موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يُعرف شهر أيار على نطاق واسع بأنه "شهر مريم" أو "الشهر المريمي"، وهو شهر تخصصه الكنائس والرعايا لإقامة الصلوات الخاصة، ومن بينها تلاوة السبحة الوردية، لتكريم القديسة العذراء مريم. لكن لماذا هذا الارتباط؟ وكيف أصبح شهر أيار مرتبطًا بأمّنا العذراء؟
هناك عدة عوامل ساهمت في هذا الارتباط. أولًا، في اليونان وروما القديمتين كان شهر أيار مخصصًا لآلهة وثنية مرتبطة بالخصب والربيع (أرتميس وفلورا على التوالي). هذا الأمر، إلى جانب طقوس أوروبية أخرى كانت تحتفل بقدوم فصل الربيع، جعل العديد من الثقافات الغربية تنظر إلى شهر أيار باعتباره شهر الحياة والأمومة. وكان ذلك قبل ظهور فكرة "عيد الأم" بزمن طويل، رغم أن الاحتفال الحديث يرتبط بشكل وثيق بهذه الرغبة الفطرية في تكريم الأمومة خلال أشهر الربيع.
وفي هذا السياق، تُقدّم صورة مريم كـ"الحديقة المغلقة". ففي التقاليد الروحية، تُشبه مريم العذراء بـ"الحديقة" (Hortus Conclusus) التي أنبتت "ثمرة الحياة" (يسوع). وبما أن شهر أيار هو شهر تفتح الحدائق فعليًا، وجد المؤمنون فيه انعكاسًا طبيعيًا لجمال مريم وطهارتها.
في الكنيسة الأولى توجد دلائل على وجود عيد كبير للقديسة العذراء مريم يُحتفل به في 15 أيار من كل عام، لكن لم يصبح شهر أيار مرتبطًا بشكل خاص بالعذراء إلا في القرن الثامن عشر. ووفقًا للموسوعة الكاثوليكية، فإن "تقوى شهر أيار بصيغتها الحالية نشأت في روما، حيث قام الأب لاتوميا من الكلية الرومانية التابعة لجمعية يسوع، لمواجهة الإلحاد والانحلال الأخلاقي بين الطلاب، بنذرٍ في أواخر القرن الثامن عشر بأن يكرّس شهر أيار لمريم. ومن روما انتشرت هذه الممارسة إلى الكليات اليسوعية الأخرى، ثم إلى معظم الكنائس الكاثوليكية في الطقس اللاتيني".
ولم يكن تخصيص شهر كامل لمريم تقليدًا جديدًا، إذ وُجد سابقًا تقليد لتخصيص ثلاثين يومًا لمريم، وكان يُسمّى أيضًا "شهر السيدة" (Tricesimum). وقد انتشرت مختلف التقويات الخاصة بمريم بسرعة خلال شهر أيار، كما ورد في كتاب "راكّولتا"، وهو مجموعة صلوات نُشرت في منتصف القرن التاسع عشر.
"إنه تقليد معروف أن يُكرَّس لشفيعتنا القديسة مريم شهر أيار، باعتباره أجمل وأزهر أشهر السنة. وقد انتشرت هذه التقوى منذ زمن طويل في أنحاء العالم المسيحي؛ وهي شائعة هنا في روما، ليس فقط في العائلات الخاصة، بل أيضًا كتقوى عامة في العديد من الكنائس. وقد منح البابا بيوس السابع، من أجل تشجيع جميع المسيحيين على ممارسة هذه التقوى الرقيقة والمحببة للعذراء، والتي تحمل فائدة روحية عظيمة لهم، إذنًا خاصًا في 21 آذار 1815، لجميع المؤمنين في العالم الكاثوليكي الذين يكرمون العذراء بصلوات أو ممارسات تقوية خاصة، سواء في العلن أو في القلب".
في عام 1945، ثبّت البابا بيوس الثاني عشر شهر أيار كشهر مريمي بعد أن أسّس عيد "مريم العذراء الملكة" في 31 أيار. وبعد المجمع الفاتيكاني الثاني، نُقل هذا العيد إلى 22 آب، بينما أصبح 31 أيار عيد "زيارة الطوباوية مريم العذراء".
إن شهر أيار هو شهر غني بالتقاليد، وزمن جميل في السنة لتكريم أمّنا السماوية.