موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في 14 نيسان 2025، اعترف الفاتيكان بـ«الفضائل البطولية» للمهندس المعماري أنطوني غاودي، المعروف بتصميمه كنيسة «لا ساغرادا فاميليا». ومع هذا الاعتراف، أُعلن غاودي «مكرّمًا»، وهي الخطوة الثانية على طريق إعلان القداسة.
من هو هذا الرجل الملقّب بـ«مهندس الله»؟ وما معنى أن يُدعى فنان «مكرّم»؟
وُلد أنطوني غاودي في 25 حزيران 1852 في كتالونيا. وأظهر منذ طفولته علامات موهبة فنية لافتة وحساسية عميقة. وقد أبعده المرض المزمن في طفولته عن اللعب مع الأطفال، ما منحه وقتًا طويلًا للتأمل في الطبيعة، وهو ما ترك أثرًا كبيرًا في أسلوبه المعماري العضوي الفريد لاحقًا. كان يقول: «لإنجاز الأشياء بشكل صحيح، تحتاج أولًا إلى الحب، ثم إلى التقنية».
درس الهندسة المعمارية في برشلونة، حيث كانت رسوماته الجريئة وتصاميمه غير التقليدية تُقابل إما بالرفض باعتبارها غريبة، أو بالإشادة باعتبارها رؤية إبداعية استثنائية. ومع تقدّمه في العمر، تعمّق إيمانه بشكل واضح. كان يحضر القداس الإلهي يوميًا، ويحافظ على حياة صلاة منتظمة، ويقدّم العطاء للفقراء بسخاء.
ومع الوقت، ترك المشاريع التجارية بالكامل وكرّس حياته لما اعتبره رسالته: إكمال كنيسة ساغرادا فاميليا. هذه البازيليك الشاهقة، التي لا تزال قيد الإنشاء منذ نحو 150 عامًا، ليست مجرد معلم سياحي، بل كانت بالنسبة له «تعليمًا دينيًا من الحجر»، وإعلانًا حيًا للإنجيل يستمر بعد وفاته.
بحلول مطلع القرن العشرين، كان غاودي يعيش حياة شبه نسكية. كان يرتدي ببساطة شديدة، يصوم كثيرًا، ولا يغادر محيط البازيليك إلا نادرًا. كما رفض الأوسمة والألقاب، وكان يقول: «موكلي ليس مستعجلًا» في إشارة إلى الله.
في حزيران 1926، وأثناء توجهه إلى الاعتراف، صدمه ترام في الشارع. وبسبب مظهره البسيط، ظُنّ خطأً أنه متسوّل، فلم يتلقَّ العلاج فورًا. نُقل لاحقًا إلى مستشفى خيري، حيث توفي بعد ثلاثة أيام عن عمر 73 عامًا. ودُفن غاودي في سرداب كنيسة ساغرادا فاميليا، الكنيسة نفسها التي أمضى عقودًا في بنائها روحيًا ومعماريًا.
إن إعلان «المكرّم» يعني أن الكنيسة تعترف بأن غاودي عاش الفضائل المسيحية -مثل الإيمان والرجاء والمحبة والتواضع والشجاعة- بدرجة بطولية. وهذا لا يتعلق بعبقريته الفنية، بل بقداسته الشخصية. وكما يذكّر التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: «لقد كان القديسون دائمًا مصدر التجدد في أصعب لحظات تاريخ الكنيسة» (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 828).
وتُعدّ حياة غاودي تذكيرًا بأن الإيمان والجمال والالتزام ليست مفاهيم منفصلة، بل يمكن أن تتكامل معًا.
أما الخطوة التالية في مسار إعلان قداسته، فتتطلب الاعتراف بمعجزة موثّقة تُنسب إلى شفاعته. ومع ذلك، يُقدَّم غاودي اليوم كنموذج حيّ لكيف يمكن للإبداع والتواضع والإيمان أن لا تبني فقط مباني، بل تُشكّل أيضًا النفوس.