ونواجه أنفسنا ونفحص ضمائرنا، ونلتقي مع ذواتنا أوّلاً ومن ثمّ مع الله، ونكتشف الأسباب التي أدّت إلى انحرافنا عن مسيرتنا، ونُقوّم سعينا نحو الكمال ونسدّد فيه خُطانا. قال السيّد المسيح: "طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني". ليكن طعامنا في زمن الصوم الاستماع إلى كلام الله وتلبية مشيئته...
ممارسة الصيام ضرورية ولكن مع الارتباط بالمحبّة. الصيام والمحبّة توأمان لا يفترقان ولا يكتمل أحدهما من غير الآخر. لذلك لِزامٌ علينا أن نمارس المحبّة في زمن الصوم. كما يوصينا السيّد المسيح : "أحبِب قريبك كنفسك". ومن أقوال القدّيس يوحنا فم الذهب في هذا الصدد: "الصّيام وحده لا يُصعِدُك إلى السماء، بل أنت تحتاج معه إلى أجنحة المحبّة".
ويتعلّم المؤمن من السيّد المسيح، عبر الكتاب المقدّس، أنّ السعادة الداخليّة "الفرح" هي كنه الحياة وجوهرها. ويأتي الفرح عندما نتقبّل اختيارات الله ونرضى بمشيئته. وممارسة الصوم السنويّ، في زمن الصوم الأربعينيّ، مسيرة روحانية تقودنا إلى السعادة الداخليّة أو تزيد إحساسنا بها. كما يُركّز المؤمن في زمن الصوم على مصادر الفرح الأخرى: منها الصلاة والتقشف في تناول الأطعمة البسيطة وارتداء الملابس البسيطة. أمّا السعادة الخارجية فتعتمد على الظروف والصدف، وتعتمد على المقتنيات المادّيّة، والصحة، والعلاقة مع الأهل والأقارب، والصداقات، والاستقرار السياسيّ أو الماديّ أوالعاطفيّ إلخ .
يقوم الصائم في البحث عن المصدر الأساسي لفرحه الداخلي، أي يتواصل وجدانياً معه عزّ وجلّ في خلوته وصلاته... ويُدرك بطبيعة الحال أنّ ما يحيط به خارج إطار ذاته من ثروة ومال وأهواء كلّها باطلة... وإذا كنّاَ نشعر أنّ "الصوم" يحرمنا أو يُجرّدنا من كلّ شيء، فإنه يكشف عن مدى اهتمامنا وتعلّقنا ب "السعادة الخارجية"، سبب بؤسنا ومصدر قلقنا.
لأن الطيّبات الخارجيّة التي تُغرينا، من حظّ وظروف وأناس وغيرها، تضيع كلّها في أيّام الشدّة: بالإفلاس أو البطالة أو الخيانة أو المرض... كتب القدّيس بولس رسول الأمم والإناء المختار في هذا الصدد: "لا أقول هذا عن حاجة، فقد تَعَلَّمْتُ أَنْ أَقنع بما أَنا عليه. فأُحسن العيش في الحرمان كما أُحسن العيش في اليُسر. ففي كلّ وقت وفي كلّ شيء تعلّمتُ أن أشبع وأجوع، أن أكون في العُسر واليُسر، أَستطيعُ كلَّ شيء بذاك الّذي يُقوّيني" (فيلبّي 4: 11-13). لقد أدرك القدّيس بولس بخبرته الروحانيّة السعادة الحقيقيّة، فجعل الربّ في مركز الفرح الداخلي الذي يستشعره.
ولكلّ مَن اعتاد على مصادر السعادة الخارجيّة، سيأتي يوم يغرق فيه في بحور اليأس لدى حرمانه من تلك المصادر، أو يختبر يقظة روحانية تُوجّهه نحو ربّه جلّ جلاله. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما لا نشعر بالارتياح لدى استعمال وسائل التواصل الاجتماعي (إحدى مصادر السعادة الخارجية)... ونشعر بافتقارنا إلى السعادة الحقيقية، حينئذٍ يُستحسن أن نغيّر نمط حياتنا، ونتوجّه إلى الربّ فرح القلوب الأعظم، بكلّ ثقة وإيمان.
خاتمة
يكمن الصوم الصحيح في ممارسة أعمال الخير والمحبّة بدل الأنانية ومحبّة الذات. والصوم الأربعيني رحلة لاستكشاف صوته تعالى في أعماق قلوبنا والإصغاء إليه... و"إن أنتَم سمعتَم صوته فلا تُقسِّوا قلوبكم" (عبرانيين 3: 15).