موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في المُخيلة الشعبية، يُمثّل عام 1054 لحظة الانشقاق النهائي بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية.
وبحسب السردية الشائعة، كان ذلك العام هو النقطة التي أعلنت فيها كنيستا الشرق والغرب، اللتان كانتا قد أخذتا بالابتعاد إحداهما عن الأخرى عبر قرون طويلة، تبادل الحَرْم الكنسي «anathema»، ما أدّى إلى انقسام ما زال قائمًا حتى اليوم.
ولم يحدث أي تحرّك لتجاوز تلك القطيعة إلا بعد ما يقارب ألف عام، حين عبّر رؤساء الكنيستين عام 1965 -البابا بولس السادس وبطريرك القسطنطينية أثيناغوراس الأول- عن أسفهم لأحداث عام 1054، في إعلان مشترك عُرف على نطاق واسع باسم «رفع الحَرْم المتبادل».
مساء الأربعاء 21 كانون الثاني 2026، كان هذا الإعلان محور مؤتمر عُقد في معهد الدراسات المسكونية، التابع لجامعة القديس توما الأكويني الحبرية في روما، تحت عنوان: «الذكرى الستون لرفع الحرَمْ الكنسي: شفاء الذاكرة والوحدة المسيحية».
وشارك في المؤتمر كلٌّ من الكاردينال كورت كوخ، رئيس دائرة تعزيز وحدة المسيحيين، ورئيس الأساقفة جوب غيتشا، متروبوليت بيسيديا، وهما الرئيسان المشاركان للجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية.
غير أنّ منسّق اللقاء، الأب هياسينت ديستيفيل، لفت في كلمته الافتتاحية إلى أنّ عنوان المؤتمر كان مضللاً إلى حدّ ما، إذ إنّه «في الواقع، لم تكن هناك حرمانات، ولم يحصل بالتالي أي رفع لها». وعقب المؤتمر، أوضح المتروبوليت جوب في حديثه لموقع فاتيكان نيوز أنّه في عام 1054 «قد تكون حصلت قطيعة في الشركة الكنسيّة» بين الكنيستين، لكنّ «لم يكن هناك انشقاق».
فماذا حدث فعليًا عام 1054؟
في كلمته، أوضح الكاردينال كوخ أنّ ما سلّمه المندوبون اللاتين في القسطنطينية لم يكن حَرْمًا موجّهًا ضد الكنيسة اليونانية ككل، بل مرسوم حَرْم كنسي استهدف ثلاثة أشخاص محدّدين، من بينهم البطريرك ميخائيل سيرولاريوس. وعندما ردّ البطريرك ومجمعه بعد عدة أشهر بالمثل، أصدروا هم أيضًا حَرْمًا اقتصر على عدد محدود من الأشخاص، وكان المقصود في هذه الحالة المندوبين البابويين.
علاوة على ذلك، أكّد الكاردينال كوخ أنّه، في الوقت الذي أُعلن فيه مرسوم الحَرْم الأصلي في القسطنطينية، كان البابا الذي أصدره، البابا لاون التاسع، قد توفي قبل ذلك بعدة أشهر، ما يعني أنّ هذا المرسوم «لم تكن له أي قيمة قانونية كنسية». وبناءً على ذلك، قال الكاردينال، توجد «فروق جوهرية» بين أحداث عام 1054 وأحداث عام 1965، إذ إنّ الأولى كانت محصورة في دائرة ضيقة من الأشخاص، في حين شدّدت الثانية على الروابط التي تجمع بين الكنيستين.
وأشار الكاردينال إلى أنّ الإعلان المشترك لعام 1965، وإن لم يؤدِّ فورًا إلى تحقيق الوحدة، إلا أنّه أطلق ما وصفه بـ«علم الكنائس الشقيقة»، الذي بموجبه تُقرّ كلٌّ من الكنيستين بشرعية الأخرى، وتُعربان عن رغبتها في التعلّم من بعضهما البعض. واعتبر أنّ هذا يشكّل خطوة أولى ضرورية في المسيرة المسكونية، التي ستتبعها، في يوم من الأيام، استعادة الشركة الإفخارستية.
في كلمته خلال المؤتمر، سلّط رئيس الأساقفة جوب غيتشا، متروبوليت بيسيديا، الضوء على أعمال عدد كبير من المؤرخين، من كلتا الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، الذين أسهموا في تفنيد السردية التقليدية حول «انشقاق» عام 1054.
ومن بين هؤلاء، أشار إلى مارتن جوجي، الكاهن والباحث الكاثوليكي الفرنسي المولود عام 1878، الذي رأى -بحسب ما أوضح أيوب- بأنّ الحَرْم المتبادل عام 1054 لم يكن بداية انشقاق بين الكنيستين، بل كان «المحاولة الأولى، التي لم تنجح، لإنهاء هذا الانشقاق». كما توقّف عند الصياغة القوية للإعلان المشترك لعام 1965، حيث أعلن كلٌّ من البابا والبطريرك عزمهما على «إلغاء هذه الحرمانات».
بعد ذلك، شدّد على التقدّم المحرز في معالجة الخلافات اللاهوتية بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، ولا سيّما في ما يتعلّق بمسألتي السينودسية (المجمعية) والأولوية. كما أشار إلى خيار البابوات المتعاقبين بعدم تلاوة عبارة «والمنبثق من الابن» في قانون الإيمان -وهي من أبرز أسباب التوتر التاريخي بين الكنيستين- خلال اللقاءات المسكونية، واصفًا قرار البابا لاون الرابع عشر حذف هذه العبارة أثناء صلاة الغروب المسكونية في روما في أيلول من العام الماضي بأنّه علامة «رجاء عظيم».
وفي الختام، أكّد أنّ التقدّم المحقَّق على الصعيد المؤسسي بات كبيرًا إلى درجة أنّ الأولوية الأساسية اليوم يجب أن تكون ضمان قبوله على نطاق أوسع. فالوحدة بين الكنيستين -كما شدّد- لن تتحقق إلا عندما تصبح موضع رغبة وعمل، لا من قبل القيادة الكنسية وحدها، بل من قبل الإكليروس والعلمانيين أيضًا.