موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ٢١ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
شرع القوَّة وقوَّة الشرع

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

تُعبّر عبارة "شرع القوَّة وقوَّة الشرع" عن جدلية أساسية في الفكر الإنساني واللاهوتي، حيث يتقاطع البعد الفلسفي مع البعد الكتابي في تحديد العلاقة بين السلطة والشرعية، وبين القوَّة والشرعية. ففي حين يميل الفكر الوضعي إلى تبرير القوَّة باعتبارها معياراً للشرع، يقدّم الكتاب المقدس واللاهوت المسيحي رؤية معاكسة، ترى أن الشرع هو الذي يمنح القوَّة معناها، وأن القوَّة لا تكون شرعية إلا إذا خضعت للشرع. فـ"شرع القوَّة" يعكس جانباً غريزياً في النفس البشرية، يتمثل في الميل إلى فرض الإرادة عبر أدوات التفوق المادي أو النفوذ الاجتماعي، وهو ما يجعل القوَّة أحياناً تُغري أصحابها بالاعتقاد أنها تمنحهم شرعية مطلقة. لكن هذا التصور يظل هشاً لأنه يقوم على الخوف والإكراه، وهما عاملان لا يمكن أن يؤسسا لاستقرار دائم.

 

بينما "قوَّة الشرع" تعبر عن رؤية مغايرة تعتبر أن الشرع في ذاته يمتلك قوَّة معنوية وروحية قادرة على الصمود أمام الظلم، حتى وإن بدا أصحاب الشرع ضعفاء مادياً. إنَّ المقارنة بين المفهومين تكشف أن شرع القوَّة يؤدي غالباً إلى سيطرة مؤقتة تنهار مع الزمن، بينما قوَّة الشرع تمنح استمرارية واحتراماً يتجاوز حدود القوَّة المادية. ومن هنا فإن قوَّة الشرع ليست مجرد فكرة مثالية، بل هي واقع يتجلى في قدرة المبادئ العادلة على الاستمرار رغم تبدل الظروف، وفي قدرتها على إلهام الأفراد والجماعات لمقاومة الظلم.

 

لذلك، تصبح عبارة "شرع القوَّة وقوَّة الشرع" ليست مجرد صياغة بلاغية، بل مبدأً وجودياً يحدد مسار الأفراد والجماعات، ويكشف أن القوَّة الشرع لا تُقاس بما يُفرض بالقهر، بل بما يُبنى على أساس العدالة والشرعية والقبول الطوعي. وأن الخيار بينهما يحدد شكل الحضارات ومصيرها. التجارب التاريخية والحديثة تشير إلى أن القوَّة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تمنح شرعية دائمة، بينما الشرع، حتى وإن بدا ضعيفاً في لحظة معينة، يمتلك قدرة كامنة على الصمود والتأثير، لأنه يتوافق مع الضمير الإنساني ومع تطلعات الشعوب نحو الحرية والكرامة.

 

إن استكمال النقاش حول عبارة "شرع القوَّة وقوَّة الشرع" يقودنا إلى النظر في انعكاساتها على الواقع المعاصر، حيث لا تزال هذه الثنائية حاضرة في العلاقات الدولية، وفي البنى الاجتماعية والسياسية داخل الدول. فـ"شرع القوَّة" يظهر بوضوح في السياسات التي تعتمد على التفوق العسكري أو الاقتصادي لفرض الهيمنة، وهو ما نراه في النزاعات الإقليمية والحروب التي تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق العدالة. غير أن هذا المنطق، وإن بدا ناجحاً في المدى القصير، فإنه يواجه تحدياً دائماً يتمثل في فقدان الشرعية أمام الرأي العام العالمي، وفي مقاومة الشعوب التي ترفض الخضوع للقوَّة المجردة. أما "قوَّة الشرع" فتتجلى في الحركات المدنية التي تناضل من أجل الحرية والمساواة، وفي القوانين الدولية التي تسعى إلى إرساء مبادئ العدالة فوق اعتبارات القوَّة، مثل المواثيق الأممية التي تؤكد على شرع الشعوب في تقرير مصيرها، والتي تُعتبر معياراً أخلاقياً يعلو على حسابات القوَّة.

 

يُطرح في الفكر السياسي سؤال محوري يتمحور حول العلاقة بين القوَّة والشرعية: هل تكفي القوَّة بذاتها لتوليد الشرعية، أم أن الشرعية لا تُكتسب إلا عبر القوَّة؟ إن هذا السؤال يعكس جدلية عميقة بين مفهوم السلطة ومفهوم الشرعية، حيث يتداخلان في البنية النظرية والعملية للنظم السياسية. فالسلطة، في معناها المباشر، تُعرَّف بأنها القدرة على فرض النظام وإصدار الأوامر وضبط المجتمع. وقد يرى بعض المنظّرين أن مجرد امتلاك هذه القدرة يخلق شرعية واقعية، إذ يصبح الحكم مقبولًا لأنه قائم بالفعل ويؤدي وظيفة الاستقرار. غير أن هذا القبول يظل هشًّا ومؤقتًا، لأنه يقوم على الخوف أو الضرورة أكثر مما يقوم على الاعتراف الطوعي. في المقابل، تُفهم الشرعية باعتبارها الاعتراف بأن السلطة عادلة ومحقّة، وهي التي تمنح الحكم استقرارًا طويل الأمد، لأنها تستند إلى قواعد أخلاقية أو قانونية أو دينية، أو إلى عقد اجتماعي يربط الحاكم بالمحكومين. ومن ثم فإن السلطة قد تفرض نفسها وتنتج شرعية مؤقتة، لكن الشرعية الحقيقية لا تُبنى إلا على قبول الناس واعترافهم بعدالة الحكم. فالسلطة تُرغم، أما الشرعية فتُقنع، ولا يمكن لأي نظام أن يستمر طويلًا إذا اكتفى بالقوَّة دون أن يحظى باعتراف يبرر وجوده. وعليه، فإن العلاقة بين السلطة والشرعية ليست علاقة خطية أو أحادية الاتجاه، بل هي علاقة جدلية متبادلة. فالسلطة من دون شرعية تتحول إلى قهر، والشرعية من دون سلطة تبقى مجرد فكرة أو مبدأ غير قادر على التطبيق. ويُظهر التاريخ السياسي أن الأنظمة التي اعتمدت على القوَّة وحدها سرعان ما واجهت مقاومة أو انهارت، بينما الأنظمة التي بنت سلطتها على أساس من الشرعية القانونية أو الأخلاقية استطاعت أن تضمن استقرارًا أطول وأعمق.

 

كما أن الشرعية ليست ثابتة، بل تتغير بحسب السياق الاجتماعي والثقافي؛ فما يُعتبر شرعيًا في زمن أو مجتمع قد لا يكون كذلك في زمن آخر. وقد تُستمد الشرعية من الدين، أو من القانون، أو من الإرادة الشعبية، أو من الإنجازات العملية التي تحققها السلطة نفسها. وهنا يظهر البعد الديناميكي للعلاقة: فالسلطة تسعى إلى إنتاج شرعية عبر الإنجاز أو عبر الخطاب، بينما تمنح الشرعية السلطة القدرة على الاستمرار دون الحاجة الدائمة إلى الإكراه. وبناءً على ذلك، فإن السلطة والشرعية يتبادلان الأدوار بصورة مستمرة؛ السلطة تحتاج إلى الشرعية كي تُقبل، والشرعية تحتاج إلى السلطة كي تتحقق في الواقع. ومن ثم فإن أي نظام سياسي متوازن هو الذي يجمع بين قوَّة السلطة وعدالة الشرعية، بحيث لا تكون السلطة مجرد هيمنة، ولا تكون الشرعية مجرد شعار فارغ من المضمون.

 

في التعليم الكاثوليكي تُفهم العلاقة بين السلطة والشرعية على أنها علاقة جوهرية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، إذ تؤكد الكنيسة أن السلطة لا تستمد مشروعيتها من القوَّة وحدها، بل من كونها مشاركة في سلطان المسيح نفسه وخدمة للحق والخير العام. فالسلطة في نظر الكنيسة ليست امتيازًا شخصيًا أو أداة للهيمنة، بل هي مسؤولية تُمارس في سبيل بناء الجماعة وحماية كرامة الإنسان، وهي لا تكون شرعية إلا إذا انسجمت مع القانون الطبيعي والإلهي واحترمت العدالة والحرية. ومن هذا المنطلق ترى الكنيسة أن السلطة التي تعتمد على الإكراه وحده تتحول إلى قهر وظلم، بينما الشرعية الحقيقية تُبنى على الاعتراف الطوعي من المؤمنين والمجتمع بأن هذه السلطة عادلة ومحقّة.

 

وهكذا فإن التعليم الكاثوليكي يوضح أن القوَّة وحدها لا تكفي لتوليد الشرعية، بل إن الشرعية هي التي تمنح السلطة معناها وتضمن استقرارها، وأن أي نظام متوازن هو الذي يجمع بين قوَّة السلطة وعدالة الشرعية بحيث لا تكون السلطة مجرد هيمنة ولا تكون الشرعية مجرد شعار فارغ من المضمون. فالكنيسة ترى أن السلطة المدنية، تكون شرعية فقط إذا سعت إلى الخير العام واحترمت حقوق الإنسان الأساسية، وأن أي سلطة تفقد هذا البعد تتحول إلى شكل من أشكال الاستبداد. الشرعية إذن ليست مجرد اعتراف اجتماعي، بل هي أيضًا التزام أخلاقي وروحي يربط ممارسة السلطة بالحق والعدالة. ومن هنا يظهر البعد الجدلي: فالسلطة تحتاج إلى الشرعية كي تُقبل وتستمر، والشرعية تحتاج إلى السلطة كي تتحقق في الواقع وتُترجم إلى مؤسسات وقوانين. هذا التوازن هو ما يجعل النظام السياسي أو الكنسي قادرًا على الاستمرار دون أن يتحول إلى قهر أو إلى مجرد شعار فارغ. إن التعليم الكاثوليكي يوضح أن القوَّة وحدها لا تكفي، وأن الشرعية هي التي تمنح السلطة معناها وتضمن استقرارها، بحيث يصبح الحكم خدمة للإنسان وللخير العام، لا مجرد هيمنة أو سيطرة.

 

ويذكّرنا المجمع الفاتيكاني الثاني، في الدستور الرعوي "فرح ورجاء"(رقم 76)، بأنّ الكنيسة «ليست مرتبطة بأي شكل من أشكال الحكم السياسي» وأنها «لا تستخدم القوَّة الخارجية» لفرض الإيمان. هذا التأكيد يرفض صراحة شرع القوَّة، ويبرز أنّ السلطة الكنسية يجب أن تتجلى كخدمة وشهادة. وبالمثل، الدستور العقائدي "نور الأمم" (رقم 27)، يصف سلطة الأساقفة بأنها سلطة «يجب أن تُمارَس لبناء جسد المسيح السري في المحبة».

 

وهكذا تتجلى قوَّة الشرع الكنسي في قدرة السلطة الكنسية على حماية الشركة وضمان العدالة، ولكن دائمًا في منطق المحبة والخدمة. وهي تتميّز جذريًا عن شرع القوَّة، الذي يتجلى في إساءات استعمال السلطة أو في توظيف القوَّة الروحية لأغراض سياسية. وهذه الانحرافات تذكّر بأنّ القوَّة الغاشمة لا يمكن أن تؤسس شرعية دائمة في الكنيسة، لأنّ السلطة الكنسية هي في جوهرها خدمة وليست هيمنة. فشرع القوَّة يبقى إغراءً دائمًا، خصوصًا في السياقات التي تواجه فيها المؤسسة الكنسية ضغوطًا سياسية أو اجتماعية. فالكنيسة، الأمينة للإنجيل، تؤكد أنّ سلطتها تقوم على قوَّة الشرع، وحماية كرامة المؤمنين. وتشهد الكنيسة أنّ قوَّة الشرع وحدها، المحرَّكة بالشرع والرحمة، قادرة على ضمان سلطة شرعية وجديرة بالثقة. لذلك، بينما يظهر شرع القوَّة كانحراف سلطوي يخون الطبيعة الأصيلة للسلطة الكنسية ويقود إلى الاستبداد، قوَّة الشرع، المرتبطة بالشرع والرحمة، تضمن شرعية الكنيسة ومصداقيتها في رسالتها الجامعة.

 

وفي العالم المعاصر، المطبوع بالسعي إلى الشفافية والمشاركة، تتجلى قوَّة الشرع الكنسي في المسارات السينودسية، حيث تُمارَس السلطة كخدمة، وحيث تضمن القوانين النظام والعدالة. وتشهد الكنيسة بذلك أنّ قوَّة الشرع وحدها، المتجذّرة في الإنجيل والموجّهة نحو الشركة، قادرة على ضمان سلطة جديرة بالثقة وأمينة لرسالتها الجامعة. فاليوم، تُظهر  السينودسية أنّ قوَّة الشرع في الكنيسة هي أولًا قوَّة شركة، تتيح لجميع المؤمنين المشاركة في التمييز والرسالة. ويؤطّر الشرع الكنسي هذا المسار، لا ليفرض بالقوَّة، بل ليضمن النظام والعدالة والأمانة للإنجيل. وهكذا تصبح قوَّة الشرع علامة على المصداقية والاتساق، بينما يظل شرع القوَّة إغراءً ينبغي رفضه.

 

 

الخاتمة

 

إن التمييز بين "شرع القوَّة" و"قوَّة الشرع" ليس مجرد جدل لغوي أو فلسفي، بل هو مفتاح لفهم العلاقة بين السلطة والشرعية في التاريخ والفكر واللاهوت. فمن جهة، يكشف الكتاب المقدس أن القوَّة المنفصلة عن الشرع تتحول إلى ظلم، وأن الله نفسه يقف ضد منطق الهيمنة، كما في نداء الأنبياء لإدانة استغلال السلطة. ومن جهة أخرى، يعلن المسيح أن الشرع هو الذي يحمل القوَّة الشرعية، قوَّة المحبة والتضحية، التي تتجلى في الصليب والقيامة، حيث يُهزم العنف ويُقام الإنسان في كرامته. لذلك، التمييز بين "شرع القوَّة" و"قوَّة الشرع" يُبرز قلب الرسالة المسيحية: الشرع هو الذي يمنح القوَّة معناها، والقوَّة لا تكون شرعية إلا إذا خضعت للشرع. وهكذا، يظل الشرع معياراً أسمى، وقوته هي الضمانة الوحيدة لشرعية السلطة وخلاص الإنسان.

 

في ضوء هذه الرؤية، يتضح أن الكنيسة مدعوة إلى أن تُظهر "قوَّة الشرع" في مواجهة "شرع القوَّة"، وذلك عبر الدفاع عن الكرامة الإنسانية، بلا خوف، ومقاومة الظلم بوسائل سلمية.