موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لقد وقعت "الفأس في الرأس" وحدث ما كنا نخشاه. ويتكرر المشهد في بلدنا المصلوب وشرقنا المنكوب وعالمنا المُكركَب الزاخر بالحروب... فإن فائض القوة يجعل من الدول مدمنة على الحرب ومتعطشة للدماء والهيمنة لا بل أصبحت دولاً خارجة على القانون والشرعية الدولية. ونتساءل أين العدالة في هذه الحروب اللاأخلاقية الخطيرة التي يدفع ثمنها البسطاء والأبرياء من عامة الشعب من دمائهم وأعصابهم ولقمة عيشهم وأمنهم وأمانهم واستقرارهم فيعيشون في ظروف لا يُحسدون عليها!
وأمام هذا الواقع الأليم يتساءل الجميع سؤالاً بديهيًا: هل من حرب عادلة؟ وما هي شروط الحرب العادلة وما هي أخلاقياتها؟ هل هناك أحكام وحدود لإعلان أي حرب بطريقة شرعية؟ كل هذه التساؤلات بحاجة إلى إجابات. ونحن لا ندعي الإحاطة بها في هذه العجالة ولكننا سنحاول أن ندخل هذه المعركة بسلاح علم المنطق والأخلاق طارحين على بساط البحث المبادئ الأساسية في هذه القضية المعقدة انطلاقاً من التعليم المسيحي ووجهة النظر الكنسية.
بداية أشعر أن هناك تناقضًا في الكلمات التي نستعملها عادة، فعندما نقول "حرب عادلة" أو "حرب مقدسة". فإن التناقض نابع من التساؤل: كيف يمكن أن تكون الحرب عادلة؟ وكيف يمكن أن تكون الحرب مقدسة؟ فالحرب هي الحرب التي تزرع الدمار وتسفك الدماء وتشرد العباد وتحرق الزرع والضرع وتؤدي إلى مزيد من الحقد والعنف والكراهية المتبادلة. لذلك يجب أن نتفق منذ البداية على أن الحرب هي "شر وبلية" ولا يمكن أن تكون عادلة أو مقدسة، وحتى ولو كانت في بعض الأحيان "شرًا لا بد منه" فلها شروط وحدود وأخلاقيات لا بد منها.
يجب التمييز بين الحرب الهجومية (العدوان) والحرب الدفاعية (المقاومة) والحرب الوقائية (الردع) التي تقوم على التلويح بالحرب على مثال "الحرب الباردة" من باب "إذا أردت السلم فحضر للحرب". فالأولى محرمة في كل الأحوال لأن هدفها التوسع والسيطرة على الأرض والعباد وإخضاعهم بالقوة. أما الثانية فإنها مسموحة لأن لا بد منها للرد على العدوان، ولكنها تخضع لشروط محددة يمكن أن نعرفها إذا أجبنا على السؤالين: متى يسمح باستعمال القوة؟ وما هي المبادئ التي تحدد استعمال القوة؟. أما الثالثة فمن الأفضل تحاشيها لأن تكديس الأسلحة وامتلاك مصادر القوة يغري باستخدامها من باب استعراض العضلات أحيانًا أو تخويف الأعداء أحيانًا أخرى، بالإضافة إلى سباق في التسلح له بداية وليس له نهاية يضع العالم على "كف عفريت".
هناك العديد من المعايير لتبرير استعمال القوة أو شن حرب مبررة: أن يكون السبب عادلاً أي إحقاق الحق وإقامة العدالة؛ أن تعلنها سلطة شرعية؛ أن تدار بنية حسنة ولهدف شريف؛ أن تكون أضرارها أقل من منافعها؛ أن تكون الملجأ الأخير والوحيد بعد استنفاذ كافة الوسائل السلمية والدبلوماسية؛ أن يكون لها فرصة منطقية في النجاح وتحقيق الأهداف المرجوة، وأن تكون نتيجتها خيراً وليس شراً أي استتباب الأمن والاستقرار والسلام بين الأنام.
وعندما تتوفر هذه المعايير فإن أي عمل عسكري يتطلب أن يتقيد بالقواعد الأخلاقية والشرعية: توفر توازن نسبي في الوسائل المستخدمة، تحاشي استخدام القوة المفرطة المطلوبة لتحقيق الأهداف المنشودة، عدم الحاق الأضرار بالمنشئات المدنية والحيوية والضرورية للسكان المدنيين العزل، وبالتالي عدم إزهاق الأرواح البريئة من بشر وشجر وكائنات حية. إن هذه العناصر أصبحت أكثر إلحاحاً انطلاقاً من التقدم التكنولوجي في الوسائل الحربية التي تؤدي إلى الدمار الشامل كما شاهدنا في حروب القرن المنصرم، خاصة إذا أخذنا في الحسبان الخطر المحدق بالبشرية أثناء الحروب المعاصرة نتيجة تطور أسلحة الدمار الشامل من نووية وكيميائية وبيولوجية والمحرمة دوليًا.
قد تبدو هذه المبادئ عمومية منطقية لأنها إنسانية، فدعونا نرى تعليم الكنيسة حولها: فالبابا يوحنا الثالث والعشرون ركز في رسالته الرسولية "السلام على الأرض" عام 1963 على ضرورة استخدام لغة الحوار بدلاً من لغة السلاح لحل النزاعات. وقد دفع خطر الأسلحة النووية البابا للتصريح "إنه من المنافي للمنطق القول بأن اللجوء إلى الحرب طريقة مناسبة لإعادة الحقوق المغتصبة".
وفي المجمع الفاتيكاني الثاني، وبالذات في الوثيقة حول "الكنيسة في عالم اليوم" نجد دعوة إلى التفاوض لحل النزاعات ولكن بسبب الإرهاب واستمرار الحروب والنزاعات فإن المجمع لا يحرم الدول من الحق في الدفاع المشروع عن الذات باستخدام القوة عندما تستنفذ وتفشل كل الجهود السلمية: "ما دام خطر الحرب قائمًا، وما دام العالم خاليًا من سلطة دولية ذات صلاحيات وذات قوات كافية، فلا يمكن انكار ما للحكومات من حق مشروع في الدفاع، بعد استنفاذ جميع امكانيات الحل السلمي". ولكن المجمع، وبسبب القوة التدميرية للحروب الحديثة، يستنكر ويحرم كل أنواع الحروب التي تؤدي إلى الدمار الشامل للمدن والمراكز المدنية والحياة البشرية: "كل عمل حربي عشوائي يقصد به تدمير مدن بكاملها، أو مناطق واسعة بسكانها، هو عمل إجرامي إلى الله وإلى الإنسان نفسه، ويجب شجبه وإنكاره بشدة وبغير تردد". كما تعلن الكنيسة والعقل البشري استمرارية قيام الشريعة الأخلاقية إبان الصراعات المسلحة: "ولئن ساء الحظ ونشبت الحرب، فلا يجوز أن يكون مجرد نشوبها مدعاة لتبرير كل شيء بين الفرقاء المتحاربين".
أما كتاب التعليم المسيحي الجديد للكنائس الكاثوليكية الذي صدر عام 1997 فإنه يلخص تعليم الكنيسة حول استخدام القوة في الرقم 2309: يجب التبصر بدقة في الشروط الصارمة للدفاع المشروع بالقوة العسكرية: "إن خطورة قرار كهذا تقتضي اخضاعه لشروط صارمة تتطلبها الشرعية الأخلاقية. فيجب في آن واحد: أن يكون الأذى الذي ألحقه المعتدي بالأمة أو بجماعة الأمم ثابتاً وخطيراً وأكيداً؛ أن يتبين أن جميع الوسائل الأخرى لوضع حد له مستحيلة أو غير نافعة؛ أن تتوفر شروط جدية للنجاح؛ ألا يؤدي استعمال السلاح إلى شرور واضطرابات أخطر من الشر الذي يجب دفعه. وما لوسائل الدمار الحديثة من قوة له وزن ثقيل جداً في تقدير هذا الشرط". هذه هي الشروط التقليدية التي تعددها العقيدة المسماة عقيدة "الحرب العادلة" وتقدير هذه الشروط الشرعية والأخلاقية هذه يعود إلى حكم من يضطلعون بأعباء الخير العام وفطنتهم.
ونعود بعد هذا العرض إلى نفس الأسئلة:
هل من حرب عادلة؟ وهل هذه الحرب مبررة وضرورية؟ ونرى بأن الإجابة سهلة:
فبالنسبة للسؤال الأول: فمن الواضح الرفض البات لجميع أنواع العنف واللجوء إلى القوة والحروب، ولكن هناك تبرير لاستخدامها فقط للدفاع بعد استنفاذ كل الحلول السلمية، وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام عام 1982 حين قال: "إن المسيحيين يناضلون لمقاومة جميع أشكال الحروب، ولكنهم لا يترددون في الإعلان، وبسبب المتطلبات الأساسية للعدالة، أنه يحق للشعوب، لا بل من واجبهم، الدفاع عن وجودهم وحريتهم باستخدام الوسائل الملائمة، ضد المعتدي الظالم".
أما بالنسبة للسؤال الثاني: إن تحليلنا لكل المعايير التي ذكرناها ومقارنتها مع ما يحدث على أرض الواقع لا يدع مجالاً للشك بأن "المسألة فيها نظر" أتركها لحكمة وذكاء القارئ الكريم!! ولكن نقول باختصار بأنها غير عادلة، غير شرعية، غير ضرورية لا بل غير أخلاقية، تدل على عقدة القوة والتفوق والرغبة في السيطرة والهيمنة، فلا يمكن لأي دولة أن تنصب نفسها "شرطياً للعالم" لأنها فقط قوية وتملك الأسلحة الفتاكة.
ومن الجدير بذكره أن قداسة البابا الحالي لاون الرابع عشر ما انفك يومًا عن التعبير عن موقف الكنيسة الكاثوليكية بضرورة وقف الحروب خوفًا من توسعها والانزلاق الى أوضاعٍ لا تُحمد عقباها ويصعب الرجعة عنها.. وضرورة اللجوء الى الطرق الدبلوماسية لحل النزاعات الدولية، وآخر ما قاله ودعا اليه: "إسكات الأسلحة واللجوء إلى الحوار، مؤكداً أن "الحرب لم تقدّم يومًا حلولًا".
أما أنا فأرى بأن العالم والإنسانية في مأزق لا بل في ورطة حقيقية، وكأن الإنسان مفطور على العنف منذ قائين وهابيل. فهل من مخرج؟! إني أومن بأن الحل الوحيد هو أن نكسر دائرة العنف بالمحبة: "أحبوا أعداءكم وصلوا لأجل الذين يبغضونكم" وألا نقابل الشر بالشر بل "لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير". ويا ليتنا نفهم كلام المعلم: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" خاصة "إن الرغبة في الثأر لأذية من يجب معاقبته غير جائزة" فالعنف لا يولد إلا العنف، ولا يمكن الرد على كارثة بكارثة أكبر منها! فالعدالة لا تتحقق إلا بالمحبة!
وأحلم باليوم الذي تسود البشرية العدالة وتتغلب على العنف بالمحبة ويطوي عالمنا صفحات الحروب، فيتحقق كلام النبي أشعيا: "ويُحوِّلونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. ولَا تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلَا يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ" (إش 2: 4).