موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
خلال قداس اليوم العالمي للحياة المكرّسة، ذكّر البابا لاون الرابع عشر جميع المكرّسين والمكرّسات: «وأنتم، إذ تلتزمون باتباعه عن قرب، وتشاركون في إخلائه ذاته لتحيوا في روحه، تستطيعون أن تبيّنوا للعالم، في حريّة من أحبّ وغفر بلا حدود، الطريق لتجاوز النزاعات وزرع الأخوّة».
وقدّم قداسته هذا التذكير خلال عظة القداس الإلهي الذي ترأسه مساء الاثنين بمناسبة اليوم العالمي للحياة المكرّسة، الذي أُسّس في عام 1997 من قبل القديس البابا يوحنا بولس الثاني، ويُحتفل به سنويًا في عيد تقدمة الرب يسوع إلى الهيكل، في الثاني من شباط.
وأشار البابا إلى إنجيل القديس لوقا، الذي يروي كيف تعرّف سمعان وحنّة على يسوع وأعلنا أنّه المسيح في الهيكل، ملاحظًا: «نرى هذا اللقاء يتم بين حركتين من المحبّة: محبّة الله الذي يأتي ليخلِّص الإنسان، ومحبّة الإنسان الذي ينتظر مجيء الله بإيمان ساهر». وأوضح أنه مع الاحتفال باليوم العالمي الثلاثين للحياة المكرّسة، «فإنّنا نرى أيقونة لرسالة الرهبان والراهبات في الكنيسة والعالم».
وقال البابا: «ترك لكم مؤسّسوكم ومؤسّساتكم، في انقيادهم لعمل الروح القدس، نماذج رائعة في كيفيّة عيش هذه الرسالة بصورة عمليّة. ففي تجاذب دائم بين الأرض والسماء، اندفعوا بإيمان وشجاعة، وانطلقوا من مائدة الإفخارستيا، وتوجّه بعضهم إلى صمت الأديرة، وبعضهم إلى تحدّيات الرسالة، وغيرهم إلى التعليم في المدارس، أو إلى بؤس الشوارع، أو إلى مشقات الرسالات».
وأضاف: «كانوا يرجعون في كلّ مرة، بالإيمان نفسه، بتواضع وحكمة، إلى أقدام الصليب وأمام بيت القربان، ليقدّموا كلّ شيء ويجدوا في الله منبع وغاية كلّ أعمالهم. وبقوة النعمة أقدموا أيضًا على مشاريع خطيرة، وصاروا هم حضورًا مصلِّيًا في بيئات معادية وغير مبالية، ويدًا سخيّة وكتفًا صديقًا في أوضاع الانحطاط والأماكن المهجورة، وشهادة سلام ومصالحة وسط بيئات الحرب والكراهية، وكانوا مستعدّين أيضًا لأن يتحمّلوا عواقب معارضتهم للتيار جعلهم في المسيح "آيَةً مُعَرَّضَةً لِلرَّفْض"، وأحيانًا حتّى الاستشهاد».
وأشار إلى أنّ البابا بندكتس السادس عشر كتب في إرشاده الرسولي بعد السينودس "كلمة الله" أنّ «تفسير الكتاب المقدّس يبقى ناقصًا إن لم نُصغِ إلى الذين عاشوا حقًا كلمة الله». وبناءً على ذلك، قال البابا لاون: «ونحن نريد أن نتذكّر الإخوة والأخوات الذين سبقونا، لأنّهم كانوا أبطالًا لهذا التقليد النبويّ، الذي فيه تخدم حياة النبي نفسه كلمة الله". لنقم بذلك، قبل كلّ شيء، لكي نتسلّم منهم الراية».
وأشار البابا إلى أن المكرّسين اليوم، من خلال إعلان نذورهم الإنجيلية والخدمات المتعدّدة في المحبّة التي يقدمونها، «مدعوّون إلى أن يشهدوا أنّ الله حاضر في التاريخ لخلاص جميع الشعوب، في مجتمع يبدو فيه الإيمان والحياة وكأنّهما يزدادان بعدًا أحدهما عن الآخر، باسم تصوّر زائف ومقزّم للإنسان».
وقال: «تشهدون أيضًا أنّ الشاب، والكبير في السن، والفقير، والمريض، والسجين، لهم مكانهم المقدّس على مذبح الله وفي قلب الله، وأن كلّ واحد منهم هو في الوقت نفسه مقدسٌ لا يجوز الاعتداء عليه، لأنّ الله حاضر فيه، فنركع أمامه لكي نلتقي به، ونعبده، ونمجّده».
وأشار البابا أنّه «ومن العلامات أيضًا وجود ”المبشرّين العديدين بالإنجيل“ الذين تحافظ عليهم جماعاتكم الكنسية في سياقات شتى وصعبة، حتى وسط النزاعات. لا يرحلون، ولا يهربون، بل يبقون، مجرّدين من كلّ شيء، ليكونوا نداءً، أبلغ من ألف كلمة، في سبيل قدسيّة الحياة التي لا يجوز الاعتداء عليها، في عريها الأشد، فيصيرون بحضورهم، حتى حيث تدوّي الأسلحة وحيث يبدو أنّ الهيمنة والمصالح والعنف هي السائدة، صدىً لكلام يسوع: "إِيَّاكُم أَن تَحتَقِروا أَحَدًا مِن هؤُلاءِ الصِّغار. أَقولُ لكم إِنَّ ملائكتَهم في السَّمَواتِ يُشاهِدونَ أَبَدًا وَجهَ أَبي الَّذي في السَّمَوات" (متّى 18، 10)».
وأشار البابا إلى أن المجمع الفاتيكاني الثاني يذكّرنا بأن «الكنيسة… لن تبلغ كمالها إلا في المجد السماوي، عندما يأتي الزمن الذي فيه، مع الجنس البشري، يبلغ الكون كلّه كماله النّهائي في المسيح». وأوضح أن هذه النبوءة موكولة إليهم «أنتم الرجال والنساء المرسّخين أقدامكم في الأرض، وفي الوقت نفسه، تصلّون وتقولون: "اجْعَلْنَا نَصْبُو إِلَى الأُمُورِ الَّتِي فِي العُلَى"»، مُذكّرًا بأن «المسيح مات وقام ليحرّر أولئك الذين ظلوا طوال حياتهم في العبودية مخافة الموت».
واختتم البابا لاون الرابع عشر عظته بالقول: «أيتها المكرّسات وأيها المكرّسون الأعزاء، الكنيسة اليوم تشكر الرب يسوع وتشكركم على حضوركم، وتشجعكم على أن تكونوا، حيثما ترسلكم العناية الإلهيّة، خميرة سلام وعلامة رجاء. لنوكل عملكم إلى شفاعة مريم الكاملة القداسة وجميع مؤسّسيكم ومؤسِّساتكم القدّيسين، ونحن نجدّد معًا على المذبح تقدمة حياتنا لله».