موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
حوار أديان
نشر الجمعة، ٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦
الأب علاء بعير يكتب: من وثيقة الأخوّة الإنسانية إلى واقع معاش
الأخوّة الإنسانية… مسؤوليتنا جميعًا

كاهن رعية الكرك :

 

بدعوة كريمة من المعهد الملكي للدراسات الدينية، وبمناسبة اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية وأسبوع الوئام بين الأديان، تشرفتُ بحضور ندوة فكرية تناولت الأخوّة الإنسانية في فكر قداسة البابا فرنسيس وفضيلة شيخ الأزهر أحمد الطيب. وقد قدم الندوة كلٌّ من الأب الدكتور رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، والدكتور عامر الحافي، المستشار الأكاديمي في المعهد، في طرح اتسم بالهدوء والعمق والمسؤولية الفكرية.

 

توقف المتحدثان عند المسار التاريخي لوثيقة الأخوّة الإنسانية، وما حملته من دعوة واضحة إلى كرامة الإنسان، ونبذ العنف، وتعزيز ثقافة المحبة. وكان لافتًا الأسلوب المتزن الذي قدمه الأب رفعت بدر، إلى جانب القراءة الأكاديمية الهادئة للدكتور عامر الحافي، بما يعكس نموذجًا للحوار القائم على المعرفة والاحترام المتبادل.

 

غير أن السؤال الأبرز الذي طرح خلال النقاشات بقي حاضرًا: كيف نحوّل هذه القيم الإنسانية من نصوص وخطابات إلى واقع معاش يلمسه الناس في حياتهم اليومية؟ وهو سؤال مشروع، خاصة في ظل ما يشهده العالم من توترات وانقسامات، ويضع مسؤولية مباشرة على المؤسسات التربوية والمجتمعية.

 

وانطلاقًا من ذلك، يمكن العمل على ثلاثة مستويات مترابطة.

 

أولًا، على المستوى التربوي، من خلال تخصيص يوم وطني للنشاطات التعليمية داخل المدارس والجامعات خلال هذه المناسبة، يتضمن ورش عمل وحوارات تعريفية بثقافة الوئام وأهمية احترام المعتقدات، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي.

 

ثانيًا، على المستوى المجتمعي، عبر تنظيم لقاءات شبابية حوارية في مختلف محافظات المملكة، تجمع شبابا وشابات من خلفيات دينية متنوعة، بما يسهم في كسر الصور النمطية وتعزيز قيم الانتماء المشترك. ويمكن هنا للمعهد الملكي للدراسات الدينية، الذي نهنئ مديرته الجديدة الدكتورة الشابة تغريد عودة، أن يقوم بهذا المجهود على مستوى الوطن الكبير.

 

ثالثًا، على المستوى العملي، من خلال تنظيم زيارات مشتركة للأماكن المقدسة والمواقع الدينية الإسلامية والمسيحية، لتكون تجربة حية تحوّل القيم إلى ممارسة يومية بعيدا عن التنظير.

 

في الخلاصة، لا تكمن قيمة وثيقة الأخوّة الإنسانية ولا أسبوع الوئام بين الأديان، في جمال النصوص أو رمزية الاحتفال فحسب، بل في قدرتنا على ترجمتها إلى سلوكيات وخطوات عملية على أرض الواقع. وعندما تصبح هذه القيم جزءًا من التجربة التعليمية والمجتمعية لشبابنا، نكون قد أسهمنا في بناء مجتمع يحترم الإنسان ويصون كرامته.

 

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن الأردن كان سبّاقًا عالميًا في حمل رسالة الوئام والعيش المشترك، حين أطلق جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين مبادرة أسبوع الوئام بين الأديان، وتبنبته جميع دول الأمم المتحدة، عام 2010، في امتداد لنهج هاشمي قائم على الاعتدال واحترام الإنسان. وهي رسالة وطنية وإنسانية تضع على عاتقنا جميعا، نحن  أبناء وبنات هذا الوطن، مسؤولية الاستمرار في ترجمة هذه المبادرات إلى واقع معاش، يعكس صورة الأردن الحقيقية كنموذج للتلاقي الإنساني والسلام.