موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٩ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
نبوءة الحضور: الحياة المكرَّسة حيث تُجرَح الكرامة ويُمتحَن الإيمان

أبونا :

 

بمناسبة اليوم العالمي للحياة المكرسة الذي يُحتفل به في عيد تقدمة الرب، 2 شباط، وجّهت دائرة مؤسّسات الحياة المكرسة والمعاهد الرسولية رسالة بعنوان "نبوءة الحضور: الحياة المكرَّسة حيث تُجرَح الكرامة ويُمتحَن الإيمان"، أعربت فيها عن امتنانها لجميع المكرَّسات والمكرَّسين حول العالم على وفائهم للإنجيل وحضورهم المستمر إلى جانب المحتاجين والضعفاء، في أماكن يُجرَح فيها الإنسان ويُختبر الإيمان.

 

وأوضحت الدائرة أنّ الحياة المكرسة، بجميع أشكالها -الرسولية، التأملية، النسكية، ورتبة العذارى- تمثّل نبوءة حضور وبذرة سلام في عالم مليء بالتحديات، حيث تُزرع الرجاء وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتُصبح شهادة حيّة على المحبة والوفاء لله وللبشرية.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للرسالة:

 

 

الأخوات والإخوة المكرّسون الأعزّاء:

 

نودّ، من خلال هذه الرسالة، أن نصل إليكم في كل أنحاء العالم، في الأماكن التي تعيشون فيها وتقومون برسالتكم، لنعبّر عن امتناننا لأمانتكم للإنجيل، ولعطية الحياة التي تبذلونها، حياةً تصير بذرةً مبعثرة في طيّات التاريخ. حياة قد تُوسَم أحيانًا بالتجارب، لكنها تُعاش دائمًا كعلامة رجاء.

 

خلال السنة الماضية، ومن خلال زيارات الدائرة ورحلاتها الراعوية، نلنا نعمة أن نلمس هذه الحياة وأن نتأثّر بها، إذ التقينا وجوهًا كثيرة من أشخاص مكرَّسين دُعوا إلى مشاركة أوضاع معقّدة: سياقات يطبعها النزاع، وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، والفقر، والتهميش، والهجرة القسرية، والعيش كأقليات دينية، والعنف، والتوتّرات التي تمتحن كرامة الإنسان وحريته، وأحيانًا إيمانه نفسه. وتُظهر هذه الخبرات مدى قوّة البعد النبوي للحياة المكرَّسة بوصفها «حضورًا باقيًا»: حضورًا إلى جانب الشعوب والأشخاص المجروحين، في أماكن يُعاش فيها الإنجيل غالبًا وسط الهشاشة والتجربة.

 

وهذا «البقاء» يتّخذ أشكالًا وتحدّيات متنوّعة، لأن تعقيدات مجتمعاتنا متعدّدة: حيث تطغى الهشاشة المؤسسية وانعدام الأمان على الحياة اليومية؛ حيث تواجه الأقليات الدينية ضغوطًا وقيودًا؛ حيث يتجاور الرخاء مع الوحدة، والاستقطاب، وأشكال جديدة من الفقر واللامبالاة؛ حيث تُقوِّض الهجرة، واللامساواة، والعنف المنتشر أسس العيش المشترك. وفي أجزاء كثيرة من العالم، تختبر الأوضاع السياسية والاجتماعية الثقة وتستنزف الرجاء. ولهذا السبب بالذات، يصبح حضوركم الأمين، المتواضع، الخلّاق، والصامت أحيانًا، علامةً على أن الله لا يتخلّى عن شعبه.

 

إن «البقاء» الإنجيلي ليس جمودًا ولا استسلامًا، بل هو رجاء فاعل يولِّد مواقف وأفعال سلام: كلمات تجرّد سلاح العنف حيث تبدو جراح الصراعات كأنها تمحو الأخوّة؛ علاقات تشهد لرغبة في الحوار بين الثقافات والأديان؛ خيارات تحمي الصغار حتى عندما يكون الوقوف إلى جانبهم مكلفًا؛ صبرًا في المسارات، حتى داخل الجماعة الكنسية؛ مثابرة في البحث عن دروب مصالحة تُبنى بالإصغاء والصلاة؛ وشجاعة في فضح الأوضاع والبُنى التي تنكر كرامة الإنسان والعدالة. ولهذا السبب، لا يبقى هذا «البقاء» خيارًا شخصيًا أو جماعيًا فحسب، بل يصير كلمةً نبوية للكنيسة جمعاء وللعالم.

 

وفي هذا البقاء، كبذرةٍ تقبل أن تموت لتزهر الحياة، تتجلّى نبوءة كل أشكال الحياة المكرَّسة، في تنوّعها وتكاملها. فالحياة الرسولية تُظهر قربًا فاعلًا يدعم الكرامة المجروحة؛ والحياة التأملية تصون، بالشفاعة والأمانة، الرجاء عندما يُمتحَن الإيمان؛ والمعاهد العلمانية تشهد للإنجيل كخميرة خفيّة في الواقع الاجتماعي والمهني؛ والعذارى المكرّسات تبرز قوّة المجانية والأمانة المنفتحتين على المستقبل؛ والحياة النسكية تذكّر بأولوية الله وبالجوهر الذي ينزع سلاح القلب. وفي تنوّع هذه الأشكال، تتكوّن نبوءة واحدة: أن نبقى بالمحبّة، من دون تخلٍّ، ومن دون صمت، جاعلين من حياتنا كلمةً لهذا الزمن من التاريخ.

 

وفي قلب نبوءة البقاء هذه، ينضج شاهد السلام. وقد ذكّر البابا لاون الرابع عشر بذلك مرارًا في خطاباته، مشيرًا إلى السلام لا كيوتوبيا مجرّدة، بل كمسيرة يومية متطلّبة، تحتاج إلى الإصغاء، والحوار، والصبر، وتوبة الفكر والقلب، ورفض منطق القوي الذي يسحق الضعيف. فالسلام لا يولد من المواجهة، بل من اللقاء، ومن تحمّل المسؤولية المشتركة، ومن القدرة على الإصغاء والسير السينودسي، ومن محبّة الجميع على مثال الإنجيل، حيث الجميع إخوة وأخوات. ولهذا، فإن الحياة المكرَّسة، عندما تبقى قريبة من جراح الإنسانية دون أن تستسلم لمنطق النزاع، ومن دون أن تتخلّى عن قول حقيقة الله عن الإنسان والتاريخ، تصبح -وغالبًا بلا ضجيج- صانعة سلام. نشكركم، أيها الأخوات والإخوة المكرَّسون، على مثابرتكم عندما تبدو الثمار بعيدة، وعلى السلام الذي تزرعونه حتى حين لا يُعترف به.

 

ولا نزال نعتزّ بخبرة يوبيل الحياة المكرَّسة، الذي دعانا إلى أن نكون حجّاج رجاء على درب السلام. فليس هذا شعارًا ولا صيغة جاهزة، بل أسلوب حياة إنجيلي نواصل تجسيده يومًا بعد يوم، حيثما تُجرَح الكرامة ويُمتحَن الإيمان. نوّدع كل واحدةٍ وكل واحدٍ منكم بين يدي الرب، ليجعلكم راسخين في الرجاء، وودعاء القلوب، قادرين على البقاء، وعلى التعزية، وعلى البدء من جديد؛ وهكذا تكونون، في الكنيسة وفي العالم، نبوءة حضور وبذرة سلام.