موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كانت القديسة جَانّا بيريتا مولّا طبيبة أطفال إيطالية، وُلدت في مدينة ماجينتا ضمن مملكة إيطاليا في 4 تشرين الأول 1922. كانت العاشرة بين ثلاثة عشر أخًا وأختًا في عائلتها. في سن الثالثة، انتقلت مع عائلتها إلى مدينة بيرغامو، ونشأت في منطقة لومبارديا الإيطالية. ومنذ طفولتها، تلقّت جانّا إيمانها المسيحي بوضوح، وتربّت على التعليم الكاثوليكي الذي زرعه فيها والداها المحبّان. كانت ترى الحياة عطية جميلة من الله، وكانت تجد في الصلاة ضرورة ومصدر قوة.
في عام 1942 بدأت دراسة الطب في ميلانو، وكانت طالبة مجتهدة ومثابرة في دراستها وإيمانها معًا. وبصفتها عضوة في جمعية القديس منصور دي بول، مارست إيمانها من خلال خدمة المسنين والمحتاجين. حصلت على شهادتي الطب والجراحة من جامعة بافيا عام 1949، وفي عام 1950 افتتحت عيادة طبية في ميزيرو قرب مسقط رأسها ماجينتا.
في عام 1952 تخصصت في طب الأطفال في جامعة ميلانو، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تولي اهتمامًا خاصًا بالأمهات والرضّع والمسنين والفقراء. كانت تعتبر مهنة الطب رسالة حياتها، وتعاملت معها بروح الإيمان والعطاء. كما زادت من نشاطها في حركة «العمل الكاثوليكي»، وهي حركة علمانية تهدف إلى عيش وتعزيز تعليم الكنيسة الاجتماعي في العالم.
كانت جانّا تطمح إلى الالتحاق بأخيها الكاهن المرسَل في البرازيل لتقديم خدماتها الطبية للنساء الفقيرات، إلا أن حالتها الصحية المزمنة جعلت ذلك غير ممكن، فتابعت عملها في إيطاليا. اختارت دعوة الزواج واعتبرته عطية من الله، وكرّست نفسها بالكامل لتنشئة عائلة مسيحية حقيقية.
في كانون الأول 1954 التقت ببييترو مولا، وهو مهندس كان يعمل في عيادتها. وخُطِبا رسميًا في نيسان التالي، وتزوجا في أيلول 1955، لتصبح جانّا زوجة سعيدة. كتبت لزوجها بييترو: «الحب هو أجمل شعور وضعه الله في نفس الرجال والنساء».
في تشرين الثاني 1956 رزقت بابنها الأول بييرلويجي، ثم ابنتها الثانية ماريا زيتا في أيلول 1957، ثم ابنتها الثالثة لورا في تموز 1959. عاشت الأمومة بروح عالية، وكانت قادرة على الجمع بين حياتها المهنية والعائلية بروح منسجمة.
في عام 1961 حملت بطفلها الرابع، لكن مع اقتراب نهاية شهرها الثاني من الحمل شعرت بألم شديد، وتبيّن للأطباء أنها تعاني من ورم ليفي في الرحم، أي أنها كانت تحمل طفلًا وورمًا في الوقت نفسه. عرض عليها الأطباء ثلاثة خيارات: الإجهاض لإنقاذ حياتها والسماح لها بإنجاب المزيد من الأطفال لكن مع فقدان الطفل، أو استئصال الرحم بالكامل لإنقاذ حياتها ولكن مع فقدان الطفل وعدم الإنجاب من جديد، أو إزالة الورم فقط مع احتمال تعقيدات قد تهدد حياتها ولكن تحفظ حياة الجنين.
ويؤكد تعليم الكنيسة الكاثوليكية، انسجامًا مع الطب والقانون الطبيعي والتقليد المسيحي الراسخ، أن للجنين حقًا أساسيًا في الحياة. ورغبة منها في الحفاظ على حياة طفلها، اختارت جانّا إزالة الورم فقط، حتى لو كان ذلك قد يعرّض حياتها للخطر.
في الواقع، كانت جانّا مستعدة لتقديم حياتها من أجل طفلها، إذ طلبت من الجراحين أن ينقذوا حياة طفلها على حياتها. وجدت التعزية في صلاتها وإيمانها الراسخ. أنقذ حياة الطفل، فشكرت جانّا الله على ذلك بامتنان. لكن بعد العملية استمرّت المضاعفات طوال فترة الحمل، لكنها تابعت حياتها بقوة لا مثيل لها وتفانٍ لا يلين في أداء مسؤولياتها كأم وطبيبة.
قبل الولادة بأيام، صلّت طالبة من الله أن يخفف الألم عن طفلها، وكانت تدرك احتمال وفاتها أثناء الولادة، لكنها كانت مستعدة لذلك. كانت جانّا واضحة تمامًا بشأن رغبتها، إذ قالت لعائلتها: «إذا اضطررتم للاختيار بيني وبين الطفل، فلا تترددوا: اختاروا الطفل. أصرّ على ذلك. أنقذوا الطفل».
في 21 نيسان 1962 أنجبت جانّا طفلتها جانّا إيمانويلا بعد عملية قيصرية. جرّب الأطباء العديد من العلاجات والإجراءات لإنقاذ الحياتين. إلا أنه في 28 نيسان 1962، وبعد أسبوع من ولادة الطفلة، توفيت جّانا بسبب التهاب الصفاق الإنتاني، ودُفنت في ميزيرو.
تم إعلان تطويبها من قبل البابا يوحنا بولس الثاني في 24 نيسان 1994، ثم أعلنت قديسة رسميًا في 16 أيار 2004. وقد حضر زوجها وأبناؤها، بمن فيهم جانّا إيمانويلا، القداس، وهي المرة الأولى التي يشهد فيها زوج إعلان قداسة زوجته.
وصفها البابا يوحنا بولس الثاني خلال إعلان القداسة بأنها: «رسولة بسيطة، لكنها ذات معنى عظيم للحب الإلهي». وتُعد القديسة جانّا مصدر إلهام لأول مركز طبي كاثوليكي أمريكي مخصص لصحة المرأة المؤيد للحياة في نيويورك، وهو «مركز جانّا».
وهي شفيعة الأمهات والأطباء والأجنّة، ويُحتفل بعيدها في 28 نيسان.